العقوبات الأمريكية أعلنت خلال مهلة الأسبوعين المحدّدة فرنسياً لتشكيل الحكومة، ما جعل البعض يتساءل هل هي تشويش على المبادرة الفرنسية ولماذا فرضتها وزارة الخزانة في هذا التوقيت؟
بيروت-“القدس العربي”:حدثان في لبنان حرفا الأنظار نسبياً عن المساعي الجارية لتأليف الحكومة التي باتت جاهزة لدى الرئيس المكلّف مصطفى أديب ومرهونة بموافقة رئيس الجمهورية ميشال عون ومدى الحفاظ على التزامه للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: الحدث الأول العقوبات الأمريكية التي فُرضت على المعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل ووزير “المردة” السابق يوسف فنيانوس بتهمة الفساد ودعم أنشطة حزب الله، والثاني الحريق الملتبس الذي إندلع مجدداً في مرفأ بيروت بعد شهر ونيّف على الزلزال المدمّر.
وإذا كان الحريق تتمة للاستهتار والاهمال المتمادي من قبل الدولة وأجهزتها ولا أمل بوضع حدّ له إلا بتغيير الطبقة السياسية الحاكمة، فقد بدا في موضوع العقوبات الأمريكية أن الثنائي الشيعي يستغلّ هذا الأمر للتشدّد في موضوع الحكومة وتفشيل المداورة في الحقائب من خلال التمسّك بوزارة المال على اعتبار أن اتفاق الطائف أقرّ أن تكون للطائفة الشيعية، وهو ما ينفيه نواب سابقون شاركوا في مؤتمر الطائف، وقال أحدهم لـ “القدس العربي” إن “هذا الامر طُرح في خلال مداولات المؤتمر ولكن لم يتم الاتفاق عليه وصُرف النظر عنه ولم يرد في المقررات. والدليل أن حكومات ما بعد الطائف تعاقب عليها وزراء من كل الطوائف وليس فقط من الطائفة الشيعية بدءاً بالرئيس رفيق الحريري والرئيس فؤاد السنيورة والوزراء جورج قرم وجهاد أزعور ودميانوس قطار ومحمد الصفدي ومحمد شطح وسواهم، فكيف تكون حقيبة المال للشيعة؟ وإذا كان الاستقواء بسلاح حزب الله فرض تسمية وزراء شيعة لهذه الحقيبة في 3 حكومات متتالية، فهذا لا يعني أن الأمر بات عرفاً كما هو حال العرف في الرئاسات الثلاث”. ويستغرب هذا النائب “الاصرار على حق القوى السياسية بتسمية ممثليها في الحكومة” سائلاً “أي دور وأي صلاحيات عندها للرئيس المكلّف وهل هو فقط صندوق بريد؟” معتبراً “أن تسمية الكتل والأحزاب لوزرائها هو المحاصصة السياسية بحد ذاتها التي يشكو منها الجميع” مستغرباً “كيف يطالب البعض بدولة مدنية ويتمسّك في الوقت ذاته بحقيبة لطائفة بعينها؟”.
واللافت أن هذه العقوبات الأمريكية أعلنت في خلال مهلة الأسبوعين المحدّدة فرنسياً لتشكيل الحكومة، ما جعل البعض يتساءل هل هي تشويش على المبادرة الفرنسية ولماذا فرضتها وزارة الخزانة في هذا التوقيت؟
عن هذا السؤال يجيب المطّلعون إن مسار العقوبات لا علاقة له بأي مسار آخر، وهو رسالة واضحة تستدعي عدم التوقّف عند الأسماء التي عوقبت فحسب بل إلى معاني هذه الأسماء وما ترمز إليه للقول كل من يراهن على حزب الله سيُعاقَب وسيفشل سواء في البيئة الشيعية أو المسيحية. ويقول هؤلاء لماذا تكون العقوبات تشويشاً على المبادرة الفرنسية وليست تكاملاً معها طالما أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه ألمح إلى عقوبات على قيادات لبنانية في حال عدم تعاونها لانجاح التسوية، ما يعني عملياً تطبيق سياسة “العصا والجزرة” فمَن يتعاون في موضوع الحكومة وتطبيق الإصلاحات ولا يُفشِل مهمة الرئيس المكلّف تكون الجزرة الفرنسية في انتظاره ومن يعرقل تكون أمامه العصا الأمريكية، وعليه لا تجوز المكابرة في مثل هذه الظروف لأن نتائجها ستكون وخيمة ولا خيمة فوق رأس أحد.
أما التلويح بالانقلاب على المبادرة الفرنسية وعلى التعهّدات التي أطلقت امام ماكرون فنتائجه خطرة، ولا مخارج حالياً مطروحة سوى تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلّين. فقد سبق أن جُرّبت حكومة اللون الواحد برئاسة حسّان دياب وجاءت النتائج الاقتصادية والمالية والاجتماعية الكارثية على البلد بسبب عزلة هذا الفريق العربية والدولية، وهذا لا ينفيه فريق 8 آذار ذاته الذي كان هو أكثر من غيره وراء المطالبة بعودة الرئيس سعد الحريري إلى الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية من أجل فكّ الحصار عن الدولة اللبنانية. وأي توجّه من هذا النوع، يؤكد أن حزب الله بموافقته الظاهرية على المبادرة الفرنسية إنما كان يشتري الوقت، لكنه سيعني إدخال البلاد في فوضى لأن أحداً لن يرضى بأن يستمر حزب الله في بسط هيمنته ومصادرة قرار الدولة، حتى الحزب نفسه يدرك عواقب مثل هذا الخيار.
وتترقّب الأوساط ما سيكون عليه موقف رئيس الجمهورية من التشكيلة الحكومية واحتفاظ الرئيس المكلّف بحقّه في تسمية كل الوزراء مسيحيين ومسلمين، فهل يوقّع على تشكيلة إرضاء لماكرون وتحييداً لتياره السياسي عن أي عقوبات على الرغم من تحفّظه على تجاهل جبران باسيل، ويترك للثنائي الشيعي مواجهتها في مجلس النواب ونزع الثقة عنها؟ أم لا يوقّع التشكيلة فتفشل المبادرة الفرنسية الانقاذية ونصل إلى حائط مسدود، ويبقى الوضع الحكومي في حال مراوحة بين رئيس مكلّف إقترح تشكيلة ولم تُقبَل وبين حكومة تصريف أعمال برئاسة حسّان دياب في انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية.
وعلى مقلب آخر، إذا كانت للثنائي الشيعي ملاحظات على المبادرة الفرنسية، فإن خصوم حزب الله لم يكونوا بدورهم راضين على هذا الانفتاح الفرنسي على الحزب واستقباله على أرض قصر الصنوبر ومحاولة التمييز بين جناحيه العسكري والسياسي طالما أن رئيس الجناحين واحد هو الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وتأجيل البحث في مشكلة السلاح غير الشرعي الذي يحمّلونه سبب كل الأزمات والحصار. ويندرج ضمن هؤلاء الصرح البطريركي الماروني الذي حذّر من أي تسوية على حساب لبنان والمناصفة المسيحية الإسلامية التي أقرّها اتفاق الطائف. ويعتبر خصوم الحزب أنه من غير الممكن البحث في أي عقد سياسي جديد قبل تخلّي حزب الله عن سلاحه وعن مشروعه الإيراني، إذ لا يمكن التفاوض حول مستقبل لبنان ونظامه السياسي بوجود طرف يحمل بندقية على الطاولة ويخبئ صاروخاً في المخزن، الأمر الذي يُفقِد التوازن الوطني بين الأفرقاء ويؤدي إلى خلل.