إلغاء عقوبة الإعدام في تونس بين الجدل القانوني والمطلبية الحقوقية

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”:ينادي نشطاء حقوقيون بإلغاء عقوبة الإعدام من المنظومة التشريعية التونسية بصورة نهائية وذلك بعد أن التزمت السلطة السياسية منذ سنة 1989 بوقف تطبيق عقوبة الإعدام، وتقيدت منذ 1991 بقرار الأمم المتحدة بشأن الوقف الاختياري لعمليات الإعدام. ولهذه الأصوات التي تعالت في الآونة الأخيرة حججها في طلب إلغاء هذه العقوبة البدنية السالبة للحياة، وتبدو منطقية في بعضها وقابلة للنقاش في البعض الآخر.

ومن بين الحجج المقدمة أن عقوبة الإعدام تتعارض مع الأسس الفكرية والعلمية لحقوق الإنسان باعتبارها تنبني على التخويف والترهيب النفسي عوض إصلاح المحكوم عليه وتأهيله. كما أنها في رأيهم لا تمكن من إصلاح آثار العقوبة إذا ثبتت براءة المحكوم عليه بالإضافة إلى ارتباطها في نظرهم بالاستبداد وبالأنظمة الاستبدادية المعادية للحريات وحقوق الإنسان، فكلما كان النظام استبداديا كلما كانت عقوبة الإعدام حاضرة وواسعة على مستوى مجال تطبيقها.

ومن الحجج المقدمة أيضا تعارض عقوبة الإعدام مع الدستور التونسي الذي يعتبر أن الحق في الحياة مقدس ولا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون. ويحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بالدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. كما جاء في الدستور التونسي لسنة 2014 أن الدولة التونسية تحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي.

مشروع قانون

وناقش مؤخرا نشطاء حقوقيون في المعهد العربي لحقوق الإنسان في تونس مشروع قانون أساسي يتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام. وفي دراسة أجرتها الناشطة الحقوقية وأستاذة القانون في الجامعة التونسية حفيظة شقير وأستاذ القانون وحيد الفرشيشي، صادرة عن المعهد تمّت التوصية بإلغاء عقوبة الإعدام كعقوبة أصلية وتحذف من كل النصوص القانونية السارية في الجمهورية التونسية بداية من تاريخ نشر هذا القانون. وتعوض عقوبة الإعدام بالسجن مدة عشرين عاما وفي بعض الحالات المذكورة حصرا تعوض بالسجن مدى الحياة ومن هذه الحالات، الجرائم الإرهابية التي نتجت عنها وفاة، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة، وفي حالة القتل المبني على أسباب عنصرية، وأيضا إذا كان الضحية طفلا وغيرها.

وجاء في مشروع القانون أيضا أن المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة تعويضا لعقوبة الإعدام لا يتمتعون بالعفو الخاص أو العام أو بالحط من العقوبة إلا لأسباب صحية خطيرة تقررها لجنة طبية. وبموجب مشروع القانون هذا لا تنفذ أحكام الإعدام الصادرة قبل دخول هذا القانون حيز النفاذ وتعوض آليا بالعقوبات المنصوص عليها في هذا المشروع، أي أن لإلغاء الإعدام مفعول رجعي ويتمتع به من لم ينفذ عليهم حكم الإعدام.

عقوبة غير منطقية

المناضلة والناشطة الحقوقية د. حفيظة شقير أستاذة القانون في الجامعة التونسية أكدت في حديثها لـ “القدس العربي” أنه ليس من المعقول اليوم ونحن في القرن 21 ان نواصل العمل بعقوبة الإعدام وأضافت: “اعتمادا على مقاربة حقوق الإنسان فانه ليس من الممكن ان نسلّط عقوبة الإعدام على أشخاص حتى وان كانوا مجرمين، لأن عقوبة الإعدام لا تتماشى مع الحق في الحياة وهي ليست منطقية لذلك تمّ إلغاؤها في العديد من الدول، فيما تم الإبقاء عليها في التشريعات في البعض الآخر مع عدم تنفيذ العقوبة. وفي تونس تمّ إقرار تعليق العقوبة ولكن بما أن القانون لم يتمّ إلغاؤه بصريح العبارة فإنه يمكن في يوم من الأيام أن يسلّط القاضي هذه العقوبة وتطبق”.

وتضيف: “يتضمن الدستور التونسي فصولا كاملة حول الحقوق العامة والفردية تؤكد بأنه لا يمكن المساس بالحق في الحياة لأنه حق مقدس إلا في حالات قصوى ينص عليها القانون، وهذا يدفعنا اليوم إلى القول إن المجلة الجزائية في أحكامها الخاصة بعقوبة الإعدام أصبحت غير دستورية. إذن فالفصل 49 يقول إنه يمكن تحديد الحقوق والحريات التي جاء بها الدستور مع عدم المس من جوهر الحقوق وعدم تعديلها وفي ظروف معينة ان تتوفر الضرورة، وهذا طبعا مهم جدا ونّذكر السلطة السياسية بأن الفصل 49 بما انه ينصّ على عدم المساس بجوهر الحق فإنه بالتالي لا يمكن المساس بجوهر الحق في كل الأحوال”.

وينصّ الفصل على أن “القانون حدّد الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها، ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها، وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك، ولا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور.”

تطور أوروبي

وأشارت محدثتنا إلى انه تمّ إلغاء عقوبة الإعدام في الدول الأوروبية وان هذا التمشي شهد تطورا ملحوظا، ففي البداية كان هناك إبقاء على عقوبة الإعدام إلا في حالات قصوى معينة مع عدم تسليط العقوبة على الأطفال والنساء الحوامل ولاحقا طرح إلغاؤها بالكامل في كل الحالات. واعتمدت الدول الأوروبية برتوكولا يلغي عقوبة الإعدام في كل الظروف وكل المناسبات سواء في حالة الحرب أو السلم. ونفس الأمر بالنسبة لأمريكا لأن الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لم تلغ بصريح العبارة عقوبة الإعدام ولو أنها قيدتها ولكنها اعتمدت بروتوكولا لإلغائها.

وتضيف محدثتنا: “مع الأسف في الدول العربية لم يتم إلغاء هذه العقوبة بل تم الإبقاء عليها باستثناء جيبوتي وفلسطين وهذا يدفعنا إلى التفكير بضرورة الانخراط في حملة توعوية كاملة ولا تقتصر فقط على تونس بل يجب ان تكون إقليمية. لأنه لا يمكن الاستمرار في تسليط هذه العقوبة على أشخاص قد يكونون أبرياء. وعديد الشهادات تبين ان بعض المتهمين تسلّط عليهم عقوبة الإعدام ويتضح لاحقا أنهم أبرياء. وفي تونس هناك عدد من المساجين الأبرياء ولكن القاضي سلط عليهم عقوبة الإعدام وإلى حد الآن لم يتم الافراج عنهم ولم يسترجعوا حقوقهم”.

أما عن الدراسة التي أجرتها الدكتورة حفيظة شقير بالتعاون مع د. وحيد الفرشيشي والصادرة مؤخرا عن المعهد العربي لحقوق الإنسان فتضيف شقير قائلة: “لقد قمنا بدراسة إلغاء عقوبة الإعدام من الجانب الحقوقي والقانوني. وأقول إن الدولة يجب أن تنقح قوانينها وتؤكد الحق في الحياة ويمكن للدولة التونسية أيضا ان تضغط في إطار الجامعة العربية لإصدار بروتوكول خاص بإلغاء عقوبة الإعدام في كل العالم العربي”.

الأولوية للضحية

وللإشارة فإن هناك شقا محافظا في تونس يرغب في إبقاء الحال على ما هو عليه، أي الإبقاء على العقوبة في النصوص القانونية مع عدم تطبيقها إلا في حالات نادرة على غرار الجرائم التي تمسّ بالأعراض مثل الاغتصاب والاعتداءات على الأطفال وغيرها. وتتعالى أصوات هؤلاء كلما حصلت جريمة أخلاقية اهتزّ لها الرأي العام في تونس وعبّر عن رغبته في إيقاع أقصى العقوبة بالجاني وعدم الاكتفاء معه بالعقوبة السجنية باعتباره سيتمتع لاحقا بالتخفيف أو سيجلب له ملف طبي يتمتع بموجبه بالإفراج أو الحط من العقوبة، وسيرى المتضرر جلاده يرتع من جديد وكأن شيئا لم يكن.

ومن الانتقادات التي يوجهها المحافظون للمدافعين عن إلغاء عقوبة الإعدام أنهم لا يفكرون في الضحية وما تشعر به من ألم نفسي وجسدي ومن قهر حيت ترى جلادها يباشر حياته بشكل اعتيادي وهو الذي خلف لها جروحا عميقة يصعب الشفاء منها. فحسب هؤلاء فإن المدافعين عن إلغاء عقوبة الإعدام ينظرون بعين واحدة مليئة بالرحمة للجلاد بغاية إصلاحه وإعادة دمجه في المجتمع حتى وإن كان على حساب الضحية.

وفي هذا الإطار يرى صبري الثابتي المحامي التونسي وأستاذ القانون في حديثه لـ”القدس العربي” أن التفكير في الضحية وأهله وخصوصا في الجرائم الأخلاقية يجب أن يكون له الأولوية في أي عمل تشريعي. فإذا تعارض إصدار قانون أو إلغاء عقوبة مع هذا الأمر، حسب محدثنا، وجب عدم الذهاب بعيدا في إصدار هذا القانون وينطبق الأمر على الإلغاء المطلق لعقوبة الإعدام.

ويضيف: “أليس من حق الطفل المغتصب مثلا أن يستعيد بعضا من توازنه النفسي في غياب أي أثر لمن اعتدى عليه وتسبب له في عقد واضطرابات وفقدان للثقة بكبار السن وبالمحيط الخارجي قد يلازمه طيلة حياته؟  أليس خروج الجاني من السجن بطريقة ما وظهوره ولو بعد سنوات سيعيد الذكريات الأليمة للمتضرر وينغص عليه عيشه خاصة إذا كان المجرم من المحيط العائلي أو من أبناء المنطقة التي يقطن بها الضحية.

صراحة حتى وإن تضمن القانون المستبدل لعقوبة الإعدام بعقوبة سالبة للحرية مدى الحياة سيجد بعض الجناة من ذوي النفوذ المالي والأدبي طريقة ما للخروج من السجن واستئناف حياتهم بصورة طبيعية وتوجد في هذا الإطار حالات كثيرة لخرق القانون في تونس وفي غيرها من البلدان. وبالتالي فما ستتضمنه النصوص شيء والتطبيق على أرض الواقع شيء آخر مما يوجب الحذر وأخذ الحيطة من أجل مصالح الضحية قبل الإقدام على هذه الخطوة في إلغاء عقوبة الإعدام”.

منذ التسعينيات

يشار إلى أن آخر عملية إعدام تم تنفيذها في تونس كانت سنة 1991 بحق من عرف يومها بإسم “سفاح نابل” الذي اغتصب وقتل 13 طفلا وروع البلاد من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها. وقد أعدم شنقا ومما روي من المشرفين على إعدامه أنه تمنى أن يغفر الله له لكنه بدا سليط اللسان مع القاضي الذي أشرف على عملية الإعدام وسكب الماء من إناء جلبوه له ليشرب قبل تنفيذ الحكم.

ومن أشهر الإعدامات في تاريخ تونس المستقلة تلك التي طالت المتورطين في الإنقلاب الفاشل على الرئيس بورقيبة سنة 1962 والذي يؤكد مؤرخون على أن دولا شقيقة تورطت في التخطيط لهذا الإنقلاب الذي أحبطته السلطات التونسية. وقد لقي مناضلون ضد الاستعمار الفرنسي حتفهم في هذه الإعدامات التي كشف مؤخرا أنها تمت رميا بالرصاص في منطقة للتدرب على الرماية تابعة للجيش الوطني قرب مدينة بئر بورقبة التابعة لولاية نابل، وتم ذلك في جنح الظلام وقبل بزوغ الفجر.

كما أعدم عدد من المتورطين في أحداث قفصة 1980 وهم مجموعة ضمت معارضين للرئيس بورقيبة منهم من تورط في انقلاب 1962 لكنهم لم يعدموا ومنهم تونسيون كانوا يقاتلون في لبنان إبان الحرب الأهلية جاء بهم العقيد القذافي وأراد من خلالهم إحداث البلبلة في تونس وقلب نظام الحكم. لكن الجيش التونسي تصدى لهم وقبض عليهم وحوكموا محاكمات تم الطعن في عدالتها وأعدم عدد منهم.

وحتى حدود العام الجاري 2020 تم تحويل مئة حكم بالإعدام إلى السجن مدى الحياة، وهناك أحكام صادرة بالإعدام لم تنفذ، باعتبار أن تونس من الدول التي أصبحت لا تنفذ عقوبة الإعدام لكنها تحافظ على وجودها على مستوى النصوص التشريعية. لكن يبدو أنه لم يعد كافيا بالنسبة لعدد هام من نشطاء حقوق الإنسان في البلاد الذين يرغبون في إزالتها حتى من التشريعات والنصوص القانونية خوفا من الحيف والتعسف في تطبيقها مستقبلا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية