حان الوقت لنحتفي بحدوسنا

قد لا نغامر كثيرا إنْ نادينا بصوت عالٍ، أنه حان الوقت لتأسيس كوجتو cogito جديد قوامه «أنا أحدسُ إذن أنا موجود» ففي الوقت الذي تربع فيه العقل عرش النظريات والأفكار، أُهمل صوت الجسد وكل ما يحيط به من طقوس المشاعر والأحاسيس والحدوس والأهواء، حتى ذهب في اعتقاد البعض أن هذا النداء الداخلي العميق ليس إلا مجرد هتافات هوجاء، تهفو إلى التمرد على سلطة العقل، وبناء نمط جديد من التفكير، والذي زاد رسوخ هذا الوهم، فكرا واعتقادا ما ذهبت إليه التصورات الفلسفية والفكرية عامة، من إعلاء إمبراطورية العقل على حساب نشوء فكرة الجسد، وقد صادف هذا تجند المقولات الدينية، التي وقفت صدا منيعا في وجه فكرة الإحساس والحدس والأهواء، لتقحمها في مجال الخرافة والجنون، التي تصل حد الاتهام بالتنبؤ وما شابه ذلك، على حد اعتقاد البعض، ويأتي هذا الفهم – في العادة – في إطار احتماء بمقولات ميتافيزيقية وماورائية تعطل مسار التفكير والعلم وتعلق قراءة الظواهر إلى حين.
أمام كل هذا يصادف أن يقول لك حدسك إن شيئا ما سيحدث، وتقول له أنت بعد أن ناقضت نفسك – وبصوت خافت- هذا غير منطقي ولا يقبله عقل، وتطوي الساعات والأيام زمنك اليومي ويأتيك خبرُ الحدس أنْ أنت، فتعيد ترتيب الأشياء داخلك بخجل وتصمت مرة أخرى مخافة النقد، وترضخ لصنم داخلك ترفض أن تحطمه، فتعيش إنسانا أحادي الجانب، وفيك دُرر من الحدس تنتظر من يغوص إلى العمق يستجلبها. وغير بعيد عنا كثيرا ما يتصرف البشر بحدوسهم، وقد يصل البعض منهم إلى اعتبار الحدس منهجا حياتيا يستعمله يوميا، فيقول لك قد حدست أني سأنجح في مهمة ما، ويخبرك آخر أن له إحساسا بأن شيئا ما سيصير مستقبلا، غير أن هذا الإيمان بالحدس لم يرتقِ بعدُ إلى مصاف الاعتقاد به كقطب ثنائي يعادل مهام التفكير والتعقل، فما يزال بعضنا يظن بحدسه ظن السوء، وما يزال ثمة اعتقاد بأننا لابد ألا نصدق ما تقوله لنا أحاسيسنا وحدوسنا، فإن كانت أبسط تعريفات الحدس تقول إنه شعور فطري لاإرادي ينتاب الإنسان، وهو ضرب من التوقع بحدوث شيء ما، فلماذا نحن مرتبكون كل هذا الارتباك أمام حدوسنا، فللحدس مساحات من الصواب أيضا، لكننا نظل في اعتقادي غير قادرين على فتح عوالمه واقتحام بواديه. فهو الغريب غير الملموس، وهو الغائب الحاضر، هو العصي على الفهم بآليات نظر قديمة مهترئة. «فهل نحن منتهون». قد لا يسعنا استيعاب الحدس وفهم كنهه، فهو عصي عن الضبط غير مدرك، لكن لا سبيل إلى الاستغناء عنه، فهو بوابة أمل حين يغيب الأمل.
فسحة تجول سريعة في مواقع التواصل الاجتماعي كافية لتجد جلسات حوار حول هذا المفهوم، فتجد من يقدس الحدس وتتعثر بمن ينفره، وهناك من يرى أن الحدس يختلف من شخص إلى آخر، وقد يصل الأمر إلى تكوين رؤية جندرية للحدس، تجعل من المؤنث الأقدر على هذا الضرب من التمثلات، نظرا لأنهن أكثر قدرة على تمثل الأشياء بوصفهن مجبولات على الإحساس والعواطف، ولهن زاد عاطفي وحسي قادر على أن يلتقط الأشياء قبل حدوثها، ولاسيما في مسائل الحب والعاطفة عموما، وهو ما يُعرف بالحاسة السادسة. في حين يرى البعض أن الذكور أقل حظا في مسائل الحدس نظرا لارتباطهم بتقليد قديم يُعطي أسبقية واهمة بكونهم أقدر الجنسين على ممارسة التعقل، وهي نظرة ذكورية للأشياء، تعطي أسبقية للذكر على حساب الأنثى قوامها أن الذكر يفكر والأنثى تحدس، وهو تصور انسحب على كثير من القضايا، كاعتبار المؤنث شريكا فعليا للهذيان، وأنهن «ناقصات عقل ودين» على حد اعتبارهم، ويجب ألا نثق في أدوات تحليلهن للأشياء، وهذا في اعتقادنا مجانب للصواب، فالحدس طريقة في التفكير تعادل العقل أحيانا ولها شأن في بلورة الأفكار من حولنا، وليس اعتماده ضربا من هذيان الأنثى -كما يزعم البعض- وإنما هو من بواطن النفس وأسرارها.

الحدس اليوم يعتلي عرش مملكة التفكير في أوروبا، وهو بوصلة جديدة يخوض بها الفكر الغربي مسارات البناء، في حين ما يزال الحدس في علاقته بالإنسان العربي مُحاطا بترسانة من المعتقدات والخرافات تُعيق فهمه على الوجه الذي يليق به.

وفي هذا الإطار كتب المفكر السوري عماد فوزي الشعيبي كتابا بعنوان How A female thinks» كيف تفكر الأنثى» الصادر بالإنكليزية في سنة 2008، وبالعربية سنة 2017 وهو كتاب يقلب الموازين في كيفية التفكير، لاسيما وأن صاحبه يقدم جرعات تفكير مستحدثة تُوقظ في الإنسان مكامن الحس، ويعيد الاعتبار إلى هذا الجزء المسكوت عنه في أغوار الجسد الإنساني، وهو اعتبار مبني على فرضيات علمية قوية ترى أن الجزء الأيمن من المخ ذو سمات أنثوية، وهذا الجزء هو الذي تعتمده الأنثى بشكل أساسي، أكثر من الذكر، ولهذا تراها تتحكم بنواصي الحدس والعاطفة، وتوظفها في كثير من الأمور. وقد كان من طموح المؤلف في هذا الكتاب، أن يُعيد الاعتبار إلى هذه المساحة الحدسية الكامنة، حسب اعتقاده العلمي، في الجزء الأيمن من المخ، حيث تسيطر على مفاصل التفكير وتنتج تفكيرا بالحدس.
هذه الفرضية تبلورت بشكل أكثر حرصا في كتاب آخر معنون «بالمخ ذكر أم أنثى؟» للكاتبين عمرو شريف ونبيل كامل، نظرا لتخصص أحدهما في الجراحة والآخر في التنمية البشرية. وهو كتاب يحطم مسلمات التفكير التقليدية، القائمة على معطيات قبْلية، تعتبر أن بنية التفكير، والتنشئة الاجتماعية، وأسلوب الحياة عائدة إلى التربية داخل العائلة، لتؤسس لمنطق جديد يقوم على اعتبار أن بنية المخ، في حد ذاتها، مجددة لطبيعة السلوك ومنها ما يهمنا في هذا الإطار «الحدس» حيث يجد له مكانا في الإمكانات الأولى المؤسسة لرؤية الكون والتعامل معه. ومن زاوية نظر أخرى تصدحُ مقدمة كتاب «الحدس أبعد من أي حس» للهندي أوشو مريم نور بأن «الحدس والحس والفطرة والبديهة هي الثروة المفقودة والموجودة» وهي إحالة على الأدوار التي يمكن أن تتقنها حدوسنا إنْ نحن احتفينا بها، وإنْ كان أوشو يذهب مذهبا آخر في قراءته للحدس، قريبة من المنطق الروحاني والصوفي، حيث يدعو إلى تنشيط دور القلوب، مكان العقول أن ننتقل من «الفكر إلى الحدس من الرأس إلى القلب لأن القلب هو الأقرب إلى الأسرار».
فضلا عن هذا قد تستوطن فكرة الأهواء والحدوس مملكة اللغة، بمنطق سيمائي، نذكر في هذا السياق أن للسيميائيين الفرنسيين ألجيرداس جوليان غريماس وجاك فونتيني كتابا بعنوان «سيميائيات الأهواء من حالات الأشياء إلى حالات النفس» والترجمة للكاتب المغربي سعيد بنكراد، وقد كان هدفهما إعادة الاعتبار إلى سلطة الأهواء المرتبطة بفلسفة التوقع والحدس، في مقاربة الأشياء، وهي فكرة وإن كانت ذات سمات لغوية بحتة، فإنها تعيد الاعتبار إلى هذا الجانب الهووي في الإنسان، وهو جانب مهم في إعادة تشكيل الإنسان الحديث الذي يؤمن بمبدأ التعدد في داخله، ليفتح آفاق التواصل إلى أبعد الحدود.
على سبيل الختام نقول إن الحدس اليوم يعتلي عرش مملكة التفكير في أوروبا، وهو بوصلة جديدة يخوض بها الفكر الغربي مسارات البناء، في حين ما يزال الحدس في علاقته بالإنسان العربي مُحاطا بترسانة من المعتقدات والخرافات تُعيق فهمه على الوجه الذي يليق به، وإذا سلمنا بأن الحدس – وكما تقول النظريات العلمية الحديثة – معطى أنثويا فما علينا سوى إعلاء شأن هذا المعطى، وأن نثق في مملكة المؤنث التي باتت تتحكم في الفعل التاريخي، وبالحدس وحده قد نملك ناصية الإبداع، ففي اعتقادي يبقى المبدع الحق في حاجة إلى حدسه، لكي يؤثث صرحه الفني (رواية / قصة/ مسرحا/ الرسم) فبالحدس تكتمل الرؤية ويولد التميز، ولهذا فنحن مطالبون بالإصغاء إلى حدوسنا والاحتفاء بها أيما احتفاء.

٭ باحث تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية