هكذا قال سرحان عبد البصير، أو عادل إمام في مسرحية «شاهد ما شفش حاجة» وقد وجد نفسه متهماً في قضية قتل «الست عنايات» وعليه أن يثبت أنه لم يكن موجوداً في البيت ساعة وقوع الجريمة، وقد جرى استجوابه في المحكمة حول ذلك، لكنه وهو الإنسان البسيط، لم يكن يضع للوقت حساباً، فيومه يقضيه بين البيت، والتلفزيون، حيث مقر عمله، وحديقة الحيوان مصدر متعته، حيث يلتقي بأصدقائه الأرانب هناك: «تيمور، وهندي، ومنجاوي» وهي بالمناسبة أسماء لأصناف من المانجو، يعرفها المصريون!
ويبدو أننا مع أزمة كورنا، حيث يسع المرء بيته، (مجبر أخاك لا بطل) دون أن يبكي على خطيئته، صار إحساسنا بالوقت مثل إحساس سرحان عبد البصير به، فلم أنتبه إلى أننا في يوم الخميس، إلا عندما شاهدت على شاشة «الجزيرة» معلماً من معالم هذا اليوم، وهو برنامج «سيناريوهات» لمحمد كريشان، وكان يمكن ألا أنتبه إلى موعد كتابة هذه الزاوية، صباح يوم الجمعة، الذي كنت سأتعامل معه على أنه يوم الخميس، وليس فيه ساعة إجابة، فاللهم شل أركانه، من الشلل، وأرنا فيه يوماً أسود من قرن الخروب، عاجلاً غير آجل، وأنت يا إلهي علام الغيوب، وتعلم ما في نفسي، ومن المعني بدعائي هذا!
عام الضباب
برنامج «سيناريوهات» جاء مع حملة تطوير شهدتها «الجزيرة» أعزت قوماً ولم تذل آخرين، وألغيت فيها الكثير من البرامج المهمة ومن «حديث الثورة» إلى «المشهد المصري» ونحت في اتجاه الرشاقة، فكان برنامج «الجزيرة هذا الصباح» وهو الذي يدفعني لتمني وقوع أحداث يومية ضخمة، حتى تكون سبباً في تعليق بثه، كما حدث مع ثورة السودان وغيرها، أما أنه حملة لم تذل آخرين، فلأن مقدمي البرامج الملغاة سعوا في مناكبها ولم يعانوا البطالة، واستمروا في البرامج الإخبارية الأخرى مثل «ما وراء الخبر» أما محمود مراد، نجم «المشهد المصري» فقد أخذ برنامجاً من بابه هو «سباق الأخبار» قبل أن ينتقل إلى «مدينة الضباب» بصوت الرئيس السادات وهو يقول «عام الضباب» ويقصد به سنة 1972 التي وعد أنها ستكون سنة الحسم، وإعادة الأرض، لكنه تراجع عن وعده، بحجة «الضباب» الذي فسره بعد ذلك بسنوات، بأنه كان قد التقى بقيادات الجيش للوقوف على احتياجاتهم للحرب من السلاح، وأرسلها للاتحاد السوفيتي ولم يتلق رداً، فسافر إلى الهند وطلبها من انديرا غاندي، فطلبت منه أن يمهلها حتى تحصل على الإذن من السوفيت!
ولا يمكن أن تصدق السادات في الكثير من «حواديته» فربما أراد أن يبرر قراره باعتماد واشنطن قبلة له، فقال ما قال، وهو كان رحمة الله عليه، عندما يعجزه الواقع يلجأ للخيال، وقد ضربنا مثلاً هنا من قبل على ذلك بحديثه عن الشيخ كشك، وشاه إيران، ولم يكن في الأمرين يقول الحقيقة، لكن الصحيح أن الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل كتب في هذه الفترة مقاله «تحية للرجال» وكان عن عدم جاهزية الجيش المصري للحرب، وهي رؤية قال إنه كونها من زيارته للجبهة، ولم يكن قد دب الخلاف بينه وبين السادات عندما كتب المقال، والذي عندما دب كان هذا المقال موضوعا للتحقيق أمام المدعي العام الاشتراكي عندما أحيل له، واستخدم في اتهامه بأنه كان يعمل على الترويج للروح الانهزامية داخل الجيش، مع أن السادات هو نفسه من أكد على هذا المعنى، بوصفه «عام الضباب» أو «سنة الضباب»!
وجبة دسمة
وبانتقال محمود مراد إلى «مدينة الضباب» فقد حل محله «عندليب الجزيرة الأسمر» عثمان آي فرح، وهو من نجوم «المشهد المصري» ولهذا قلنا إن التطوير وإن كان قد أعز قوماً فلم يذل آخرين، وكسب المشاهد منه برنامج «سيناريوهات» الذي هو «وجبة دسمة» تجمع بين برنامجين خسرهما المشاهد «أكثر من رأي» لسامي حداد، وفي العمق» لعلي الظفيري.
و«الجزيرة» تكسب بهذه البرامج، التي لم تستطع القنوات التي أطلقت لتنافسها أن تجاريها فيها، فهي ليست قناة منوعات، مع أهمية هذا النوع من البرامج، بل صار مع التنوع في شاشاتها ينقصها «الجزيرة دراما» بعد هذا التردي في الدراما العربية، بتوقف المد الدرامي السوري، وانسحاب مصر بعد احتكار العسكر للمهمة فأجلسوا الفنانين الكبار في البيوت، حتى اشتكى الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة من ذلك، وطالب المنتجين بالتعامل معه على أنه موهبة جديدة، وأن يضعوه تحت الاختبار، وذلك في مداخلة مع برنامج «استوديو التاسعة» في التلفزيون المصري!
فاته أن الممثلين الكبار من أمثاله ليسوا مطلوبين لهذه المرحلة، التي يتصور فيها العسكر قدرتهم على خلق نجوما من العدم، ليكن أمثاله مجرد ضيوف شرف لحلقة أو حلقتين، أو للقيام بدور الميت في مسلسل، كما جرى مع الفنان عبد العزيز مخيون في مسلسل «البرنس» الأمر الذي وصفه أبو زهرة بأن الكبار ليسوا مطلوبين سوى لأدوار ضيف الشرف التي يصفها هو بـ «ضيف قرف» وضحك مقدم البرنامج وائل الابراشي ضحكة لها معنى فالشركة المنتجة لبرنامجه والتي تسيطر على التلفزيون المصري هي التي تحتكر الإنتاج الدرامي!
ما علينا، فقد مثل برنامج «سيناريوهات» إضافة مهمة، لشاشة الجزيرة، ليس فقط لأنه يناقش قضاياها برصانة وبهدوء، ويناقش قضايا الحاضر وصولاً لاستشراف المستقبل، ولكن لأن مقدمه على مستوى المناقشة، لأنه واحد من «اسطوات المهنة» جمع «أسطى» وقد جمع بين الحسنيين، حيث الممارسة والتعليم، والأولى نشاهدها على الشاشة، والثانية من خلال سؤالنا لمن حضروا دوراته في «معهد الجزيرة للتدريب» وقد عرف الإعلام المصري في أيام مجده ظاهرات «الاسطوات» الذين كانوا يصنعون من الفسيخ شربات، والذين كانوا يمثلون عملية الضبط المهني في المؤسسات الصحافية، كما في التلفزيون المصري، وبغيابهم كان هذا العنوان للأهرام «الكتابة عن المأساة» متبوعا بهشتاج «كلنا الجيش المصري» فبدت المأساة المقصودة في مقال وحيد عبد المجيد، هي شعار كلنا الجيش المصري!
قضية الجبري
لا يزعج «كريشان» المشاهد ويوتره، وهو يدير حواره حيث ينتقل من ضيف إلى آخر في سهولة، فلا عصبية ولا مقاطعة بدون معنى إلا لكي يثبت المذيع أنه موجود، وهي المقاطعات التي تحدث أحياناً بلا مبرر موضوعي إلا لأن المذيع يطمع في دور الضيف!
كان عنوان حلقة «سيناريوهات» الأخيرة «قضية الجبري المسارات والتداعيات» وهي ذكرتنا بأنه يوم الخميس وليس الأربعاء، وأن اليوم التالي هو الجمعة وليس الخميس، حيث فيه ساعة إجابة: «اللهم شل أركانه عاجلاً غير آجل»!أما «الجبري» فهو رجل المخابرات السعودي «سعد الجبري» وقد أصبح بين عشية وضحاها نجماً تناقش الفضائيات قضيته، لكن «سيناريوهات» غطى جوانب لم تتطرق لها المناقشات الإخبارية السريعة، حيث الوقت يداهمنا يا زلمة، وحيث صخب الحديث يصل إلى الاستوديوهات، فيطرح أسئلة كانت الإجابة عليها تحتاج إلى الرصانة في التناول، والجدية في المعالجة، والقدرة على إدارة الحوار بين ضيوف لا يشبه بعضهم بعضا في التخصص، فضيوف برنامج كريشان «على الفرازة» وإذا كان هناك ضيف حضر في مناقشات أخرى، فإن الأسئلة المطروحة عليه، تغطي على فكرة الاستهلاك له، فقد كان الدكتور سعد الفقيه هو ثالث ثلاثة!
والحقيقة، أن التميز بالسؤال كان سمة «سكاي نيوز عربية» في مرحلة البث الأولى لها، فتستضيف نفس الضيوف الذين كانوا على شاشات أخرى يتحدثون في نفس القضية، لكنهم بفضل الأسئلة لا يكررون أنفسهم ولا يعيدون تكرار ما قالوا.قال سعد الفقيه إن المرحلة الأهم في قضية سعد الجبري قد حدثت، فقد قبلت الدعوى، وليس أمام محمد بن سلمان إلا أمر من إثنين، هو تجاهل القضية وهو من شأنه صدور حكم قضائي بإدانته غيابيا، والخيار الثاني قد يكون سبباً في تحويل القضية إلى المحكمة الجنائية، لأنها عبارة عن سلسلة جرائم وليست مجرد قضايا فساد، كما يروج النظام السعودي.
وفي ما يخص الحصانة، فليست له حصانة التي تعطى لرمز الدولة، ومهما يكن فهناك ثلاثة عشر متهما آخرين من رجاله لا يتمتعون بأي نوع من الحصانة!
ونقل كريشان الحوار نقلة للأمام بسؤاله لـ «دو غلاس لندن» الضابط السابق بوكالة المخابرات الأمريكية عن موضوع الحصانة، ففي قضية محمد سلطان ضد رئيس وزراء مصر السابق حازم الببلاوي منحته الخارجية الأمريكية حصانة خاصة؟
والذي أكد على أهمية ما ستثيره القضية من قضايا وما ستفتحه من ملفات تختص بالفساد وكيف تمضي الأمور في السعودية، معترفاً بحماية ترامب وصهره لمحمد بن سلمان!وإن كان الضيف الثالث خالد صفوري رئيس مؤسسة المصلحة الوطنية في واشنطن أكد على أنه في المستقبل قد لا يكون هناك ترامب ووزير خارجيته الذي يمكن أن يسبغ الحماية على محمد بن سلمان، والكونغرس قد يكون له رأي مختلف وإذا كانت الأغلبية في مجلس الشيوخ قد تحمي محمد بن سلمان، فإن هذه الحماية قد لا تستمر عند اجراء الانتخابات الجديدة.
وخلاصة ما قاله ضيوف كريشان، إن سعد الجبري قد أنهى أسطورة محمد بن سلمان، فقد انتهى وإن بقي على قيد الحياة، وهو الذي لم يكتف باغتيال الصحافي جمال خاشقجي وتقطيعه، ولكنه كان ينتوي ارتكاب جريمة أخرى باغتيال سعد الجبري، فلما فشل أخذ أولاده رهائن، وكأنه زعيم عصابة لا ولي عهد مسؤول في دولة.إن برنامج سيناريوهات صار علامة مميزة ليوم الخميس، الذي يتبعه يوم الجمعة حيث فيه ساعة إجابة، ولهذا فإني داع فأمنوا:
«اللهم شل أركانه عاجلاً غير آجل»!
٭ صحافي من مصر