يؤكد جاستن ماروزي، الاختصاصي في الجغرافية السياسية في جامعة باكنغهام البريطانية، أن دراسة نشوء وتطور المدن الرئيسية في أي حضارة تشكل عنصراً أساسياً لفهم هذه الحضارة بما في ذلك في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
وبما انه قضى معظم حياته المهنية في التنقل وإجراء الأبحاث لفترات طويلة في مدن وعواصم العالم العربي والإسلامي، بالإضافة إلى عمله الأكاديمي، فإن كتابه الصادر مؤخراً بعنوان: “الامبراطوريات الإسلامية 15 مدينة للتعريف عن حضارة” يشكل مرجعاً قيّماً لدارسي وباحثي منطقة الشرق الأوسط من المنطلقات السياسية والاجتماعية والثقافية.
المدن والعواصم التي اختارها الكاتب للدراسة المعمقة في كتابه شملت مدناً عربية وإسلامية من القرن السابع الميلادي وحتى القرن الواحد والعشرين، وبينها دمشق وبغداد والقاهرة في الفترات والقرون التي خضعت خلالها للخلافات الأموية والعباسية والفاطمية إلى مدن كبيروت ودبي والدوحة منذ الحكم العثماني ومن بعده الانتداب الفرنسي والبريطاني ثم حصول دولها على الاستقلال في القرن العشرين وأوضاعها في العقدين الأخيرين من القرن الواحد والعشرين.

المقاربة الأساسية التي وردت في فصول الكتاب المختلفة، وخصوصاً في الفصول عن بيروت ودمشق وبغداد والقاهرة، هي أن القبول بالآخر واحترام الاختلاف الحضاري بين المجموعات الاجتماعية في هذه المدن يشكل الركيزة الأساسية لنجاحها واستمرارها سياسياً وإنسانياً واقتصادياً، وان ممارسة التبادل التجاري والاقتصادي مع دول المنطقة والعالم شكّل ويشكّل وركناً لا غنى عنه في نموها وتطورها، فيما تشكل الحروب والمواجهات بين الفئات والمجموعات الطائفية والأثنية توجهاً سلبياً مخالفاً لذلك.
يقول ماروزي في الفصل المخصص لدمشق إن نجاح الدولة الأموية في جعل دمشق مركزاً للحضارة الإسلامية في عهد معاوية بن أبي سفيان، عاد بشكل واضح إلى اعتماد قيادتها على التعايش بين فئاتها الدينية والحضارية في المرحلة الأولى من حياتها، أما فشلها في المراحل التالية فعاد إلى التشدد ضد الأقليات الدينية والحضارية الأخرى. ففي الصفحة 31 يوضح أن هذا الأمر ينطبق على المدن العربية والإسلامية الأخرى في سائر مراحل تاريخها. فدمشق في العصر العباسي، والقاهرة تحت الحكم الفاطمي، وإسطنبول في ظل الحكم العثماني كما في أنظمة كلبنان في ستينيات القرن الماضي والدول الخليجية السابقة والحالية في ظلِ قيادة حكام يشجعون على التبادل الإنساني والتجاري مع جيرانهم ومع قادة العالم الآخرين، فهذه المدن وأنظمتها نجحت في تثبيت نفسها كأنظمة ناجحة وصالحة، أما الحكام الذين يمارسون الانحياز ضد الفئات الأخرى ويدفعون ببلدانهم ومدنهم نحو العنف الطائفي والانقسام والاقتتال، فإنهم يأخذونها إلى الفشل والانهيار.
في الصفحتين 56 و57 من الفصل الذي كرسه الكاتب لبغداد يقول: “إن المدن التي يتجمع فيها الأشخاص من ذوي الحضارات المختلفة تنبثق فيها حضارة عظيمة متكاملة وفاعلة بشكل أكبر من أجزائها”. فالذين ينهضون بمدينة هم الذين يتكاتفون مع أشخاص مختلفين عنهم حضارياً في أعمال تجارية واقتصادية وإنسانية، وهذا أمرٌ لا يتوافر إذا لم يشجعه قادة الدول التي تضم هذه المدن. وحتى في العلوم والفنون والمنافسات الرياضية يجب أن تتوافر هذه الأمور. “العباسيون الأوائل نجحوا نجاحاً كبيراً في توفير مثل هذه الأجواء الموجودة في المدن العباسية وخصوصا بغداد التاي أصبحت في ظل حكمهم بمثابة مختبر إنساني حضاري”. ويضيف قائلاً إن “الخليفة العباسي هارون الرشيد (من بعد أبي جعفر المنصور والمهدي) نقلَ الحضارة العباسية إلى الأعالي بحيث شجع قطاع ترجمة الكنوز الثقافية للحضارات الأخرى (تبعه في ذلك الخليفة المامون) وبالتالي ترجم العلماء اللغويون البغداديون (في عهديهما) الكتب والمراجع الثقافية والعلمية الإغريقية والهندوسية والإيرانية إلى العربية وفي كثير من الأحيان طوّروا الأفكار والنظريات الواردة فيها، وبعد ذلك، نشروا هذه المراجع المترجمة إلى العربية في سائر أنحاء الإمبراطورية الإسلامية العباسية وحتى أبعد من ذلك (ص 57)”.
وفي الصفحات 61 إلى 63 يشير إلى أن بغداد في ظل الحكم العباسي كانت متنوعة الهوية الحضارية ومنفتحة ثقافياً على المنطقة والعالم بحيث سكنَ فيها العرب إلى جانب السكان من إصول فارسية وهندية وأرمنية وتركية وكردية ويهود. وتعامل القادة بتعايش وتفاعل مع الديانات الأخرى وعلى رأسها المسيحية واليهودية، ص 61 و62. وقد تحققت إنجازات كبيرة في حقول الطب والعلوم والفلسفة بواسطة علماء من هذه الأقليات (يذكر أسماءهم بالتفصيل في الصفحة 63).
أما القاهرة، فيتناول المؤلف المدينة في عهد الفاطميين الأوائل مؤكداً أن التجارة كانت شريانها الرئيسي في تلك الفترة بالإضافة إلى التعايش بين الأديان والطوائف بحيث شكّل العنصران “وجهين لنفس العملة” (ص 137). ففي عهدي الخليفة العزيز ومن بعده المستنصر تبوأت شخصيات من الأقليات أعلى المناصب في عهد المستنصر (1035م ـ 1094م) رُفّعَ أشخاص مسيحيون ويهود إلى مناصب أثارت نقمة بعض المتنفذين المسلمين. فبدر الجمالي (وهو مسيحي أرمني) أصبح وزيراً للمستنصر لمدة عشرين عاماً من (1073م إلى 1094م) وساهم في تعزيز دور المسيحيين والأرمن في الإدارة الفاطمية آنذاك. وقد حاول القادة الفاطميون (وهم ينتمون إلى المذهب الشيعي) استمالة المجموعات المسلمة المنتمية إلى المذاهب المسلمة الأخرى بإنشاء وتمويل مشاريع معمارية ودينية لهم، ولكن بعض الحكام الفاطميين اللاحقين تراجعوا عن هذا التوجه، كالحاكم بأمر الله.
في الفصل 13 يتناول بيروت في القرن التاسع عشر ومطلع منتصف القرن العشرين، ويشعر القارئ بأنه يملك عاطفة خاصة نحو هذه المدينة، فقد عاش فيها مع أهله في صغره قبل انتقال عائلته إلى القاهرة ثم إلى أوروبا ولكن والده (حسب قوله) ظل منتمياً حضارياً وإنسانياً إلى بيروت حتى آخر أيامه، شأنه شأن كثيرين من المنتمين إلى جنسيات أخرى عاشوا في بيروت في عصورها السابقة الذهبية وأحبوها وتعلقوا بها. في الصفحة الأولى من الفصل المخصص لبيروت، يؤكد أن نجاح المدينة عاد إلى غريزتي محبة التجارة والميل نحو التعايش اللتين تواجدتا لدى سكانها في نهاية القرن التاسع عشر بشكل مكثف وحتى منتصف القرن العشرين. هاتان الغريزتان ساهمتا في تطور بيروت ونجاحها على حساب المدن اللبنانية الأخرى في تلك المرحلة التاريخية وحتى الستينيات من القرن الماضي.
ويضيف عنصراً ثالثاً ساهم في القرن التاسع عشر، في تطور بيروت وهو تنافس الدول العالمية الكبرى على إمتلاك النفوذ فيها بسبب موقعها الجغرافي وطبيعة حضارتها المتنوعة في ص 306 ومنها الدولة العثمانية، والفرنسية والبريطانية، والمصرية في عهد محمد علي باشا ونجله إبراهيم باشا، والدولة الروسية وحالياً أمريكا وروسيا والصين وفرنسا.
ويذكر الكاتب في الصفحة 310 واقعاً هاماً جداً قد يقرأه بحسرة كل مَنْ يُحب بيروت وهو: “إن قلب بيروت تم بناؤه حول مصدر شريان دمها الحيوي ألا وهو مرفأ بيروت”. وطبعاً أكثرية الناس تعرف ماذا حدث في مرفأ بيروت في الأسابيع الماضية من إنفجار هزّ أركان المدينة وقتل وروّع المئات من سكانها. فإذا كان هذا التفجير متعمداً أو غير متعمدٍ فإنه يُعاقٍبُ بيروت على نجاحها إنسانياً وحضارياً وتجارياً، ولكن إذا أخذنا بمقاربة هذا الكتاب، فإن بيروت ستنشُلُ نفسها من الرماد كما فعلت في أحداث أخرى عبر التاريخ بسبب مقوماتها الحضارية والإنسانية. ولعل محبة الكاتب لبيروت دفعته إلى التوصل لواقع تحليلي عميق بحيث يقول: “الاهتمام الأجنبي ببيروت يشكّلُ سيفاً ذا حدين. فمن جهة، أدى إلى تطور ونمو وتوسع ونجاح المدينة تجارياً بشكل سريع وإلى نشوء ثروات لدى أغنياء وأبناء المدينة الذين عملوا في الحقل التجاري، ولكن في وقت متزامن، أدت الهجرة السكانية الديموغرافية من القرى اللبنانية إلى بيروت إلى إهتزاز الطبيعة الاجتماعية للمدينة مما إنبثق عنه نزاعات دينية وطائفية” (ص 312). وهذا سمح للقوى الأجنبية استغلال مثل هذه النزاعات لزيادة نفوذها فيها. مثل هذا التطور حدث منذ منتصف القرن التاسع عشر (وحتى الساعة) وهدفه الاستمرار الاستعماري في تغذية النزاعات الطائفية في المدينة والبلد، ونشأت معه تنافسات ثقافية وسياسية بين الدول الكبرى بينها إنشاء المؤسسات التعليمية والثقافية واللغوية المتنافسة في بيروت (ص 315). كما ساهم الصراع الماروني ـ الدرزي في جبل لبنان في منتصف القرن التاسع عشر في ازدياد الهجرة، وخصوصاً المسيحية، إلى بيروت (ص 317) وإلى إنشاء أنظمة تهدئ الأوضاع على الأرض، ولكنها تكرّس في الواقع نظاماً طائفياً مذهبياً يتوجه بشكل معاكس لنظام التعايش والتكاتف والعمل الاقتصادي والتجاري المثمر للمدينة ـ وهذا الأمر ما زال حتى الساعة يساهم في تدمير المدينة ولبنان اقتصادياً وسياسياً، بحيث أصبح أمراء الطوائف وقادتها الدينيين الطائفيين يتكلمون باسم أبناء بيروت ولبنان وكأنهم العرّابون لهم وللمجموعات الطائفية خانتهم ويسلبونهم قراراتهم الحرة.
ويحتفل اللبنانيون حالياً بمرور مئة عام على إنشاء لبنان الكبير (أنشئ في عام 1920) بواسطة سلطة الانتداب الفرنسية التي تقول إنها تحاول استعادة وحدة اللبنانيين، ولكن آخرين يعتقدون بأنها تحاول استعادة نفوذها كحاكم سامي لذلك البلد وكمسؤول استعماري عن مصيره السياسي والاقتصادي. الكاتب يظهرُ حريصاً على معالم لبنان الأثرية والحضارية والقصور التي بُنيت لبعض العائلات الثرية اللبنانية في بيروت (آل سرسق وآل بسترس وغيرهم). ولكن بعض هؤلاء بنوا ثرواتهم من خلال تعامل انتفاعي مع القيادات العثمانية القاسية في لبنان في مطلع القرن الماضي أو من بيع أراضٍ كانوا يمتلكونها في فلسطين لجهات كانت تنفّذ مشروعاً صهيونياً سياسياً سلبياً هناك، وهذا الاهتمام لماروزي بالجانب المعماري في بيروت ربما يعود إلى حرصه على بقاء العاصمة موقعاً تراثياً وسياحياً يقصده الكثيرون، ولكن ينقصه تحليل معمق للخلفيات السياسية المعقدة. أما بالنسبة إلى الفصلين 14 عن مدينة دبي و15 عن مدينة الدوحة، فالكاتب يظهر هنا أيضاً حريصاً على إنشاء وبقاء المعالم المعمارية التراثية في البلدين. ويعتبر أن الشيخ راشد المكتوم (والد حاكم دبي الحالي) لعب الدور الأساسي في تطور دبي المعماري الحضاري وتحويلها إلى مدينة سياحية اقتصادية ناجحة. كما ينوّه بدور عائلة آل ثاني في تطوير مدينة الدوحة القطرية وخصوصاً بدور الأمير الأب حمد بن خليفة آل ثاني وزوجته الشيخة موزا في صنع الأساس لما يقوم به نجلهما الأمير الحالي تميم بن حمد في عملية تطوير وتنمية الدوحة وقطر سياسياً واقتصادياً ومعمارياً.
كما أنه يشير، وإن بشكل غير مباشر، إلى عدم التفاهم الكلي بين قيادات دبي (السابقة والحالية) سياسياً واقتصادياً مع قيادات أبو ظبي وقراراتها السياسية المندفعة لإقحام دولة الإمارات بخيارات سياسية وميدانية منفردة قد تكون غير مثمرة.
Justin Marozzi: “Islamic Empires (Fifteen Cities That Define a Civilization)”
Renguin, Random House, London 2020
464 pages.