بغداد ـ «القدس العربي»: بدأت حكومة رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أولى الخطوات الفعلية لمحاربة الفساد، باعتقال عددٍ من المسؤولين الحكوميين «رفيعي المستوى» وإصدار أوامر قبضٍ بحق آخرين، في خطوةٍ تعدّ تحدياً للقوى والأحزاب السياسية النافذة.
وألقى الحجر في بركة الفساد الراكدة منذ سنواتٍ مضت، إذ لم يشهد العراق منذ عام 2003 الإطاحة بمسؤولين فاسدين كبار، باستثناء وزير التجارة الأسبق، فلاح السوداني قبل ثلاث سنوات، وأمين عام أمانة بغداد الأسبق، نعيم عبعوب، العام الماضي.
آخر نتائج عملية «محاربة الفساد» التي يتبنى الكاظمي الإشراف عليها شخصياً، تمثلت بالقبض على مدير شركة «كي كارد» المتعاقدة مع الحكومة لدفع رواتب الموظفين عبر خدماتها الإلكترونية، في مطار بغداد قبل هربه إلى خارج العراق، حسب مصادر متطابقة.
على إثر ذلك، أصدرت الشركة، بياناً بشأن اعتقال مديرها بهاء عبد الحسين، مشيرة إلى أن الأخير تعرّض «في طريقه لزيارة عائلته للاعتقال بدون السماح له برؤية ممثله القانوني خلافا للسياقات الدستورية وحقوق الإنسان»
وأضافت أن «بهاء مدير شركة (كي كارد) الرائدة، وتفتخر شركة (كي كارد) بخدمة ملايين المواطنين وتوفر فرص معيشة لآلاف العوائل» موضحة «نحن على ثقة أن القضاء النزيه سيثبت براءة الشركة ومديرها، إذا أن شركة (كي كارد) تراعي المسؤولية الاجتماعية ولها أعمال خيرية معروفة».
وشكّل اعتقال عبد الحسين، قلقاً لدى المستفيدين من الخدمات التي توفرها الشركة، خشية تأثر ذلك على صرف الرواتب، الأمر الذي دفع وزارة المالية إلى إصدار توضيحٍ بشأن علاقة الإجراءات التحقيقية والقضائية بحق أفراد مرتبطين بشركات الدفع الإلكتروني وعملية استلام المستحقات.
وذكر بيان صادر عن المكتب الإعلامي لوزير المالية، أن «الوزارة تؤكد للمواطنين الكرام استمرار عمليات دفع المبالغ المالية لجميع مستحقيها عبر بطاقات الدفع الإلكترونية بمختلف أنواعها، وأن، أي إجراءات تحقيقية أو قضائية تطال أفراداً مرتبطين بشركات مزودة لبطاقات الدفع، لن تؤثر على الإطلاق على عملية استلام المستحقين لأموالهم وبالطريقة المعتادة ومن دون أي تأخير».
وأضاف: «تغتنم وزارة المالية هذه الفرصة لتؤكد أيضا على أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة مؤخرا تهدف إلى فرض سيادة القانون والنظام، بالشكل الذي يوفر بيئة عمل عادلة ومريحة ونزيهة، ويحفظ حقوق المستثمرين المحليين والأجانب، وفقاً للقانون».
تحركات الكاظمي لفتح ملفات الفساد، شملت كذلك، اعتقال مدير هيئة التقاعد السابق، أحمد الساعدي، قبل يومين، بالإضافة إلى 6 مسؤولين آخرين.
وتقول مصادر مُطلعة إن لجنة التحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية التي شكلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي (في 27 آب/ أغسطس الماضي) تسلمت سبعة ملفات فساد كبرى في العراق، وإنها تواصل تنفيذ القرارات الصادرة بحق المتهمين.
ووفق المصادر فإن الحملة ستشمل «رؤوساً كبيرة» و«عدداً من كبار المسؤولين المحليين».
توقيف مدير شركة مالية متعاقدة مع الحكومة قبل هربه خارج العراق
وطالت إجراءات «اللجنة التحقيقية» مدير عام المصرف الزراعي الحكومي التعاوني عادل خضير، ونجله، بالإضافة إلى رئيس هيئة استثمار بغداد شاكر الزاملي، الذين تم اعتقالهم أيضاً.
ويدور الحديث عن إصدار أوامر قبضٍ ومنعٍ من السفر، بحق أمينة بغداد السابقة ذكرى علوش، ومدير ماء بغداد، عمار موسى، فضلاً عن مديرة العقود في وزارة التخطيط، إزهار الربيعي، حسب مواقع إخبارية محلّية.
وخلال الحكومات المتعاقبة، تراكمت ملفات الفساد في أدراج الجهات الرقابية والتنفيذية والقضائية، من دون تفعيل أي إجراءات لحسمها، باستثناء بعض الملفات «الصغيرة والمتوسطة» نظراً لارتباط «الفاسدين» بأحزاب وقوى سياسية نافذة، حسب مراقبين.
الخبير القانوني حيدر الصوفي، يرى أن الاعتقالات الأخيرة الخاصة بمكافحة الفساد، تعود «لملفات مركونة» تم تفعيلها خلال حكومة الكاظمي.
وأضاف في تصريح لمواقع إخبارية محلّية، أن «عمليات الاعتقال الأخيرة، التي طالت شخصيات بمواقع حكومية سابقة وحالية تمت وفق مذكرات قبض قانونية تتعلق بملفات سابقة» مشيراً إلى أن «ملفات المقبوض عليهم كانت كاملة ومركونة سابقا، وتم تقديمها للقضاء الذي أصدر مذكرات القبض».
ومن المرجّح أن يواجه الكاظمي ردّة فعل عنيفة من قبل الأحزاب السياسية المستفيدة من الفساد في تعظيم مواردها المالية.
الخبير والمراقب للشأن السياسي العراقي، علي البيدر، قال في هذا الشأن إن «الفساد في العراق يبدأ من وعي المستمع وادراكه بخطورة الحالة، وأن المجتمع بشكل عام يغض الطرف عن الفاسدين وبصورة طبيعية وينظر اليهم وكأنهم أبطال لأسباب تتعلق بالموروث العراقي».
وأضاف في تصريح أورده إعلام حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» أن «عمليات الاعتقال التي تنفذ بتوجيه مباشر من قبل رئيس الوزراء الاتحادي مصطفى الكاظمي قد تحرك المياه الراكدة والساكنة منذ فترات طويلة» لكنه أشار إلى أن تلك الملفات «ستعمل على زيادة الحراك السياسي ضده (الكاظمي)».
وزاد: «ردة الفعل تلك للكتل السياسية تأتي كونها مستفيدة من فوضى الفساد الإداري والمالي في المؤسسات الحكومية» مبينا ان «الكتل الفاسدة تدر عليها موارد مالية، وبالتالي سيتضرر الفاسدون من عمليات الاعتقال هذه، وإن الخطوة هذه أشبه برد الفعل الطبيعي».
وألمح البيدر إلى أن تتسبب ردة فعل بعض الكتل السياسية الفاسدة بـ«تراجع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي عن بعض حالات الفساد المستشرية في المؤسسات المركزية الاتحادية بعموم البلاد» مؤكدا ضرورة أن «يتحرك الكاظمي بشكل أفقي وعمودي في ضرب الفاسدين والمفسدين».
وحثّ المحلل السياسي، الكاظمي إلى «ضرب الفساد من أقصى الشمال إلى اقصى الجنوب، وأن يتصاعد الخط البياني لضرب الفساد باعتقال شخصيات سياسية اعترفت وبشكل علني بفسادها على شبكات الإعلام».
وختم بالقول: «عمليات ضرب الفساد تتوقف على جدية الكاظمي في هذه المسألة» لافتاً إلى أنها «قد تطال وزراء سابقين ابتداء؛ وصولا إلى أعلى قمة هرم السلطة» عاداً ما يقوم به الكاظمي ليس «بالاستعراض الإعلامي أو الفيسبوكي. الكاظمي إذا استمر بالقضاء على الفساد، فسيصفق له الجميع».
الكاظمي يعد محتجي ذي قار بتقديم قتلة المتظاهرين للعدالة
أثنى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، أمس الجمعة، على أعادة افتتاح جسر الزيتون في مدينة الناصرية، فيما كشف عن اكتمال تصاميم «نصب الشهداء» و«متحف تشرين».
وقال في تدوينة له، إن «اعادة افتتاح جسر الزيتون في الناصرية خطوة مباركة تستحق الثناء والشكر لأهلنا الطيبين وشبابنا الواعي وتثبت أن الحوار لا التصادم هو الطريق لفهم تطلعات شعبنا».
وأضاف: «نعاهد ذوي الشهداء بمواصلة البحث عن الجناة وتقديمهم للعدالة» كاشفاً عن «اكتمال تصميمات نصب الشهداء ومتحف تشرين وستباشر الفرق الفنية فوراً».
وأقدم المحتجون في مدينة الناصرية على إغلاق جسر الزيتون منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، ضمن تصاعد الحراك الاحتجاجي. ودعت لجنة «الشهداء والضحايا والسجناء السياسيين» النيابية، مجلس النواب إلى أخذ دوره الدستوري في دعوة رئيس مجلس الوزراء ومساءلته عن الانتهاكات المتكررة ضد المتظاهرين من ذوي الشهداء والجرحى والمصابين جراء العمليات الإرهابية، وأشارت إلى وجود انتقائية بالتعامل مع المتظاهرين السلميين الذين كفل لهم الدستور هذا الحق.
وطالب رئيس اللجنة النائب عبد الإله النائلي، في بيان صحافي، الحكومة بـ«الإسراع في اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق من أعطى الاوامر باستخدام الإجراءات التعسفية واتخاذ أشد العقوبات بحقهم، وكذلك الإيعاز بتلبية المطالب القانونية للمتظاهرين وعدم التعامل في صرف الحقوق التي نص عليها القانون والقوانين النافذة بازدواجية، إنما حسب القانون والمساواة مع شرائح أخرى من قبيل صرف مكافأة نهاية الخدمة التي خرج المتظاهرون من ذوي الشهداء والمصابين لصرفها إسوة بمكافأة نهاية الخدمة لمنتسبي الجيش السابق في النظام البائد التي تم صرفها».