حكومة المشيشي والسيناريوهات الممكنة هل تستعد كبرى الأحزاب في تونس للانتخابات المبكرة؟

روعة قاسم
حجم الخط
1

أزمة حكم متواصلة في البلاد من مسبباتها القانون الانتخابي الذي ساهم في إيصال برلمان لا يمتلك فيه أي حزب أغلبية قادرة على تكوين حكومة وفق برنامج سياسي واقتصادي محدد

 

تونس-“القدس العربي”: تتجه الأنظار في تونس إلى موعد انعقاد الجلسة البرلمانية المخصصة للتصويت على حكومة المكلف هشام المشيشي وما يمكن ان يتمخض عنها من نتائج. ولئن كان مرور الحكومة أمرا محسوما بالنسبة إلى البعض، بالنظر إلى تخوف عديد الكتل البرلمانية من خيار الانتخابات المبكرة، إلا أن السؤال الذي يطرح هو هل ستصمد أمام ضعف حزامها السياسي وما هي المدة التي ستبقى فيها في الحكم؟

لقد أراد المشيشي في البداية النأي بحكومته عن التجاذبات السياسية والصراعات الحزبية التي شهدتها البلاد مؤخرا وبات البرلمان ساحة لها عوض أن يكون مختبرا لإيجاد الحلول لأزمات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وغيرها، لكن المكلف بتشكيل الحكومة وجد نفسه يسقط في مطب “التكنوقراط” مع ما يعنيه ذلك من غياب لحزام سياسي داعم متين وقادر على الصمود لفترة طويلة بعد نيل التزكية. ويبدو بناء على ذلك أن الأحزاب الكبرى في تونس وفي مقدمتها حركة النهضة تدرك بأن سيناريو الانتخابات المبكرة أمر وارد خاصة وأن كثيرا من المحللين شككوا في إمكانية استمرار هذه الحكومة لأكثر من ستة أشهر.

وطرحت حركة النهضة على لسان رئيسها ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي موضوع تنقيح القانون الانتخابي وذلك خلال زيارة أداها إلى صفاقس يوم الأحد الماضي مؤكدا بأن هذا القانون لم يفرز إلا برلمانا مشتتا. وقد رأى البعض في هذه التصريحات مؤشرا على ان الحركة تستعد لكل السيناريوهات بما في ذلك الانتخابات المبكرة، وان ذلك يفترض اللجوء إلى تعديل القانون الانتخابي لتتمكن من الفوز في الانتخابات المقبلة بأغلبية مريحة تتيح لها تشكيل حكومة لها برنامج محدد تقع مساءلتها عليه، وليس حكومة بعدة أحزاب مع كل ما تحمله من تنافر بين مكوناتها ومقاربات متباينة للحكم والسلطة والسياسات الداخلية والخارجية. لأن اللجوء إلى انتخابات مبكرة بالقانون الانتخابي نفسه لن يغير شيئا من المشهد السياسي وسيتمخض عن هذه الانتخابات تشتت حزبي في البرلمان، خاصة ان القانون الحالي يعتمد نظام أفضل البقايا الذي يمّكن الأحزاب الصغيرة من التواجد في البرلمان ويحول دون تشكل الكتل الكبرى.

ويقول المحلل والناشط الحقوقي رمزي الخليفي لـ “القدس العربي” إن جل الكتل البرلمانية ستصوت بفعل الضغط لصالح منح الثقة لحكومة المشيشي وستمر تحت ضغط ورقة حل البرلمان لأن أغلب المتواجدين فيه من أحزاب وكتل ومستقلين لا يرغبون بإعادة الانتخابات تحت أي ظرف من الظروف”. ويتابع محدثنا: “فباستثناء حزب النهضة والحزب الدستوري الحر وائتلاف الكرامة فإن باقي الكتل ليست ضامنة لرجوعها إلى البرلمان باعتبارها صعدت بأفضل البقايا، وتحت هذا الضغط ستتم المصادقة على الحكومة”. ويستطرد: “لكن في المقابل  يبدو أن هناك نية مبيتة لتمرير هذه الحكومة في مرحلة أولى ثم السعي إلى إسقاطها في ما بعد، بالتالي فإن هذه الحكومة في تصوري لن تعمّر طويلا ولن تتجاوز الستة أشهر نظرا لغياب الحزام السياسي والنية المبيتة لأغلب الكتل والأحزاب لإسقاطها باعتبارها لا تمثلهم ولا تخدم مصالحهم سواء الحزبية أو الشخصية”.

 

تعديل القانون الانتخابي

أما بالنسبة للقانون الانتخابي وإمكانية تعديله يجيب:   “نحن أمام احتمالين، فإذا تمّ تمرير الحكومة فإن البرلمان يمكن في مرحلة لاحقة ان يعدل القانون الانتخابي. ولكن إذا لم تتم المصادقة على هذه الحكومة واتخذ قرار بحل البرلمان فإنه لا يمكن الحديث عن قانون انتخابي جديد ومن المفروض ان تعاد الانتخابات بنفس القانون الانتخابي، باعتبار ان الدستور حدد صلاحيات الرئيس والمراسيم التي يمكن أن يصدرها في فترة ما بين حل المجلس وانتخاب المجلس الجديد. إذ لا يمكن اتخاذ مراسيم تتعلق بتغيير القانون الانتخابي وبالتالي ستعاد الانتخابات بهذا القانون وستفرز نفس المشهد البرلماني المشتت وربما أسوأ منه”.

وقال الخليفي إن من الصعب التوافق على قانون انتخابي جديد لأن الأحزاب الكبرى تريد أن ترفع في العتبة الانتخابية لصعود القوائم للبرلمان بعدد معين من الأصوات. ولكن هناك أغلبية برلمانية تقدر بحوالي الثلثين صعدت بسبب هذه العتبة المنخفضة من خلال أكبر البقايا، وليس من مصلحتها تغيير مثل هذه العتبة. لذلك فإن التوافق على قانون انتخابي جديد سيكون من الصعوبة بمكان ولا يمكن التوصل إلى اتفاق لإقامة تغييرات جوهرية فيه”.

وبالعودة إلى القانون الانتخابي الحالي فإنه تّم وضعه من قبل الهيئة العليا لتحقيق أهدف الثورة وتمّ على أساسه انتخاب المجلس التأسيسي سنة 2011 ونُقحّ بصفة جزئية وغير جوهرية قبل انتخابات 2014 عبر إضافة بعض الفصول المتعلقة بمسائل الترشح. ومن أهم المآخذ على هذا القانون – حسب الخليفي- أنه لا يسمح بإفراز أغلبية يمكن أن تحكم، بل أنتج تشتتا كبيرا داخل البرلمان لأنه لا يسمح بأن يحصل أي حزب أو قوائم معينة على الأغلبية المطلقة في البرلمان. وكانت الخلفية السياسية لهذا القانون الذي وضع سنة 2011 هو الخشية من تغول أي حزب سياسي على الحكم خاصة ان البلاد كانت خارجة لتوها من نظام ديكتاتوري حكمها لعقود طويلة. وعلى هذا الأساس اتفق واضعو القانون على نصوص تسمح لما يسمى بالأقليات الحزبية أو الأشخاص الذين تحصلوا على عدد بسيط من الأصوات بالصعود إلى البرلمان والحصول على مقاعد.

ولكن هذا القانون الذي كان مفخرة لدى البعض باعتباره يعبّر عن تطلعات وروح الديمقراطية الناشئة، بان بالكاشف بأن فيه سلبيات كبرى. وطوال الأعوام الماضية ورغم تمكّن عديد الأحزاب الكبرى مثل “نداء تونس” الذي اندثر لاحقا، و”حزب النهضة” من الحصول على أعداد كبيرة من الأصوات إلا انها لم تستطع الحصول على أغلبية برلمانية تمكّنها من تشكيل حكومة بمفردها، فكانت هناك دائما الحاجة إلى عقد التحالفات مع باقي الأحزاب والكتل البرلمانية للحصول على العدد الكافي لتمرير الحكومة أي 109 أصوات. كما أن هناك ثغرات أخرى في القانون تتعلق بشروط الترشح وغيرها ولكن تبقى الإشكالية الكبيرة هي في مسألة تشتيت الأصوات وبالتالي تشتيت المجلس النيابي.

في تونس اليوم هناك أزمة حكم متواصلة في البلاد منذ سنوات وتعود إلى أسباب عديدة ولكن يبدو أن جزءا مهما من مسبباتها هو القانون الانتخابي الذي ساهم طيلة السنوات الماضية في ايصال برلمان فسيفسائي مشتت لا يمتلك فيه أي حزب أغلبية برلمانية مريحة قادرة على تكوين حكومة وفق برنامج سياسي واقتصادي معين. وهذا ما يفسر تصاعد ظاهرة عدم الاستقرار الحكومي وتغير الحكومات مع تبدل التحالفات السياسية والحزبية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية