لم يكنْ من الممكن أنْ تُصاغ فلسفة هذه السطور، لولا صُدف الزمن التي ألقتْ بي في الجامعة لأدّرس مبحث الدلالة لشعبة جديدة اسمها “لغة الإشارات”، وهي لغة الصمّ والبكم، التي لم أُلقِ لها بالاً من قبلُ، ولم تسعفني الدقائق والساعات لأطّلع على تفاصيل الحياة فيها. ولم يكنْ من الممكن أن أنخرط في بلاغة الحبّ عندهم لولا انسجام بين عاشقين في مقهى، كنتُ أتابع تفاصيله عن بعْد رغم كوني لم أعِ شيئا مما أرى، فقط هي ترجمة حيّة لحوار يدور في صمت، كانت أبجديات فهمه كامنة في ذهني، تحت منطق كلّنا بشر، وكلّنا نشكّل الوعي استعاريا حتى في غياب فلسفة الكلام.
وإلى هنا فقط تيقنت أنّ أجسادنا بكلّ ما فيها، هي محاورة ضمنية بين عوالم خفية، إنْ تعطّل عضو حلّ محلّه آخر بما يفي الغرض، وإلى حدود هذا فقط بتّ أستشعر أنّ العواطف لا لغة لها، وأنّ الحبّ سدرةُ منتهى يبلغها الصامتون قبل أهل الثرثرة أو أولئك الذين يُجيدون فنّ الكلام.
في هذه السطور المستعجلة قد لا يكون الأمرُ ممكناً للحديث عن كلّ شيء في هذا الكون الجديد، كونُ الصمّ والبكمّ، فهذا مجاله واسعٌ ويقتضي منّا فسحة أكبر في الكتابة والتّعبير، ولكن من الممكن أن نطرق أبواب هذا العالم المسكون بالدّرر لغويا وفلسفياً واجتماعياً، إلخ، ولعلّها دعوة ضمنيّة إلى القارئ بأن يُغامر قليلاً ويركب أمواج البحث، ليقبل على عالم كثيرا ما كان محلّ ازدراء في مجتمعاتنا العربيّة، ومنها مشاركة هذه الفئة في تأثيث حياة أفضل.
في البدء – وقبل دخول غمار البحث- أريد أن أعرج على فلسفة الحبّ عند الإنسان في المطلق، فالحب استطاع مخاطبة الأعمى، واستنطاق الأبكم، وإسماع الأصم، وقد تحاور مع هؤلاء جميعاً عند البشر الأسوياء، ولهذا فحين قال بشار بن برد بيته الشهير “الأذن تعشق قبل العين أحيانا” لم يكنْ يعلم أنّه يؤسّس لفلسفة جديدة في الحب والغزل، تجعل من حاسة السمع سبيلاً في تطعّم معنى الحب، وبديلا للعين التي أصابها العمى، فماذا إن فقد الإنسان السمع والكلام، فهل سيحبّ بلغة أخرى؟ هل سيخلق بديلا آخر؟ وهل سيكون هذا البديل أشدّ وقْعا وأنجع تواصلا؟ لا شكّ في أنّ الإجابة هي نعم، ولكن…
قد يبدو الأمر بسيطاً عند البعض، فتساؤلات مثل هذه قد تكون بديهية إلى أبعد الحدود، فأول محاورة خضتها مع الطلبة في شأن فلسفة الحبّ عند شريحة الصمّ البكم، كانت الإجابات تسير نحو البداهة المفرطة، فقد قيل لي من بعضهم إنّ الإشارات هي السبيل الوحيد في إيصال العواطف وتبادل المشاعر، ولكن الاستفزاز الأهمّ لم يكنْ محلّ نظر عندهم، فمن جهتي كنت أشعر بأنّ شيئا ما يستوطن في قلوب هؤلاء، وأنّ التّعبير عن حبّهم لمن يحبون هو بمثابة حرب باردة تُخاض في السرّ، رغم انكشاف المشهد للعيان. إنّ الحبّ الذي نخجل أحيانا أن ننظم عباراته، ونستحي في بعض المواقف أن نصرّح به في العلن وأمام الملأ، تراه عند هؤلاء تُنسج خيوطه أمامك بدون تكلّف، وتراه يسري إلى مفاصل الحياة، فيتأثّر به الجماد قبل الحيّ، يُضفي على المشهد والجلسة بكراسيها وفناجين قهوتها حياةً لا تجدها عند من يتكلّمون، وعلى رأي أنيس منصور “فالحبّ ليس أعمى فقط… بل أعمى وأخرس وأصم”.
في عوالم هذه الطائفة لن تشقى في متابعة شفاه مخاتلة تسهر تفكّك لغتها بين صدق وكذب، ولا حلاوة لسان قد يُغريك بنغماته الرقيقة، وكما يُقال “الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لن تتجاوز الآذان”، عند هؤلاء ستسمع حسيس القلوب مباشرة، وقد تشاهد في بثّ مباشر دماء الحبّ تسري في العروق كي تروّض الأصابع، وتدفع بها إلى الحركة كالروح حين تسري في الجسد، حركة تختزلها اليد النّاطقة بحروف وعبارات، في ضرْب من الأشكال والرسوم الهندسية، اليد التي تعزف سيمفونية الحبّ تترجم نغمها حركات وإيماءات الجسد النّاطق، وسترى المحبوب يلتقط بعدسة عينيه حباً يتطاير، فيسارع إلى القبض عليه بيده، ويُعيد ترتيبه بما يليق بحال محبوبته. في حضرة هؤلاء تشعر بلاغة صامتة لا حدود لها، وفي فضائهم سترى الهواء الذي يتنفسونه ممزوجاً بعطر القلوب، كأنّها تُخبر وتسأل وتأمر، وتطلب، وتتمنى. فكلّ ما في الخبر والإنشاء تجده عند هؤلاء ولكن بطريقة أخرى أكثر رومانسية.
إنّ العواطف الخرساء هذه قد تُحبّ بصمت، ولكنّ حبّها يفوق الحبّ النّاطق، وهذا ما ترجمته كثير من القصص في الحياة، فكم من شاب أخرس أحبَّ فتاة تتكلم وتسمع وتكلّلت علاقتهما بالنجاح، وقد وصل الحدّ بالبعض إلى تعلّم لغة الإشارة من أجل حبّه للأصم والأبكم
ولعلّ لغة العيون وتضاريس الوجه هي الأقدر على البوح، في ظلّ هذا السكون الغريب، فهناك غير بعيد منّي كنت أتابع تواصل اثنين من الصمّ البكم، وقد كان بجواري صديق يفقه لغتهم أردته مترجما لي، لقد كانت محاورة مليئة بصدق المشاعر، فرغم زخم المقهى وضجيجها، كانا في تلك الزاوية على انفراد غريب وكأنّ الدنيا لهما فقط، مجرّد ابتسامات، وصمت من ذهب يعكس فرادة لا مثيل لها، ورغم كوني لا أفقه شيئا، مما كانا يتبادلانه، فإنّي شعرت بأنّي منغمس في طرائق تفكيرهم، وأسمع حسيس قلوبهم الذي يفوح عطرا، كنت أودّ لو كنت أخرس وأصم، أو هكذا خُيّل لي للحظات، فمن يجالس هؤلاء، أو يراقبهم تصيبه عدوى الأحاسيس عندهم، فما ليس فينا قد نحتاجه أحيانا، حتى إنْ ادعينا أنّها عاهة، فكم من صمت ينتابنا ونحن في عزّ الكلام، وكم من لغو يزعجنا ونشتهي ألاّ نسمعه.
إنّ العواطف الخرساء هذه قد تُحبّ بصمت، ولكنّ حبّها يفوق الحبّ النّاطق، وهذا ما ترجمته كثير من القصص في الحياة، فكم من شاب أخرس أحبَّ فتاة تتكلم وتسمع وتكلّلت علاقتهما بالنجاح، وقد وصل الحدّ بالبعض إلى تعلّم لغة الإشارة من أجل حبّه للأصم والأبكم، وقد تُرجم هذا في كثير من الأعمال الأدبيّة والمسرحية، ولعلّ” مسرحية العطر” كانت خير مثال يلخّص علاقة حبّ بين شاب أصم وفتاة تسمع. أما لسانيا فتُشير بعض النّظريات إلى أنّ اللّغة لم تكن مجرّد اختراع حضاري وحسب، وإنّما هي نتاج لغريزة إنسانيّة خالصة، وقد نستعير هذا الفهم في القول إنّ الإشارات أيضا هذه غريزة إنسانيّة خالصة موجودة فينا تنتظر تحفيزا حتى تظهر للعيان، ولعلّ تعطّل لغة الإنسان تستدعيه إلى أن يُوقِظ هذه الإشارات، ويبدأ في صُنع حياة خاصة به مع من يفهمه، فيحبّ ويعشق بالإشارة. إنّنا أمام كوجيتو الإشارة يمكن أن نصوغه كالآتي: “أنا أشيرُ إذن أنا موجود”، وهذا ما يُمكن أن نطلق عليه الإحساس الإشاري.
وقد يكون من المفيد بعد هذا الطواف في قضية العواطف الخرساء، عند الصمّ والبكم، أن يتيقّن البعض أنّ الصمت ذهبٌ كما يقال، وأنّ ثرثرة العشاق ليس إلاّ طريقة من طُرق الحبّ في هذا الكون الفسيح المفعم بالأمل، فمثلما نحبّ بالكلام قد نحبّ بالصمت، ولهذا فلا يغرنّك هُتاف اللّسان بالحب، واستقِ حبك من بواطن القلب، حتى إن لم تصلك منه غير تراتيل صمت. ليكن مثالنا في كلّ هذا “أحدب نوتردام” “كوازيمودو” الذي عشق الفتاة “أسميرالدا” في صمت بعد أن أصيب بالصمم والخرس، والذي حاول أن يُضحي من أجلها في كثير من المرات، هذا الأحدب الذي صوره لنا فيكتور هوغو أحسن تصوير، هو مثال عن تلك الفئة التي أنكرها المجتمع بسبب عاهاتها، واحتفت بها الإنسانية بفضل معانيها، فالأحدب الأصمّ الأخرس عميقٌ بإنسانيته التي تسكنه، حاول الانتصار من خلال حبّ تلك الفتاة له، فحوّل حبّها إلى لغة انتصار، يُثبّت بها مبادئ جديدة في الحياة، وقد انتصر في ذلك، ومن ورائه حقّق هوغو هدفه في خلق عالم الأمل لكلّ الفئات التي أعدمتها المجتمعات بسبب عاهة. وعلى هذا فإنّ الانتصار لحبّ الصمّ والبكم هو أفضل ما يمكن أن يُقدّم لهم في هذا المجال، ولعلّ الانتصار لهم بالكتابة خير انتصار يمكن أن نحفر به في ذاكرة المخربيّن كلّ القيم السمحة.
وفي الختام استحضر قول ميلان كونديرا يعبّر فيه عن حقيقة الحب، التي تتماشى مع فلسفة العواطف الخرساء، حيث يقول: “إن الحبّ الحقيقي أصمٌّ تماماً نحو ما يمكن أن يقوله بقية العالم، وهذا تحديداً هو ما يميزه”. فهل سيعيد الإنسان ترتيب قوانين الحب بما يليق به؟ وهل يكون الحب الصامت دافعا للحذر من ثرثرة اللّسان الذي يُجيد الكذب في أغلب الأحيان؟ أسئلة تأبى الانتظار لاسيما وأنّنا في عصر حديث نُمارس فيه الحبّ في ظلّ عوالم افتراضية بكماء، فاليوم يكفي أن تكتب من وراء شاشة ليقتنع أحدهم بحبك، وعلى هذا يُضاف إلى الكذب باللّسان كذبٌ بالكتابة، وفي كلّ هذا يبقى الإنسان الناطق هو الخاسر الوحيد أمام سطوة الثرثرة، ويبقى الأصمّ والأبكم هو الأجدر والأقدر على تفاصيل الحبّ، فلا تستهينوا بتلك الأعماق الصامتة ففي صمتها دررٌ تنتظر من يغوص ويبحث عنها.