خلال الحقبة الذهبية الحديثة لبرشلونة، بين 2008 و2012 والتي قاد خلالها المدرب الرائع بيب غوارديولا الفريق الى احراز 14 لقباً، لم يكسب النادي الكتالوني اعجاب الملايين حول العالم بسبب عروضه الرائعة ونجومه البراقة وأساليبه الخلاقة فحسب، بل لأنه كان ناديا صاحب مبادئ وثوابت انسانية في المقام الأول، عكسها الشعار “أكثر من مجرد ناد”.
لكن منذ رحيل غوارديولا والرئيس آنذاك خوان لابورتا، وجاء ساندرو روسيل وصديقه المفضل خوزيه ماريا بارتوميو، والنادي تحول منذ 2014 الى وحش شرس يبحث عن المال والثراء والطرق الملتوية في كل الأصعدة. نعم استمرت انتصارات برشلونة واستمرت الألقاب، لكن كان واضحا أن المنحنى في هبوط، فالادارة الجديدة أخفقت في استبدال الأساطير والنجوم الراحلين بنجوم جدد يتركون نفس بصمة تشافي وانييستا. ورغم تعاظم المداخيل الى مستويات غير مسبوقة، بلغت المليار يورو سنوياً، الا ان الأزمات في ادارة النادي ظلت واضحة، فرحيل نيمار في 2017، لا يشير الا الى خيبة الادارة في الحفاظ على نجومها، مثلما الخيبة في تعويضهم، بدءا من فيرمالين في 2014، مرورا بتوران واندريه غوميز والكاسر، وكلهم جاءوا بمبالغ ضخمة ورحلوا بأقل منها من دون ترك أي أثر، ليأتي بعدهم خيبات أكبر ببعثرة ملايين نيمار البالغة 222 مليون يورو، على كوتينيو وديمبيلي وباولينيو وسميدو، بل دفعوا ضعفها لضمان قدوم هؤلاء المخيبين حتى الآن. ولكن الدرس لم يفهم من ادارة بارتوميو، التي ضمت بعدها البرازيلي مالكوم وآرثور وغريزمان وغيرهم بمالغ أقل رعباً، لكن النتيجة واحدة، ليظل نجوم الفريق هم ميسي وبيكي وألبا وبوسكيتس، الحرس القديم من الزمن الجميل، وحتى من نجح في سد الثغرات مثل لويس سواريز وأرتورو فيدال، كان شكرهم على خدماتهم بأسوأ طريقة ممكنة.
جلس سواريز في مسرح النادي بأناقة، يحمل “ميكروفوناً” ليودع زملاءه في النادي الذي عشقه على مدى السنوات الست الماضية قبل انتقاله الى أتلتيكو مدريد، بعد أسابيع صيف عاصفة تلقى خلالها أوامر مباشرة من المدرب “العسكري” الجديد رونالد كومان، بأن لا مكان له في الفريق، أو مثلما ترجمها البعض: “راتبك الكبير يجب ان يتوقف”، وهي ربما تعليمات بارتوميو الى كومان. وبدأ سواريز يتحدث بنبرة عاطفية، والى جانبه يجلس بارتوميو “المتأثر” جدا بهول الحدث، وكأنه مشهد من أفلام المافيوزي، لكن سواريز ذكر محاسن النادي الذي أصر على ضمه بعد مونديال 2014، رغم حادثة عضه الشهيرة، وايقافه عن اللعب 4 شهور، ولكن وصل بكلماته حد “أود أن أشكر…” قبل أن يبدأ بمسح دموعه ويتوقف، وكأن في أعماقه لا يريد شكر من يهدم هذا الصرح العظيم، لكن أكمل: “أريد أن أتذكر كل اللحظات الجميلة والألقاب والاهداف الرائعة والفرصة للعب الى جانب أعظم لاعب في تاريخ كرة القدم”. لكن عندما سئل ان كان يحمل أي ضغينة على الأسلوب الذي قاده الى الرحيل الى اتلتيكو، فانه نظر في اتجاه بارتوميو وقال: “هذا السؤال لي أم…”.
هذا المشهد أخرج المزيد من الغاضب العارم من داخل صدر ميسي، وأساطير النادي، فقال ميسي الذي أرغم على البقاء هذا الموسم: “كان جديرا بهم ان يقولوا لك وداعاً على قدر ما تستحق كونك احد افضل اللاعبين في تاريخ النادي، وليس القيام بطردك كما فعلوا. لكن في الحقيقة لم يعد شيء يفاجئني”. وتابع: “بدأت في التعود على الفكرة (رحيل سواريز)، لكن اليوم دخلت الى غرفة الملابس، وصعقتني الحقيقة المُرة. سيكون من الصعب حقا ألا أتشارك معك حياتي اليومية داخل الملعب وخارجه. سنفتقدك كثيرا. مرت سنوات كثيرة، العديد من الأهداف، وجبات الافطار والعشاء، الكثير من الأشياء التي لن أنساها أبدا، كل هذه الأيام معا”. والمعروف أن عائلة النجمين تربطهما روابط متينة. ورد سواريز على منشور ميسي مع انتقاد مبطن لإدارة برشلونة: “أنت الرقم واحد، لا تدع قلة من الناس يطمسوا كم أنت عملاق في هذا النادي وعالم كرة القدم. سأكون دائما ممتنا لميسي الإنسان، المرح والعاطفي. لا تنس ما قلته لك: استمر في الاستمتاع وأظهر السبب خلف كونك الرقم 1”. ودخل نجم برشلونة السابق نيمار الذي غادر “كامب نو” في صيف 2017، على الخط بجملة مختصرة انتقد بها إدارة النادي بالقول: “الطريقة التي يفعلون بها الأشياء لا تصدق”. وهو الذي عانى من وعود كاذبة من رغبة برشلونة باستعادته من سان جيرمان في آخر صيفين. ولم يكن لاعب برشلونة السابق سيسك فابريغاس راضيا أيضا عن طريقة عمل إدارة النادي الكتالوني، كاشفا أنه “حزين” بسبب الطريقة التي عومل بها بعض اللاعبين، في إشارة منه الى سواريز بالتحديد. ومع كل هذه اللحظات الحالية الحزينة والكئيبة، فان فكرة قرب موعد اجراء انتخابات بعد أقل من 6 شهور، او مبكرة أو حتى سحب الثقة من ادارة بارتوميو، ستظل أبرز نفحات التفاؤل، رغم أن بقاء ميسي هذا الموسم سيبقى مسموما بوجود بارتوميو في المكان.