صدَرَ كتاب عن الرئيس دونالد ترامب في الأشهر الماضية وأحدث ضجةً كبيرة في الولايات المتحدة لكون كاتبته ماري.ل.ترامب، المتخصصة في علم النفس، هي إبنة شقيق الرئيس الأمريكي الحالي وتُحلل فيه شخصية عمها عموماً بشكل سلبيّ وتهجمي.
الكتاب وهو بعنوان: “لديه الكثير ولا يكفيه شيء أبداً، كيف خلقت عائلتي أخطر رجل في العالم”. يبدو وكأنه موجهٌ بالتحديد ضد الرئيس ترامب، ولكنه في الواقع يشكل حملة عنيفة ضد عائلة آل ترامب والمنظومة الاجتماعية المادية التي تمثلها هذه العائلة والتي تتشابه في سلبياتها مع مجموعات مماثلة منتشرة بين أثرياء أمريكا والعالم من أصحاب النفوذ.
ماري ترامب بدت حاقدة في هذا الكتاب بشكل رئيسي على جدّها فرِدْ ترامب، مؤسس شركة ترامب للمقاولات والاستثمارات والعقارات، الذي كان قاسياً في تربية أولاده وفي مبادئه التي ورثها من والده الألماني الجنسية. وبالتالي، افتقد فرِدْ ترامب إلى العاطفة الأبوية وفرّق بين أولاده بحسب مصالحه الشخصية والمصالح المادية للشركة التي أسسها بجهده وعصاميته لتُقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.
عمها دونالد ترامب، حسب قولها، كان الابن المُفضل لوالده لانه كرّس نفسه للشركة ولأن الوالد استخدمه كواجهة تجارية واجتماعية لها بينما في الواقع كان الوالد هو الذي يدير الشركة الرئيسية وفروعها في معظم أمورها.

أما الضحية فكان والدها فريدي، الابن البكر للعائلة، والذي لم يتمتع (حسب رأي والده) بالصفات المطلوبة ليكون ولي عهد المؤسسة وواجهتها الاجتماعية والتجارية.
وبسبب الأبواب المقفلة عليه في قيادة مؤسسة ترامب، وتنافسه مع شقيقه الأصغر منه دونالد انتقل فريدي إلى حقل الطيران، ولكنه عاد وحاول الرجوع إلى مؤسسة والده من دون أن يوليه ويسلمه الوالد مهمات رئيسية كتلك التي كان قد سلمها لشقيقه دونالد الأصغر منه بست سنوات. وقد دفعه هذا الأمر إلى الإفراط في تناول الكحول فانهارت صحته الجسدية والنفسية وتوفي بسبب مرض قلبي وهو في مطلع أربعينياته.
الكاتبة اعتبرت والدها شهيداً بسبب ممارسات الوالد فرِدْ ونجله المفضل دونالد إلى درجة انها ذكرت في أكثر من مناسبة تأييدها للحزب الديمقراطي الأمريكي بشخص هيلاري كلينتون عندما ترشح دونالد ضدها عن الحزب الجمهوري وفاز عليها في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 حيث تقول انها تمنت فوز هيلاري.
وتتهم في الكتاب معاوني دونالد ترامب بالخضوع أمامه والتواطؤ مع سياساته الخاطئة خوفاً من غضبه منهم إذا تحدوا قراراته الشخصية، وتصفه بالإنسان المصاب بالنرجسية والغرور والذي لا يتحمل السلبية السيئة وكان دائماً يغطيه مالياً وقيادياً (في الشركة) واجتماعياً فيما كان يحتقر أخيه الأكبر فريدي (والد الكاتبة) ويتهمه بالضعف والتردد.
ولذلك قررت المؤلفة محاولة ما وصفته بـ”تحطيم دونالد، كما حطم فرِدْ (الأب) ودونالد (الأخ) والدها ودفعه إلى الكحولية والمرض والموت المبكر”.
وبالتالي، هناك مبالغة في تحليلاتها النفسية لعمها ولجدها برغم انها تملك الشهادات والكفاءات العالية في حقل علم النفس، فاستنتاجاتها شخصية انتقامية إلى حد ما.
بيد انها من وقت إلى آخر تظهر تعاطفاً ومواقف صادقة وملتزمة على الصعيد الإنساني، فتقول مثلا في الصفحة 15 من التمهيد: “عنصرية دونالد ضد المسلمين ومنعهم من القدوم إلى أمريكا تشبه عنصرية والده فرِدْ في تقسيم عائلتنا إلى مجموعة من المقربين منه ومجموعة من المغضوب عليهم”. وتضيف: “إن عمي دونالد يفهم القليل في التاريخ والتشريعات الدستورية ولا يرى شيئاً مهماً إلا من خلال المال، وليس هناك مَنْ يحاسبه، بل هو يُكافأ برغم ان قراراته تهددنا جميعاً”.
وتوضح أنها لم تكتب سابقاً لأنها لم تتوقع أن عمها، مع إفلاساته المالية (التي أنقذه منها والده) وأخطائه عموماً سيصل إلى هذا المنصب الخطير على الإنسانية جمعاء وتضيف: “لقد دفعتني القرارات التي اتخذها دونالد في السنوات الثلاث الماضية لهذا الكتاب”.
وتقول في المقدمة جملة هامة تكررها في فصل لاحق وهي التالية: “عمي دونالد حطمَ والدي ولن أدعه يحطم وطني” (ص17).
أما في الفصل الثالث عشر فتقول: “عندما تأكدتُ من خداع عائلتي باتجاهي وباتجاه أخي لم يعد يكفيني أن أعمل لمساعدة اللاجئين السوريين، بل قررت مواجهة عمي دونالد ترامب وإسقاطه وتحطيمه” (ص 188).
في الفصل الأول، تحلل شخصية عمها في طفولته وغياب حنان الام إلى جانب قساوة الأب مما حوّلَ دونالد إلى شخص أناني لا يجيد التعامل مع الآخرين ولديه الشعور بالعظمة والعداوة. والده ما كان يهمه سوى نفسه وسلطته وماله، وكان يتوقع من أولاده الطاعة، ودونالد ورث منه هذه الصفة في تعامله مع معاونيه في السياسة وحقل الأعمال، فهو يطرد من يشعر بانه غير مطيع ووفيّ له.
وتضيف: “لقد ورث دونالد عن والده القدرة على التلاعب بالضرائب ومصادقة ذوي النفوذ للتأكد من مساهمتهم في دعمه ضد أي ملاحقة” (ص 34/35).
وفي الصفحة (200) ترى ان ما يعتقد دونالد بانه قوة في شخصيته يراه قادة آخرون نافذون ضعفاً. فأرباب قيادات الحزب الجمهوري الأمريكي قبلوا اختياره مرشحاً عن حزبهم للرئاسة لكي يستمروا باستخدامه لمصالحهم كما كان والده فرِدْ يستخدمه. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على علاقة بعض قادة العالم بدونالد ترامب كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين والقائد الكوري كيم جونغ اون (وربما بالإمكان هنا أيضاً إضافة رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع ان الكاتبة لم تذكره).
أما بالنسبة لعلاقات دونالد الزوجية والعاطفية، فتقول إن دونالد تزوج مارلا بعد طلاقه من ايفانا (والدة ايفانكا) ولكنه كان يواعد ويرافق ميلانيا (زوجته الحالية) خلال زواجه بمارلا (ص 162) علماً انه اضطر لأن يدفع عشرة ملايين دولار لايفانا في تسوية طلاقهما الذي نتج عن خيانته لها علناً مع مارلا مايبلز (ص 137).
ولم تضغط المصارف على دونالد (حسب المؤلفة) لأن والده فرِدْ كان يحميه من هذا الضغط كلما تعرضت المؤسسة للديون وكان يزيد مخصصاته وثروته لكي يستمر بالظهور كالحصان الرابح أمام الإعلام والجمهور، في وقت كان خلاله والدها فريدي يتعرض للأمراض الخطيرة والضغوط المالية من دون اكتراث والده.
غير ان دونالد حاول استمالة المؤلفة في إحدى المناسبات طالباً منها مساعدته في إعداد وتأليف كتابه الثاني. وعندما همّت بفعل ذلك أبلغتها الشركة الناشرة “راندوم هاوس” انها بحاجة لشخص أكثر خبرة منها في هذا المجال، فيما كان دونالد يبلغها بانه راض عن عملها من دون أن يقرأ ما كتبته.
الجّد فرِدْ ترامب توفي في أواخر حزيران (يونيو) عام 1999 وكان في الـ93 من عمره، وقد حَرَم المؤلفة وأخاها في وصيته من الميراث موزعاً إياه بين أولاده الأربعة الآخرين الباقين (دونالد وروبرت وماريان واليزابيت).
فقد كان فرِدْ يكره جميع أعضاء عائلة أبنه فريدي وخصوصاً زوجته. وقد عارضت ماري وأخوها الوصية وخصوصاً بعدما تبين وجود أصول مادية لا يمكن حرمانهما منها. ولكن الجّدة الكبرى (أسمها ماري أيضاً) زوجة فرِدْ، وأخته ماريان المتخصصة بالشؤون الحقوقية ضغطاً عليها وعلى أخيها لعدم رفع دعوى لكونه من الصعب جداً تحقيق أي نتيجة إيجابية ضد “منظومة ترامب” وان عليهما القبول بالمبلغ البسيط نسبياً الذي عُرِض عليهما كتعويض.
ومن هناك فصاعداً، أصبحت معركة المؤلفة أكثر شراسة مع دونالد ترامب ومنظومته. ومع انها حضرت جنازة جدها فرِدْ فإنها (وأخاها) قاطعا العائلة لسنوات، وكان لقاؤهما الأول مع آل ترامب خلال زواج بنت عمها ايفانكا مع جاريد كوشنر في تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
وقالت في الفصل 13 ان تشارلز كوشنر والد جاريد، الذي خرج من سجنه ثلاث سنوات قبل هذا الزواج، صرح في إحدى المناسبات ان ايفانكا غير صالحة للزواج من أبنه جاريد الذي يعمل في حقل العقارات كوالده. وكان الوالد سُجن بسبب مخالفات مالية وعقارية وعمليات ملتوية في حقل الضرائب والصفقات.
وبعد انتخاب دونالد رئيساً، وفي نيسان (ابريل) 2017 شجعت صحافية في “نيويورك تايمز” المؤلفة على جمع كل المعلومات المتوافرة عن مخالفات “منظومة ترامب” ضدها وضد أخيها وعن عمليات دونالد المالية الملتوية وتبين أن ورثة الجّد فرِدْ كانت توازي المليار دولار، وليس 30 مليونا، وان المبلغ البسيط الذي أعُطي لها ولأخيها كتعويض كان أقل بكثير مما كان يجب ان يحصلا عليه. وفي مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 2017 نشرت “نيويورك تايمز” مقالاً عن أكاذيب واحتيالات “مؤسسة ترامب” وعن حرمان ماري وشقيقها فريتز من العشرين في المئة من حصتهما في أحدى فروع الشركة وعن التحويلات المالية الضخمة التي كان فرِدْ يقدمها لدونالد تهرباً من الضرائب. وبالتالي، عندما نفذ دونالد صفقة بيع لأصول من المؤسسة في عام 2004 نال كل من الأخوة والأخوات ترامب الأربعة حوالي الـ170 مليون دولار متجاوزين حصة ماري وفريتز وزوجة أخيهما الراحل فريدي (حسب قول المؤلفة).
وتؤكد ماري في نهاية الكتاب ان دونالد ظل كما كان في طفولته غير قادر على ضبط نفسه وعواطفه (إذا تواجدت) ونرجسيته ويحتاج دائماً إلى الأطراء من الذين حوله (ص 197) وتضيف: “إنه لا يملك سياسات ولا استراتيجيات واضحة حول أي موضوع، ولم يُحاسب بشكل وافٍ من قِبل السياسيين والإعلاميين الذين إما يخشونه أو يستخدمونه لاغراضهم. وكل ذلك برغم ان الناس يموتون ويُحرَمون من حقوقهم بسبب أخطائه. وإذا لم تتم محاسبة دونالد ترامب، ولم تتوقف مكافئته عن أخطائه (كما يجري مع زعماء آخرين على شاكلته في العالم) فإن العالم برمته سيدفع الثمن باهظاً”.
قد يكون الكثير مما قالته ماري في هذا الكتاب مفيدا لمعرفة خلفيات دونالد ترامب وعائلته. ولكن خصمها الأساسي وخصم والدها المتوفي كان الجّد فرِدْ. فهو كان مصدر عزل نجله الأكبر وتحطيمه معنوياً ومعاقبته خلال حياته ومعاقبة أولاده بعد وفاته. فهو مؤسس “منظومة ترامب” المتواجدة (للأسف) هي وأمثالها في أمريكا وفي بلدان أخرى من العالم (الذي يُسمى حراً) والتي تخضعُ البشرية لقراراتها وأملاءاتها.
Mary L. Trump: “Too Much and Never Enough”
Simon and Schuster, New York 2020
225 pages.