لبنان: الحريري يخوض رهان التكليف والتأليف بعد تجربة أديب قبل سقوط الهيكل

سعد الياس
حجم الخط
0

خلال أيام سيظهّر فعلياً إن كان موقف الثنائي الشيعي من تأييد الحريري مجرّد مناورة أم محاولة جديدة لإغراقه في مستنقع الشروط والتلطّي خلفه ورمي المسؤولية عليه.

بيروت-“القدس العربي”:إنه أسبوع استشارات التكليف الذي سيفضي يوم الخميس مبدئياً إلى تسمية رئيس حكومة مكلّف بالتأليف، وقد استبق الرئيس سعد الحريري هذا الموعد بإعلان نفسه “مرشحاً طبيعياً وحُكماً ومن دون جميلة أحد”. وهكذا بعد البيانات الكثيرة قبل فترة التي أكد فيها الحريري عزوفه عن الترشّح إلى رئاسة الحكومة، عاد زعيم بيت الوسط ليفتح الباب أمام هذه العودة من ضمن شرطين رئيسيين: الأول التزام الأفرقاء البرنامج الإصلاحي الذي عُرِض في قصر الصنوبر بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والثاني تشكيل حكومة مهمة من الاختصاصيين لمدة ستة أشهر لإنقاذ لبنان من الانهيار.

وفي ضوء الاتصالات التي ستستمر حتى موعد الاستشارات ستتضّح صورة الكتل التي ستسمّي الحريري علماً أنه ينطلق لغاية الآن من أصوات كتلة “المستقبل” وتسود ضبابية حول الموقف المستجد للثنائي الشيعي الذي كان يصرّ على عودته لتأمين غطاء سنّي للوضع قبل أن تتأزم العلاقات على خلفية تسمية أو عدم تسمية وزير شيعي للمالية وعلى خلفية الاتهامات لرؤساء الحكومات السابقين بمصادرة حق الكتل النيابية بتسمية ممثليها في الحكومة. وقد دعا حزب الله في آخر بيان لكتلته النيابية إلى معالجة أسباب التعثّر الذي واجه تأليف حكومة مصطفى أديب، مبدياً كل الحرص على التعاون في سبيل تشكيل حكومة وطنية فاعلة ومنتجة والابتعاد عن نهج الكيدية والعزل والاقصاء، فيما المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان دعا إلى تكليف رئيس حكومة ملتزم وطنياً، وخلال أيام سيظهّر فعلياً إن كان موقف الثنائي الشيعي من تأييد الحريري مجرّد مناورة أم محاولة جديدة لإغراقه في مستنقع الشروط والتلطّي خلفه ورمي المسؤولية عليه.

بالنسبة إلى “تكتل لبنان القوي” برئاسة النائب جبران باسيل فهو قد يعيد النظر في عدم تسمية الحريري حرصاً على عدم إنهاء عهد الرئيس ميشال عون بالفشل والأزمات والانهيار التام. وكان أحد أسباب عدم تسمية الحريري قبل تكليف حسّان دياب هو إشتراط الرئيس عون أن يكون جبران باسيل وزيراً في الحكومة وإلا يكون الحريري وباسيل معاً خارجها. وفي اعتقاد سعد الحريري أن هذا الشرط لم يعد قائماً في الظروف الراهنة.

أما حلفاء الحريري القدامى وتحديداً رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، فليس مؤكداً بعد الموقف النهائي الذي سيتّخذانه من تسمية الحريري ولاسيما بعد الطلَقات النارية الأخيرة التي صوّبها رئيس “تيار المستقبل” في اتجاههما في مقابلته التلفزيونية حيث اتهم جعجع بأنه لا يفكّر إلا بمصلحته، سائلاً إن كان عدم تسميته من قبل القوات في المرة الفائتة موقفاً مشرّفاً، فيما إتهم جنبلاط بأنه حاول إقناعه بإعطاء وزارة المالية للشيعة إلى الأبد، وأن الاتصال بينهما كان عاصفاً. وإذ يدلّ السجال الذي نشأ بين الحريري والقوات إلى أن لا تغيير مرجّحاً في موقف القوات من تسميته، فإن البعض يربط توجّه جعجع وجنبلاط لتسمية الحريري بالموقف السعودي والأمريكي الذي كان إلى حين تسمية مصطفى أديب معترضاً على عودة الحريري بسبب سياسة التنازلات التي ينتهجها و”التضحيات” التي يستفيد منها حزب الله لتعزيز نفوذه وهيمنته داخل الدولة. وترتسم علامات استفهام حول الموقف الذي ستتخذه كتلة جنبلاط لجهة التقاط فرصة الانقاذ وعدم ذهاب الأمور نحو الانهيار تجاوباً مع المبادرة الفرنسية. وكان الحريري اعتذر عن عدم الترشّح قبل أشهر بسبب غياب الدعم المسيحي من جانب إحدى أكبر الكتلتين المسيحيتين وهما التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، وفي حال تأييده هذه المرة من قبل التيار فقط سيمشي بالتكليف.

في ضوء هذه المعطيات، فإن أمام الحريري مطبّات عليه تجاوزها بتأنٍ، وبناء على الاتصالات التي ستتم على أكثر من خط ستُحسَم الأمور علماً أن الحريري أعلن مسبقاً أنه باق على وعده بمنحه الثنائي الشيعي حقيبة المال، ويبقى الاتفاق على من يختار هذا الوزير هل الثنائي بناء على لائحة من قِبله أم الحريري؟ وماذا عن موقف رئيس الجمهورية من الوزراء المسيحيين هل يترك للحريري التسمية أم يشترك معه في التأليف وفقاً لما ينصّ الدستور؟ مع العلم أن تغريدة الرئيس عون الأخيرة حملت أكثر من رسالة في غير اتجاه عندما انتقد التحجّر في المواقف وامتناع الأمم عن إعادة النظر بسلوكها ما يجعلها محكومة بالتخلّف، ولا تستطيع بناء ذاتها ومواكبة العصر، سائلاً “إلى متى يبقى وطننا رهينة تحجّر المواقف وغياب مراجعة الذات؟”.

وكان الحريري من خلال رسالة الواتساب التي بعث بها إلى النائب باسيل بعد إصابته بفيروس كورونا للاطمئنان عليه أحدثت خرقاً في الجليد السميك بينهما، يمكن أن يُبنى عليه. إلا أن حلفاء الحريري وتحديداً جعجع وبدرجة أقلّ رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية لديهما نقزة دائمة من إعادة نسج تسوية بين الحريري وباسيل على حسابهما، في وقت يحاول الحريري الدفاع عن التسوية الرئاسية بعدم تحمّل مسؤوليتها وحده بل تحميلها بشكل أساسي إلى القوات التي كانت هي وراء دعم ترشيح الجنرال ميشال عون.

 إذاً، فرصة جديدة تلوح لإعادة بثّ الروح في المبادرة الفرنسية تترافق مع بدء التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل لتجنّب العقوبات الأمريكية، فهل ينجح الحريري في رهانه حيث فشل أديب؟ وهل تنفتح الآفاق لتنفيذ البرنامج الاقتصادي والمالي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي قبل سقوط الهيكل على رؤوس الجميع؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية