برنارد ريغان في “وعد بلفور”: الدوافع الرئيسية كانت اقتصادية استعمارية فهل تنطبق على “صفقة القرن”؟

سمير ناصيف
حجم الخط
0

قد يكون أحد أهم عنصري التشابه بين مشروعي “وعد بلفور” و”صفقة القرن” ارتباطهما بدوافع اقتصادية استعمارية للدول الكبرى التي طرحتهما، إلى جانب العوامل السياسية والدينية المرادفة.

وبالتالي، تكتسب الكتب التحليلية الجدية التي صدَرَت منذ عامين ونيّف بمناسبة مئوية وعد “بلفور” أهمية خاصة في هذه المرحلة.

ومن هذه الكتب “وعد بلفور، الإمبراطورية والانتداب والمقاومة في فلسطين” لمؤلفه الكاتب والباحث البريطاني برنارد ريغان، الذي حظي بمراجعات إيجابية من جانب كتّاب فلسطينيين ويهود ومن أكاديميين وخبراء عالميين.

مقاربة الكتاب الرئيسية، وهدف كاتبه، كان حسب الصفحة الأولى مما وردَ في مقدمته: “متابعة الدور الرئيسي الذي لعبته المصالح الامبريالية في إطلاق وتطوير سياسة الإمبراطورية البريطانية في فلسطين التي أدت إلى تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948”.

فهل هناك مصالح امبريالية اقتصادية تكمن وراء سياسات أمريكا، السابقة والحالية، خصوصاً في ظل قيادة الرئيس دونالد ترامب ومشاريعه كـ”صفقة القرن” التي تشجع على التوسع والضم والتطبيع وتطويع قرارات الأمم المتحدة؟

هذا سؤال يُطرح حالياً وخصوصاً لأن الإدارات الأمريكية السابقة والحالية كانت وما زالت في تنافس مع قيادات أخرى عالمية للتحكم بأسواق الشرق الأوسط وللهيمنة عليها كما كانت سياسة الامبراطورية البريطانية عام 1917 لدى صدور “وعد بلفور”.

يشير الكاتب ريغان إلى ظهور لافت لدور الشركات البريطانية الضخمة في وضع الأسس لـ”وعد بلفور” بحيث كانت كل دولة امبريالية آنذاك وفي مطلع القرن العشرين تحاول الترويج لشركاتها في المنطقة كما تحاول حاليا هذه الدول للترويج لصفقات شركاتها في قطاعات الأسلحة والنفط والغاز في الشرق الأوسط.

الدول المنافسة اقتصادياً للإمبراطورية البريطانية في العقدين الأولين من القرن العشرين كانت ألمانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا والنمسا، فيما الدول المنافسة للولايات المتحدة حاليا هي الصين وروسيا ومجموعة من الدول الأوروبية. وبين الشركات التي كانت مقربة من وزارة خارجية الإمبراطورية البريطانية التي أصدرت “وعد بلفور” كانت شركة “روتشيلد” و”بيرينغ” و”براون شيبلي” وبين فاتحي اعتماداتها في القدس كانت الفروع لمصارف كمصرف “باركلي” البريطاني وغيره.

الصراع بين الشركات الضخمة آنذاك على الأسواق في الشرق الأوسط عاد إلى وجود المواد الأولية، التي تحتاج إليها الصناعات الأوروبية، وأهمية إنشاء أنظمة سياسية تمتثل لحاجات الدول الاستعمارية ولمشيئتها الاقتصادية والسياسية، كما هي الحال حالياً في علاقة الولايات المتحدة (وربما روسيا والصين أيضاً) مع بعض الدول الخليجية وغير الخليجية العربية والشرق أوسطية الغنية بالمواد الأولية ومحاولات تبديل جغرافياتها لنقل هذه الثروة بسهولة أكبر والسيطرة على الممرات البرية والبحرية حولها. وشكّل النفط منذ ذلك الحين عنصراً أساسياً في هذا الصراع بين الدول الاستعمارية كما يشكل الغاز عنصراً في أهمية موازية حالياً. ولم يكن الأمر مقتصراً على الدول العربية الغنية بالموارد، بل كانت إيران موضع تنافس على نفطها بين الإمبراطورية البريطانية ومنافسيها في الماضي.

أهمية فلسطين آنذاك، كانت حسب الكاتب، انها شكلت ممراً هاماً لأنابيب النفط من دول الشرق الأوسط النفطية إلى البحر الأبيض المتوسط وممراً لتجارة بريطانيا الضخمة مع الهند في تلك المرحلة. فلم تكن فلسطين تملك موارد طبيعية هامة (كالتي عُثر عليها مؤخراً في سواحلها) بل كانت أهميتها تتمثل في كونها صلة وصلٍ بين اقتصاديّ الغرب والشرق. وتواجدت حاجة آنذاك لإنشاء دولة تابعة للاستعمار تتحكم بقرارات سكانها وشعبها واختيرت الدولة اليهودية (إسرائيل) لهذا الهدف بالإضافة إلى أهداف أخرى، بسبب موقع فلسطين الاستراتيجي برياً وبحرياً ولوجودها إلى جانب قناة السويس الممر الأساسي للسفن البريطانية الذاهبة إلى مواقع النفط والغاز وإلى التجارة مع الهند، حسب نظرية المؤلف.

ويشدد الكاتب على أن مداولات الوزارات البريطانية في مطلع القرن الماضي كانت تركز على خطورة نجاح ألمانيا وحلفائها في الهيمنة على فلسطين وعلى منابع النفط في إيران والعراق. الحرب العالمية الأولى انطلقت برأيه في عام 1914 إثر صراع بين دول التحالف البريطاني، الفرنسي، الروسي، من جهة، ضد تحالف دول المحور الألماني، النمسوي، الهنغاري، العثماني، من جهة أخرى. وان دور الولايات المتحدة، التي دخلت الحرب عام 1917 كان تأمين الأمدادات والدعم المادي للدول المتحالفة مع القيادة البريطانية قبل دخولها الفعلي فيها. العامل الذي بدّلَ المعطيات في هذه الحرب كانت (حسب قوله) الثورة الروسية البلشفية في عام 1917 التي فضحت مشاريع إتفاقية سايكس ـ بيكو و”وعد بلفور” لتقسيم المنطقة بحسب مصالح التحالف البريطاني ـ الفرنسي. وقد سعت الإمبراطورية البريطانية إلى بناء مرفأ في حيفا لتأمين وصول النفط من الموصل في العراق لسفنها الحربية خلال الحرب العالمية الأولى، كما استخدمت حكومة ديفيد لويد جورج (التي أصدرَ وزير خارجيتها آرثر بلفور وعده بانشاء دولة إسرائيل للمنظمات الصهيونية) خبراء من “شركة النفط الإنكليزية الإيرانية” للتخطيط الجغرافي للمنطقة بعد انهيار الدولة العثمانية، كما فعلت الولايات المتحدة في نظام جورج بوش الأبن وقبله في نظام رونالد ريغان باستخدام خبراء نفطيين في عمليات إنشاء “الشرق الأوسط الجديد” بعد احتلال لبنان والعراق (ككوندليزا رايس وقبلها جورج شولتز) وكما فعل ترامب عندما اختار ريكس تيليرسون وزيراً للخارجية ثم تخلى عنه لاحقاً لخلافات بينهما.

وقد اضطرت بريطانيا العظمى خلال الحرب العالمية الأولى للاعتماد اقتصادياً على الولايات المتحدة بقيادة الرئيس وودرو ويلسون، وبالتالي حاولت تصوير مشروعها الأستعماري “وعد بلفور” للاستيلاء على فلسطين وتحويلها كوطن قومي لليهود وكأنها تفعل عملاً إنسانيا بتوفير الملجأ لليهود الذين مورست ضدهم حملات المعاداة للسامية فيما كان مؤسس الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر ثيودور هيرتزل يتفاوض مع عدة دول غير بريطانية أيضاً لتأمين مثل هذا الملجأ، وبين هؤلاء كان قادة ألمانيا والدولة العثمانية وإيطاليا والنمسا.

بيدَ أن الشخصية التي نجحت في استمالة الحكومة البريطانية وتفضيلها على الآخرين كانت قائد الصهيونية في بريطانيا البروفسور حاييم وايتزمان، بدعم من اللورد روتشيلد، صاحب كبرى المؤسسات المالية والصناعية في البلد وبالتالي، أُرسلت أول نسخة من “وعد بلفور” من جانب وزير الخارجية (اللورد بلفور) إلى روتشيلد بعد تنقيحها من قبل وايتزمان ومن دون التفاوض مع أي قيادات فلسطينية أو عربية حولها.

وهنا من المهم الإشارة إلى دور السير ونستون تشرشل الذي دخل إلى الساحة السياسية البريطانية في عام 1911 كوزير للحربية وأصبح وزيراً لشؤون المستعمرات في عام 1921 هو الذي قاد المفاوضات مع ممثلي المجالس الفلسطينية المحلية المعارضين لـ”وعد بلفور” والذين سافروا في عدة رحلات للتفاوض معه كممثل لبريطانيا حول هذا الموضوع، علماً أن رئيس وزراء بريطانيا الحالي بوريس جونسون من المتأثرين والمعجبين بمواقف تشرشل الدولية والمحلية البريطانية وهو الذي أصدر كتاباً عن هذا القائد تشرشل الأكثر شعبية في بريطانيا بعنوان: “عامل ودور تشرشل”. وقد صَدَر هذا الكتاب منذ عامين ونيف أي قبل أن يصبح جونسون رئيساً للوزراء في بريطانيا. حسب كتاب برنارد ريغان، كان تشرشل مؤيداً للحركة الصهيونية منذ انتخابه نائباً في مجلس العموم وقد حاول في مناصبه الوزارية لاحقاً (بعد عام 1911) دفع ممثلي الفلسطينيين إلى لقاء حاييم وايتزمان والتشاور معه حول مشروع الدولة اليهودية والقبول بـ”وعد بلفور”.

يقول ريغان في الصفحة (141) من الفصل الرابع من الكتاب انه في آب (أغسطس) عام 1912 زارت بعثة تمثل المجلس الفلسطيني الرابع لندن والتقت وزير شؤون المستعمرات تشرشل الذي أكد في هذا اللقاء أن الحكومة البريطانية غير مستعدة لتغيير موقفها من “وعد بلفور” كما تفسره الحكومة في لندن، وان “هذا الأمر ليس مطروحاً للنقاش”.

بيد أن تشرشل وفي لقاء على العشاء مع البعثة الفلسطينية في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1921 اقترح على البعثة اللقاء مع حاييم وايتزمان، كما طرح إنشاء دستور لفلسطين يقبل الفلسطينيون فيه ببنود “وعد بلفور” أي أنه كان يروّج دبلوماسياً لهذا الوعد المجحف. وخلال وجود البعثة في لندن وفي حزيران (يونيو) 1922 تمسك تشرشل بورقة عمل حكومية عن فلسطين وضع نصها في عام 1915 الوزير اللورد هيربرت صمويل (المؤيد للصهيونية ولبلفور وللويد جورج) والتي وافقت عليها المنظمات الصهيونية قبل عرضها على الحكومة والتي جاء فيها تأكيد التزام الحكومة البريطانية “وعد بلفور” مع إدخال تعديلات طفيفة عليه بخصوص إبقاء موضوع كثافة أعداد مهاجري يهود أوروبا والعالم إلى فلسطين قراراً تحت سلطة الدولة البريطانية. ولكن مع رفض تشرشل حتى طرح موضوع حتى تقرير المصير للفلسطينيين فإنه رفض أيضاً المبدأ القائل بأن “فلسطين ستصبح دولة كليا يهودية كما إنكلترا كلياً إنكليزية” وفرض أهمية تطبيق القانون على الجميع. كما أكد أن هجرة اليهود إلى فلسطين لن تكون كثيفة إلى درجة لتجعل الفلسطينيين أقلية في البلد، وان هذه الهجرة ستظل مضبوطة من قبل بريطانيا (ص 142). وهذا أمرٌ لم يحدث بالفعل ولم يحدث تعهد آخر قامت به الحكومة البريطانية آنذاك لأرضاء الرئيس الأمريكي ويلسون وهو إبقاء استقلالية الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في فلسطين.

وقد انقسم الفلسطينيون (كما انقسموا لاحقاً) على جدوى استمرار التفاوض مع بريطانيا كما ينقسمون حالياً حول جدوى استمرار التفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ولكن كتاب ريغان يؤكد بأن دوافع أمريكا وإسرائيل حالياً وسابقاً للتفاوض كانت وما زالت نابعة من باب المصلحة الذاتية الاستعمارية الراجعة إلى مصالح اقتصادية مادية. وحالياً هي مرتبطة بإعادة ترامب إلى الرئاسة في أمريكا وبقاء نتنياهو في السلطة في إسرائيل وكل ذلك تحت غطاء “إنساني ديمقراطي” يدعي حماية اليهود ومواجهة اللاسامية لتبرير سياسات التوسع والاستيطان.

إسرائيل في رأي ريغان، كتلة أنشأها الاستعمار لتأكيد وتطوير مصالحه الاقتصادية، والصهيونية تحولت من مشروع يختلف حوله يهود العالم إلى مشروع يندرج في الاستراتيجية الأمريكية الامبريالية في الشرق الأوسط لإنشاء مستعمرة تابعة لها في فلسطين تنفذ مصالح الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا.

وقد ركز الكاتب في أبحاثه على المراجع الرئيسية بحسب محفوظات وأوراق الحكومة البريطانية ليؤكد بأن “وعد بلفور” لم يكن اتفاقاً بين قادة حريصين على مصير يهود العالم بل كان قراراً من دولة امبريالية تسعى إلى تحقيق مصالحها، كما تسعى أمريكا إلى تحقيق مصالحها في “صفقة القرن” حالياً مما قد يضر ويسيء إلى مصالح يهود العالم.

Bernard Rejan: “The Balfour Dckaration”

Verso, London 2018

278 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية