الإنْسَانُ الرومنطيقي يُبْعَثُ من جديد !

قيل لنا ذات زمن (1830) إن الإنسان الرومنطيقي قد تُوفي، وقد تسلم الأدباء والنقاد والمؤرخون شهادة وفاته على عجل، بدون التفطن لما يُمكن أنْ يخلفه هذا الإعلان المبكر من تباعات على الأدب والفكر. ولئن عاد البعض وطوى ذكرى هذا الإنسان، فإن البعض الآخر ظل يتعقب آثاره في الحياة منتظرا بعثا جديدا. ولعل جورج غوسدورف أبرزهم، الذي آمن بهذا الإنسان، وأعاد له الاعتبار في هذا العصر. ورغم أن المدة طويلة بعض الشيء، إلا أن ذلك لا يمنع من أن نسمع له، ونولي قبلتنا إليه عله ينصفنا بما لم تجُد به كتب أخرى حول الرومنطيقية.
منذ أيام تُوج الكاتــــب التونسي محــــمد إيت ميهــــوب بجائزة من خلال ترجمته لكتاب الإنسان الرومنطيقي (L’homme romantique) للمفكر والفيلسوف الفرنسي جورج غوسدورف، وهي ترجمة صدرت عن معهد تونس للترجمة سنة 2018، تحت عنوان «الإنسان الرومنطيقي» وتوزع الكتاب على 570 صفحة تقريباً. ولعل هذا ما يجعلنا نقول إن الترجمة هي الملاذ الوحيد، الذي يجعلنا نَفر من سجون الانغلاق، نحو فضاء أرحب، حيث نلتقي بالآخر، ويحدُث التثاقف البناء، الذي يُسهم في التقدم والمعرفة.
وفق هذا الاعتبار نطمح إلى اقتناص اللحظة، ورصد حركة الفكر، من أجل توثيق حدث نعتقد أنه بالأهمية بمكان، لاسيما وأن صاحب الترجمة، يشير إلى أن هذا كتاب مرجع ذو أهمية قصوى في عالم الأدب والفكر، تحتاجه المكتبة العربية على وجه العموم، ويلتجئ إليه كل مشتغل في حقل الرومنطيقية على وجه الخصوص. إن بعث هذا المنجز من جديد كان حلما عند المترجم والأكاديمي محمد إيت ميهوب، حيث أشار إلى إن ترجمة هذا الكتاب حلم منذ قرأه أول مرة، ويعود ذلك إلى سنوات مضت، وهذا ما يعكس انشغاله به واعتقاده الراسخ أنه ذو قيمة عالية، يقول في حوار أجراه معه مصطفى عبدالله: قد عرفت هذا الكتاب منذ سنوات طوال، وقرأته مرات، وعايشته، وعاشرته، واشتهيت لو كنت له مؤلفا.
يُعتبر الإنسان الرومنطيقي جزءا من بين أجزاء أخرى لسلسلة مترابطة عن الرومنطيقية للمفكر جورج غوسدورف، وهو بمثابة لبنة ضمن مشروع كبير يحاول التأسيس للرومنطيقية. ولعل الطريف في هذا الكتاب أن الرومنطيقية فيه ترتقي إلى نمط حياة، كما يقول المترجم، وهو تجاوز للفهم الكلاسيكي الذي يحصر الرومنطيقية في فضاء الأدبية، أي بوصفها مدرسة أدبية، كما حدث أن تعلمناها ونحن على مقاعد الدراسة. وعليه فالإنسان الرومنطيقي يحاول أن يجـــــذر فهما جديدا للعــالم، تكون الذات والموضوع فيه منصهرين، ويخطو بخطوات ثابتة نحو فهم الإنسان بمنطق مغاير، يحرره من وهم العقلانية المفرطة، ويعود به إلى تفاصيل بناء الذات بكل ما فيها من أبعاد… إنها العودة إلى الإنسان المركب الذي تسهم في تشكيله كيانات متعددة، تأبى اختزاله في مجرد «أنا» مفعول بها وتحويله إلى «أنا» فاعلة منخرطة في واقعها، يقول ميهوب في مقال له «لقد كف الفرد مع الرومنطيقيين عن أن يكون «صفحة بيضاء» كما تصوره رواد العقلانية الغربية في عصر النهضة، صفحة مهيأة ليحفر فيها العالم الخارجي الحسي ما يريد من كتابات.
بناءً على ذلك نعلن – وكما أشرنا في العنوان- انبعاث الإنسان الرومنطيقي من جديد، وهو انبعاث نقصد من ورائه – وفي مرحلة أولى- انبعاث الكتاب الذي ظل في نسخته الفرنسية مجرد مرجع عصي على الفهم، وها هو اليوم وبفعل الترجمة ينبعث من جديد لقراء جُدد، قد يفتحون عوالمه بمنطق مغاير، وقد يفتح ذائقتهم لمعرفة أعمق. ونقصد به – في مرحلة ثانية – انبعاث الرؤية الرومنطيقية التي ظلت – في حدود علمنا- مجرد فكرة مثالية، يركن لها أصحاب الشعرية، ويحتفي بها أهل القلم الفياض خيالا دون غيرهم. إنه انبعاث له صورة جديدة تنخرط بمقتضاها الفكرة الرومنطيقية حسب جورج غوسدورف في تأسيس وعي الإنسان الجديد، فالرومنطيقية في نظره تنفلت من القيود التقليدية التي ألبسها لها البعض، إلى تصورات حديثة تجعل منها ركيزة من ركائز انخراط الإنسان في العالم والفعل فيه وتغييره.
تكمن طرافة هذا الكتاب في أنه يزعزع عرش الفهم التقليدي، الذي تربت في حضنه أجيال، إنه عرش الرومنطيقية المقابلة للعقلانية، الرومنطيقية الحالمة، الخاضعة، الواقفة على أطلال التاريخ، مؤسسا لرومنطيقية الفعل والبناء، الرومنطيقية المفسرة لحقيقة الإنسان، والمنخرطة في تكوينه، ولهذا جاءت أجزاء الكتاب الثلاثة بمثابة الحديث عن «مقومات الأنثروبولوجيا الرومنطيقية» كما أشار المترجم. ومن حسنات هذا الكتاب أنه يُعيد الاعتبار إلى جدل الإنسان، ودوره في الفعل والاختيار، فبعد أن رسمت لنا العقلانية حدودا واهية، تأتي رومنطيقية جورج غوسدورف لتعلن عن إنسان جديد، إنسان رومنطيقي، ولكنه يأبى الفشل ولا ينشد الموت والفناء، كما توهم الكثيرون عبر نصوص شعرية ونثرية متعددة، بل ينشد الحقيقة ويفتش عن الحياة. إن ما انتهجه الكثيرون في الفكر الرومنطيقي تحت عنوان العدمية والفناء، كان مرده وهم أسست له النظرة العقلانية القديمة، وانصاع وراءها الكتاب والنقاد على حد سواء، فشاعت تصورات مغلوطة في نظر غوسدورف، ساهمت وللأسف في تشييد إمبراطورية العقل، وتهميش الجسد والحواس، ونتج عن ذلك بروز كيان أعرج غير قادر على البناء.
تبعا لذلك فالإنسان الرومنطيقي هو نقطة تحول جديدة، تحيا في ظلها الرومنطيقية في عصر التحول التكنولوجي العاصف، حيث يحرض الإنسان على اكتشاف عوالم أخرى في ذاته، كي يستطيع السير نحو الأمام. وليست الرومنطيقية في هذا الصرح الفكري فسحة أدبية تثير ذائقة القارئ، وإنما هي طريقة في التفكير، على إنسان اليوم أن يعيد لها الاعتبار، ويشغلها من أجل استنباط مكنونات ذاته أولا، وفي فهم عالمه المحيط به ثانيا. وإن استطاع الإنسان فهم ذلك سيكف عن وهم الوثوقية، التي رسمها له البعض ويمضي في اتجاه التجربة والخطأ، مفعلا كامل إمكانيته حتى يثبت إنسانيته في هذا الوجود. ولعل جورج غوسدورف بهذا المؤلَف يغضب للإنسان الرومنطيقي، ويحثه على السير وسط ألغام الحياة بدل الانزواء في أبراجه العاجية.
في نهاية هذه السطور نظن أن في داخل كل واحد منا إنسانا رومنطيقيا ينتظر موعد إيقاظه، وليس لنا إلا أن ننظر في مرآة دواخلنا جيدا، فقد يتراءى لنا بشكل من الأشكال ونسمع له ما يقول. وقد تكون قراءة هذا الكتاب جسر عبور يمكن من بلوغ مقصدنا.

٭ باحث تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية