تونس – “القدس العربي”:لا شك في أن الرياضة تتبادل التأثير والتأثر مع مختلف جوانب النشاط الإنساني، سواء تعلق الأمر بالسياسة أو الاقتصاد أو الثقافة، وهو أمر يتعين أخذه دائما بعين الاعتبار عند التطرق لعلاقة الأندية الرياضية بالواقع الذي تنشط فيه. وفي تونس تتجاوز بعض الأندية التعريف التقليدي لكونها إطارا لممارسة النشاط الرياضي، لتختزل ذاكرة الشعب في ما يتعلق بحياته اليومية واقتصاده وثقافته وحتى بنضالاته ضد الإستعمار للحفاظ على هويته الوطنية بوجه من رغبوا في طمسها في زمن ما.
دولة الترجي
الترجي الرياضي التونسي الملقب بشيخ الاندية التونسية هو أحد هؤلاء المتجذرين في التربة المحلية، فقد تأسس بحي باب سويقة بمدينة تونس العتيقة، وينسب هذا الحي أو “الربض” إلى أحد أبواب المدينة القديمة التي كانت تغلق في الماضي ليهنأ سكانها خلف أسوارها من الغزاة. وتحتفل مدينة تونس العتيقة والحديثة على حد سواء بناديها العاصمي، وذلك في معقل النادي بباب سويقة كلما أحرز لقبا محليا أو خارجيا، في وفاء للحي العريق الذي أوحى للمؤسس محمد الزواوي بتأسيس هذا الترجي مع بدايات القرن العشرين.
ويذكر التاريخ أن القانون الأساسي للترجي هو نفسه القانون الأساسي لنادي راسينغ تونس، وقد نقله المؤسسان محمد الزواوي والهادي القلال على ضوء الشموع في زمن الإستعمار الفرنسي لتونس. وقد كانت الغاية هي تأسيس ناد تونسي لحما ودما يمارس فيه التونسيون الرياضة من دون مضايقات، خلافا لما كان يحصل داخل الأندية التي أسسها المستوطنون الفرنسيون والسلطات الإستعمارية. ووقع الإتفاق على اختيار إسم الترجي نسبة إلى “مقهى الترجي” الذي كان يجلس فيه الزواوي والقلال ويخططان لانشاء ناد تونسي.
وارتبط الترجي منذ بدايات التأسيس بالحركة الوطنية والنضال ضد المستعمر، وتدعم الأمر مع التحاق الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة بالهيئة المديرة للترجي ككاتب عام ثم كرئيس شرفي مدى الحياة بعد الإستقلال. لقد انضم بورقيبة للترجي خلال الفترة الإستعمارية وهو زعيم للحزب الحر الدستوري الذي كان يناضل من أجل الإستقلال وكان مكتبه للمحاماة يقع بباب سويقة أي معقل الترجي، كما ترأس صهر بورقيبة المرحوم الشاذلي زويتن الترجي خلال الحقبة الإستعمارية وبعدها.
ويذكر أن بورقيبة هو من أطلق تسمية “الدولة” على الترجي حتى أصبحت جماهيره تتغنى بعبارة “الترجي يا دولة”، كما أن بورقيبة هو الذي تدخل شخصيا وهو رئيس للجمهورية لرفع مظلمة استهدفت ناديه حصلت في غيابه حين كان خارج الديار للعلاج. فخلال موسم 1970 – 1971 تقرر إجراء نهائي الكأس في ملعب المنزه بين الترجي والنادي الصفاقسي، قبل إتمام الدوري، على غير العادة، وذلك حتى يلعب الترجي النهائي من دون لاعبيه المعاقبين ويخسر لقب الكأس.
وتسبب الأمر في أحداث عنف كبيرة اعتدت فيها جماهير الترجي على المسؤولين السياسيين الحاضرين، وعلى رأسهم الوزير الأول الهادي نويرة ووزير الشباب والرياضة الطاهر بلخوجة وغيرهما. فتم تجميد نشاط النادي وحلّ لجنة الأحباء وايقاف نشر مجلّة الترجي في غياب الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، الذي وبمجرد رجوعه إلى أرض الوطن وجد في استقباله جماهير الترجي التي ردّدت بصوت واحد “يا بورقيبة الترجي”. فأمر بورقيبة بإلغاء قرار التجميد وأعاد الإعتبار لناديه الذي خسر لقبي الدوري والكأس لاعتبارات سياسية وجهوية.
النادي الملكي
يلقب الملعب التونسي أو “البقلاوة” بالنادي الملكي باعتباره كان النادي المفضل للعائلة الملكية التونسية السابقة التي تمت الإطاحة بآخر ملوكها محمد الأمين باي في 25 يوليو/ تموز 1957، تاريخ إعلان الجمهورية من قبل الزعيم بورقيبة ورفاقه. ويعود ولع العائلة الملكية التونسية بالملعب التونسي بالنظر إلى أن مؤسس النادي هو الدكتور محمد بن سالم، وهو صهر ملك البلاد ووزير الصحة في حكومة محمد شنيق وحكومة محمد صالح مزالي. ويعود الولع أيضا إلى أن النادي اتخذ من منطقة باردو في العاصمة مقرا له، حيث يقع أيضا القصر الملكي السابق والذي تحول اليوم إلى مقر البرلمان التونسي. ويروى أن الأميرة “للا زكية” إبنة الملك محمد الأمين باي كانت توزع حلويات البقلاوة كلما انتصر الملعب التونسي أو النادي الملكي كما يحلو للبعض أن يسميه، ولذلك عرف النادي لدى الجماهير التونسية باسم البقلاوة. كما أن البقلاوة الملكية أو بقلاوة الباي، تتشكل من ثلاثة ألوان وهي الأحمر والأخضر والأبيض وهي ألوان الملعب التونسي الذي أمتع جماهيره بحلاوة الإنتصارات وسيطر على الكرة التونسية في عقدي الخمسينات والستينات باعتبار أن الألقاب المتحصل عليها قبل الإستقلال لا يقع احتسابها، وكان دربي العاصمة الرئيسي والقوي هو ذلك الذي يجمع بين الملعب التونسي والترجي قبل أن يبرز الإفريقي لاحقا ويخطف الأضواء من النادي الملكي.
والملعب التونسي هو وريث الرابطة الثقافية للمسلمين الشباب التي كانت تضم ناديا لكرة القدم، ومنه أعيد تأسيس الملعب التونسي الذي يعتبر امتدادا له، أي أنه خلق تونسيا لحما ودما ولاعلاقة له بالسلطات الإستعمارية ولا بالمستوطنين الفرنسيين الذين كانوا يهيمنون على الساحة الرياضية في البلاد، وكان من الأندية التي ناضلت لترسيخ الهوية التونسية. كما أنه ارتبط بالأساطير الصوفية، فقد روي أن لاعبيه في السابق كانوا يتبركون بأحد الأولياء الصالحين في منطقة باردو، وكانوا يحصدون الألقاب ويسيطرون على الكرة التونسية، ومنذ أن تمت إزالة مقام هذا الولي وأقيمت عمارة مكانه، تراجعت النتائج وانقطع النادي عن الفوز بالألقاب حتى أن البعض طالب بهدم العمارة وإعادة الإعتبار لهذا الولي.
والملعب التونسي هو أول من فاز بكأس تونس لكرة القدم، وأول من رفع الثنائية، لقبي الدوري والكأس، وأول ناد تونسي توج بالكأس العربية للأندية، وكأسي الجامعة والرابطة. وهو أيضا أكثر من دعم المنتخب التونسي بلاعبين في آن واحد، حيث دعي تسعة لاعبين من الملعب التونسي للإلتحاق بالمنتخب سنة 1962. وكان لاعب الملعب التونسي بريك هو من نال شرف تسجيل أول هدف في تاريخ الدوري التونسي، وكان في شباك النادي الإفريقي مباشرة بعد الإستقلال.
فريق الشعب
ويرى هشام الحاجي عضو رابطة أحباء النادي الإفريقي في حديثه لـ”القدس العربي” أن الإفريقي هو أكثر ناد رياضي تونسي يؤكد العلاقة الوثيقة بين الرياضة والمجتمع، ويبرز أيضا الدور الذي تلعبه كرة القدم بالأساس كرافعة للوعي السياسي والاجتماعي والثقافي. فقد تأسس النادي الافريقي، بحسب محدثنا، سنة 1920 بمنطقة باب الجديد بالمدينة العتيقة للعاصمة التونسية، سنة واحدة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى التي كشفت عن الوجه البشع والقبيح للحرب عامة، وللاستعمار الفرنسي خاصة، ذلك الإستعمار البغيض الذي أرسل آلاف التونسيين إلى جبهات القتال وزج بهم في أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهو ما أدى إلى هلاك أعداد كبيرة منهم وإصابة آخرين بإعاقات نغصت عيشهم. ويضيف الحاجي قائلا: “لكن الحرب أيقظت الوعي الوطني والعمل على تأكيد الذاتية التونسية، وهو ما تجلى خاصة في تأسيس الحزب الحر الدستوري كتعبير عن يقظة هذا الوعي. وفي هذا التوجه، أي يقظة الوعي الوطني، اختار الآباء المؤسسون للنادي الافريقي أن يتحدوا الادارة الاستعمارية من خلال الاصرار على أن يكون رئيس النادي تونسي الجنسية ومسلم الديانة، وهو ما كانت ترفضه القوانين المنظمة للنشاط الرياضي في تونس الرازحة تحت الاستعمار، والتي تفرض أن يكون رئيس النادي فرنسي الجنسية.
ولم يكتف الآباء المؤسسون للنادي الافريقي بهذا التحدي بل أردفوه بتحد ثان من خلال اختيار اللونين الأبيض والأحمر كلونين مميزين للنادي، والأبيض والأحمر هما اللونان اللذان يتكون منهما العلم التونسي. وإمعانا في التحدي اختاروا أن يوشح قميص النادي وفي مستوى قلب حامله شعار يتكون من نجمة وهلال وهما من مكونات العلم التونسي من ناحية ورمز للهوية الاسلامية التي كان الاستعمار يعمل على تذويبها. ومن هذه الزاوية فقد ساهم النادي الافريقي في إحياء الوعي الوطني وواكب تطوره و لعب دورا في النضال ضد الاستعمار، وفي كل التحولات الاجتماعية التي عاشتها تونس منذ الاستقلال وإلى حد الآن”. وللنادي الافريقي، بحسب هشام الحاجي، إسهام متميز ولا شبيه له في العمل على مقاومة ثقافة الإنحطاط، وتكفي الاشارة برأيه إلى الدور الذي لعبه أغلب مؤسسيه في تأسيس المعهد الرشيدي الذي ساهم في إنقاذ التراث الموسيقي التونسي وفي التصدي للنزعات الموسيقية المنحطة التي كانت تهدف إلى تبليد الوعي وتكريس تخلف الذائقة الفنية وانحطاطها. وفي هذا الإطار أي ترسيخ الهوية التونسية في مواجهة محاولات السلطات الإستعمارية طمس هذه الهوية، تأسس النادي البنزرتي والنجم الساحلي والنادي الصفاقسي الذي كان يسمى النادي التونسي. وكانت لهذه الأندية العريقة بصمتها في ترسيخ حب الوطن لدى الناشئة وأهمية التصدي للإستعمار الفكري والثقافي الذي كانت فرنسا الإستيطانية ترغب في ترسيخه واقعا. فالنادي البنزرتي صاحب أول كأس إفريقية في تاريخ تونس، وعلى سبيل المثال، نشأ في مدينة بنزرت التي كانت تعج بالمستوطنين الفرنسيين وتضم قواعد عسكرية فرنسية، بحرية وجوية وبرية، وكانت آخر مدن البلاد نيلا للإستقلال بعد أن خاضت من أجلها الدولة التونسية حربا مع الفرنسيين من أجل تحريرها وتحرير قواعدها العسكرية، سميت معركة الجلاء، وتلت استقلال تونس. ولم يكن من السهل في هذا المحيط الفرنسي المعادي للهوية التونسية والراغب في طمسها أن ينشأ منذ عشرينيات القرن الماضي ناد تونسي لحما ودما مدافع عن الهوية مرسخا لها في صفوف الناشئين هو النادي الرياضي البنزرتي.
مناجم اللاعبين
وساهمت أيضا شبيبة القيروان في ترسيخ الهوية الوطنية في واحدة من أعرق مدن البلاد، ويتعلق الامر بحاضرة الإسلام الأولى في شمال إفريقيا وعاصمة ولاية إفريقية وبلاد المغرب في العهدين الأموي والعباسي وعاصمة الدولة الأغلبية والصنهاجية وحقبة من تاريخ الدولة الفاطمية ما بين محطتي المهدية والقاهرة. فليس من الغريب أن يتصدى النادي الرياضي لمدينة الطبيب ابن الجزار والقاضي والفقيه أسد بن الفرات والشاعر ابن رشيق، وغيرهم من العلماء والأدباء والمفكرين الذين زخرت بهم مدينة القيروان عبر تاريخها الحافل، لمخططات الإستعمار في طمس الهوية الوطنية والحضارية التونسية.
ولعل ما يعرف عن الشبيبة أنها منجم لتكوين اللاعبين الكبار الذين يبدعون مع المنتخبات الوطنية خصوصا في رياضتي كرة القدم وكرة السلة التي تحظى بشعبية كبيرة في المدينة الروحية والعاصمة الدينية للبلاد التونسية. ففي وقت ما كادت كرة السلة أن تحتل الموقع الأول في القيروان، خصوصا مع التتويجات والألقاب التي حاز عليها فرع كرة السلة للشبيبة القيروانية ومنها الثنائي، أي بطولتي الكأس والدوري التونسي في الموسم ذاته، مقابل تراجع مستوى فرع كرة القدم الذي سرعان ما تدارك الأمر وعاد إلى صفوف النخبة. ومن الأندية التونسية أيضا من ارتبط إسمه وتاريخه بمؤسسات وطنية عريقة وفاعلة على غرار نادي سكك الحديد الصفاقسي أو “الرالوي” كما يسمى في تونس، والذي كان في وقت ما، وقبل عصر اللاهواية في تونس، النادي الوحيد الذي يمارس الإحتراف واقعا في البلاد ولا يمتهن لاعبوه سوى كرة القدم، وتصرف لهم الرواتب والمنح. لقد ارتبط هذا النادي العريق الذي لعب في وقت ما الأدوار الأولى في كرة القدم التونسية بالشركة التونسية للسكك الحديد، وهي من أهم المؤسسات العمومية التونسية وتعتبر نقابتها من أهم النقابات المنضوية تحت عباءة الإتحاد العام التونسي للشغل، القوة الضاربة في البلاد.
لقد تأسس “الرالوي” بداية تحت مسمى نادي الجامعة، ثم تغيرت التسمية إلى النادي الرياضي بصفاقس، ثم تبنته “شركة صفاقس قفصة للفوسفات وسكك الحديد” ليصبح نادي سكك الحديد الصفاقسي أو “الرالوي”. وأصبح هذا النادي من أكثر الأندية التونسية تتويجا بالألقاب، خصوصا قبل الأستقلال بفضل ارتباطه بإنتاج الفوسفات من جهة، والنقل الحديدي من جهة أخرى في زمن كانت فيه بعض الأندية التي تصنف اليوم على أنها كبرى، لا تجد ملعبا للتدريب.
لكن متغيرات كثيرة حصلت في الرياضة التونسية ومنها قانون اللاهواية الذي طبق الإحتراف بطريقة سيئة جدا تسببت في تراجع أداء أندية كبرى واندثار أخرى، وكان الحديد الصفاقسي ضحية لهذا القانون وللعقليات المريضة التي تعتقد أن المجد هو في إزاحة المنافس وتصدر المشهد محليا وجهويا. ويعاني الحديديون اليوم الأمرين للعودة إلى صفوف النخبة، لكنهم منذ سنوات يعجزون عن ذلك ويكتفون بتزويد بقية الأندية باللاعبين المهرة.