حلّ كوفيد 19 على العالم زائرا مقيماً، فراح يبني عالمه الجديد بكل شغف، ويشقّ له طريقاً وسط الزحام، فأضحى بعد سنة كاملة المتحكم الأبرز في المشهد على جميع الأصعدة. ولعلّ ما يهمني في كلّ هذا ليس تفاصيل هذا الفيروس الطبيّة، ولا دقائقه التاريخية، ولا إرثه الجيني في حقبات الزمن، فقط ما يهمنّي هو طقوسه اللغويّة التي فرضها، واستعارته التصوريّة التي باتت تتقاذفها شفاه المدونين والصّحافيين على اختلاف مشاربهم. وقد يكون من المفيد ـ للتاريخ مستقبلاً ـ أن نلتقط استعارة في ظلّ هذا الزخم المعرفيّ الجديد، فانتماؤنا إلى كوكبة أهل اللّغة تدفع بنا إلى الإنصات لكلّ ما يمرّ خلسة، محاولين الإمساك به قبل أن يمضي ويُنسى.
إلى حدود هذه المقدّمة السريعة يطربني أن أقول للقارئ إنّ صيدنا في هذا المقال يتعلّق باستعارة تسري في مواقع التواصل الاجتماعيّ كسريان النار في الهشيم، وهي استعارة «الجيش الأبيض»، والمقصود بالاستعارة هنا ليست تلك التي نعرفها من قبل ضمن صنوف البلاغيين، وإنما حديثنا على الاستعارة التصورية (Metaphor Conceptual) بلغة العرفانيين حديثا (Cognitive)، تلك التي ابتدعها جورج لايكوف ومارك جونسن في كتابيهما، الاستعارات التي نحيا بها، والقائمة على ضرب من الإسقاط بين مجالين، من قبيل إسقاط مجال الحرب على الجدل، فنقول كما هو معروف: «الجدال حربٌ»، لكي نُفهم مجال النقاش والجدال كونه حرباً.
سنحاول في هذه السطور المستعجلة أن نكشف أنّ «الجيش الأبيض» هو استعارة تدور في فلك هذا الضرب من الاستعارات التي استعملها الكثيرون عن وعي أو عن غير وعي، ولكنّها في الحقيقة معبّرة عن الكيفية التي يبني بها إدراك الإنسان الأشياء من حوله محاولا فهمها، فما الذي جعلهم يصفون الأطباء «بالجيش الأبيض» أي علاقة؟
إنّ استعمال استعارة الجيش الأبيض جاء في سياق ما يشهد العالم من حرب على الوباء، ليكون الأطباء هم جيش هذا العالم، ولكنهم بزي أبيض مكان الأخضر. وواضح من خلال هذين الطرفين (الوباء- الأطباء) أنّنا إزاء حرب فعليّة بين جبهتين، فيها عتاد وجنود وانتصار وخسارة، وكلما احتدت الحرب، إلا واستعمل كلّ طرف خططه واستراتيجياته للمقاومة. ولعل التجاء المتكلمين إلى هذه الاستعارة هو ضربٌ من تقريب الصور، ففي الاستعارة التصورية نحاول أن نُبَنْين مجالاً من خلال مجال آخر، وهنا يقوم المتكلمون ببَنْية مجال المعالجة الطبية بمجال الحرب، وذلك من أجل فهم التجربة ومحاولة استساغتها، فالاستعارة هنا تتحول إلى فعل نضال ضدّ عدو حقيقي أو مفترض، وهي تمارس نوعا من الإقناع ودفع الناس إلى التجنّد فعلاً لتتحوّل اللغة إلى فعل مقاومة.
وإن نحن أمعنا النّظر في هندسة هذه الاستعارة سنجد أنّها مسيجة بتصورات لغويّة أخرى، فنجد لهذا الجيش جنرالاً وهو وزير الصحة، فقد دأب التونسيون مثلاً طيلة الموجة الأولى من الحرب على الوباء تسمية وزير الصحة بالجنرال، وهي تسمية تدخل في إطار هذه الاستعارة، التي بُنيت كما أشرنا وفق منطق إدراكي عميق، فمعلوم أنّ لكلّ حرب قائدا يسوسها وجنودا يأتمرون لأوامره. وليس هذا فقط بل نتعثر في مواقع التواصل الاجتماعي بتفعيل يومي لهذا الاستعارة، ونشاهد ونعيش الحرب فعليا، فقد تقرأ أخبارا من قبيل «سقط اليوم أحد جنود الجيش الأبيض» كناية عن وفاة طبيب أو مساعد داخل مستشفى، وقد تشعر بالأسى عليه، وقد يغتالك الخوف لفقدان أحد الجنود.
إنّ ما تفعله الاستعارة التصورية بهذا الفهم ليست مجرّد عتاب باللفظ يستهوي قلوب القرّاء، وإنّما هي لعبة إدراكية تخفي وراءها كواليس عميقة، فقائل مثل هذه الاستعارات قد لا يكون لغويا فذا، وقد لا يكون عالما باللسانيات، بل هو مجردّ قائل انتظمت أفكاره وفق التجربة، وهذا وحده كافٍ للقول إنّ نجينا بالاستعارة، وهي المتحكمة في أبجديات تفكيرنا. وقد لا يكون هذا المعطى اللغوي هو الوحيد زمن الوباء، فمن مزايا كوفيد 19 أنه قلب موازين اللعبة، ولعل اللغة والأدب والشعر والفلسفة…إلخ معنية بهذا الانقلاب. فماذا نحن فاعلون؟
٭ كاتب تونسي