ليس من أي أثر كتابي إلا ويكون الناشر شريكاً ما في ظهوره متداولاً بين الآخرين، ومن هنا يبرز الطابع الإشكالي له كذلك، وبالمقابل، فإن هذا الناشر له سهم معتبَر، مثمَّن لدى السؤال عن مستوى أي نوع من أنواع الكتابة أو الإبداع الفني في بلد ما، عند تتبع أنشطته ومن يكون ثقافياً.
وما أكثر الناشرين تنوعاً وتسلسل أنساب ومراتب ومذاهب وأدوار: إذ الحكواتيون في عِدادهم، وكذلك الرحالة، الرواة، نقلة الكلام، والحفَظة إلى جانب الورّاقين بشكل رئيس. لنسمّ هنا حمّاد الراوية، إلى جانب خلف الأحمر فالأصمعي قبل عشرات القرون كناشرين على طريقتهم، ولكم أثّروا في عملية النشر، في تلوين التاريخ، وتركوا بصمتهم على صفحات تترى في التاريخ. لقد كان لكل منهم أسلوبه ووجهة نظره ومبتغاه فيما كان يلجأ إليه، كما لو أنه مقرر مصير أمَّة.
وعندما نستعيد الأسماء هذه، فثمة ما كان يؤثر فينا، كما لو أن الزمن لما يزل يحافظ على هيبته أو سلطته في بث مؤثراته، فالرواة ومن ثم الوراقون كانوا على بيّنة ما، مما كان يجري، ومن ثم كان في مقدورهم أن يحدِثوا تغييراً في كل ما يعرَض عليهم من أعمال، كما في الحديث عن مجموعة النسخ التي تخص النص الواحد، أو ما يكونه الموضوع، وكيف تم التلاعب بكتاب معين يُنسَب إلى اسم معين، لأكثر من غرض، إلى درجة اختلاق الموضوع، أو من باب التزييف، كما في الحديث عن الشعر الجاهلي ومدى صحته. أما اليوم، فإنه في الوقت الذي يمكن متابعة الأدوار التي يلعبها الناشر البعيد عن الإملاءات السياسية مباشرة، نتلمس تلك الخطورة الماثلة في مهمته أو ما يعتبره قادراً على القيام به، جهة طرح اسم أو تغييبه!
وإذا كان لنا أن نتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي والإمكانات المتاحة أمام أيّ منا في أن يصبح قارئاً وكاتباً وناشراً في آن، من خلال صفحة فيسبوك الخاصة به، وبسرعة لافتة، إلا أن هناك اعتبارات أخرى، ولها أولويتها بالنسبة لمن يصبح كاتباً وينشر كتبه في أوساط مختلفة، وحتى بأكثر من لغة، إذ من الصعب عليه، إن لم يكن مستحيلاً الجمع بين مجموعة من المهارات والأنشطة في القراءة والكتابة والنشر دون تحفظ أو تحديد.
والسؤال القابل للتحديد: من هو الناشر الذي يشكّل محتوى الكتاب هذا، أو مضمونه؟
ربما كان المعني بطبع الكتاب، أو دار النشر، وهو يتعاقد مع كاتبه، كاتب ما، وهو أسهل ما يمكن التفكير فيه. وأول ما يتبادر إلى الذهن، ولا بد أن أن يكون له موقع في الكتاب، سوى أن هناك من يعمل في جريدة أو مجلة أو لديه مسؤولية عن دورية معينة، أو كتاب ملحق بها، وبصورة خاصة حين تكون قيمتها الإعلامية، وثمة مردود مادي من وراء التعامل معها، وأخص بالذكر: من يُقيّم المقال، أو يتلقى المواد للنشر، وهي تخضع لعملية قراءة ما، أو من خلال ما يُسمّى بـ” لجنة تحكيم”، أو بطريقة الاستكتاب، وكيف يتم كل ذلك. إذ لا بد أن هناك الكثير من المتابعين لهذا الموضوع وجرّاء ضخامته وتشعَّبه وتأثيره على المجتمع ونوعية ما يقرَأ بدءاً من المقال الصحافي وانتهاء بالعمل الضخم: الموسوعي. فالسؤال المطروح هنا هو: من يكون هذا الذي يقيم المادة المنشورة ويرفض أخرى، كيف تتم العلاقة بينه وبين من هم في الخارج من الكتاب، ما الذي يجري في الخفاء، وأي صورة يحملها المقيّم في ذهنه عن الكاتب، وإلى أي مدى تتنوع علاقاته مع الكتاب، في الدورية، أو لحظة الموافقة على طباعة كتاب مرفق، أو كتاب مستقل، وأين يقف الناشر بجوار المقيّم، وحقيقة كل منهما في الواجهة؟
ربما جاز في الوسع القول: الناشر حمّال أوجه، بالتوازي مع مستجدات عالمنا اليوم!
من أي باب يدخل الناشر ليكتسب هذا الاسم/ اللقب؟ ما اللافت في الآونة الأخيرة في شخصية الناشر، وما إذا كان له صلة بعملية الكتابة الفعلية أو الثقافة؟ كيف تسنّم الموقع الذي أهَّله ليكون صاحب ختم أو مؤثراً في عملية النشر؟ ما هو الوسط المؤثر في توجهات هذا الشخص؟ هل هناك ناشر واحد أم أكثر من واحد في شخص الناشر؟ ومتى يكون الناشر ناشراً بالفعل؟
ثمة من يطبع في جهة معلومة، وهنا تنتهي حدوده، وثمة من ينشر، والنشر درجات ومستويات: نشر بالمقابل الكلّي، ونشر باتفاق معين بنسبة مئوية، ونشر من جهة الناشر بالكامل، ونشر يتركز على كتاب معين، ومن نوعية معينة، ونشر يخص عدة كتب، ونشر يسمّي الأعمال الكاملة لمؤلف ما، وفي هذا السياق يجب وضع نقاط استناد للتحرك والتمييز بين الواحد والآخر.
ولعل سيطرة الوسائطيات على اهتمامات الأشخاص، إلى جانب تراجع الكتاب وانحسار دوره عما كان عليه قبل عدة عقود من الزمن، أوجدت بالمقابل أصنافاً أخرى من القيّمين على عالم النشر بمداخله ومخارجه، أو الناشرين بنوازعهم ومشاربهم بالمقابل، حيث إن الكثرة اللافتة في قائمة المنشورات (الإلكترونية خصوصاً)، لم تُحِل دون انتشار الكتاب، ومقابل الكم الهائل من الأقراص الليزرية، وغيرها من الذاكرات التي في وسعها خزْن عشرات الآلاف من الكتب، بما أن سحر الكتاب الذي يحمَل باليدين، وما يجري عليه من خربشات أو كتابة ملاحظات، مقابل غزو الأساليب الأخرى “الإلكترونية” وغيرها، لأن ثمة شعوراً بالملكية الخاصة، بتداعيات أفكار، إلى جانب انطباعات تعني الكتاب بالذات. وربما يكون الناشر على بيّنة من ذلك، أو يمتلك خلفية ثقافية معينة، وهو يقدّر كل ذلك لدى الكاتب، والكاتب الذي لا يقل معرفة عما يجري حوله من تنوع وسائل اتصال ميديوية رسمية وأهلية، ومن سهولة النشر في المواقع التي باتت معروفة انترنتياً، يدرك الفارق القائم بين أن يتلمس حضوره في كتاب ورقي وفي واجهة مكتبة ما، أو بين الأيدي، أو ضمن قرص ليزري، أو مقروءاً في موقع الكتروني، وهو إدراك يحفّزه على التحرك والبحث عن ناشره أو من يسهّل له عملية نشر نتاجه هنا وهناك.
إن ما لا شك فيه هو أن تحرّي هذا الموضوع أشبه بالدخول في متاهة صحراوية، وما في ذلك من مخاطر مباغتة، عبر تعقّب اسم معين وكيف قيّض له أن يصبح نجم كتابة، ليس لبراعته في الكتابة أو في عمل إبداعي بالضرورة، وإنما لأسباب لا صلة لها بكل ذلك أحياناً، وحتى بالنسبة للذي يستحق كل وسائل الدعم له، يمكن المساءلة عن موقعه، وما إذا كان الوحيد في مضماره، فثمة العشرات من المواهب في مجالات كثيرة وتنتظر العناية والرعاية، ولكنها بدلاً من ذلك، وفي مجتمع، لا يشك أي كان واقعاً في المستوى الثقافي المتدني له، وما يترتب عليه من تدني جل العاملين في الحقل المذكور، ومن ثم ما يؤدي إليه هذا العمل في التواصل والتقييم ومن ثم الاستقطاب. وحتى إزاء الذين يُعرَفون بأصحاب المواهب، فإن المرء يجد نفسه إزاء ظاهرة يستحيل تجنبها أحياناً، وهي تتمثل في استغلالها أو ابتزازها، من خلال تكليفها بكتابة أبحاث أو حتى كتب بمقابل مادي أو غيره، إلى جانب أن العلاقة هذه قد تتسع وتشمل مستويات عالية في العلاقات المجتمعية.
في الجانب الآخر، وهذا ما يجب النظر فيه ملياً، برز حضور واضح في الآونة الأخيرة لدور المرأة في مجال النشر (نشر الكتاب)، عبر الإشراف على الدار، أو إدارتها على الأقل، وأنا أشير إلى سمر سمعان حدّاد بالنسبة إلى دار “أطلس” بدمشق، ورانيا المعلم بالنسبة لدار “الساقي” ورشا الأمير بالنسبة لدار “الجديد”… وهذا أمر مستجد له اعتباره الاجتماعي والثقافي والدلالي بالمقابل، وذلك في مجتمع لما يزل في الإمكان وصفه بالذكوري، وربما حتى من داخل الدار ذاتها، عند تقدير المناخات السائدة في العالم العربي والقيم التي تعزّز موقع الذكورة، إن من ناحية التداول، أو ما يخص نوعية الدراسات وحجمها وإشكالياتها الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية…الخ، إنه بروز لعالم وإخفاء لما يستبطنه قيمياً. أما على صعيد النشر والمسؤولية في المنبر الصحافي، فتكون الإشكالية أكبر بكثير، باعتبارها تتعدى نطاق التسمية (أي وجود امرأة في الواجهة)، طالما أن هناك محرّكاً ذكورياً إجمالاً، وذلك يسمح لنا في تعميق عملية المقاربة النقدية، وما يعنيه الاستبداد هنا بوصفه ذكورياً.
ولقد اشتكى المفكر المعروف محمد أركون (1928-2010) ذات يوم من المستوى المتدني للذين يؤمُّون الجامعات الأجنبية (في الغرب)، وكيف أن تدني المستوى هذا يستمر في منظومة بيانية معرفية واحدة، وأكثر بؤساً، من قبل سياسة التعامل معهم من قبل المشرفين على الرسائل الجامعية (ماجستير، دكتوراه)، إذ يتم تكليفهم بكتابة موضوعات يغيب عنها الجهد البحثي العلمي والنقدي والفكري المطلوب، وهو ما يترجِم الصورة النمطية ذاتها للباحث العربي في متخيل الغربي هذا الذي يهمه الحصول – غالباً- على شهادة دكتوراه عموماً دون السؤال عن مدى قيمتها، أي ما يمكنها أن تفيده تالياً على مستوى التعاطي مع الواقع وطلبته مستقبلاً.
ولعل الأهم في هذا المجال غير الممكن تحديده وتأطيره، لوجود عوامل أو عناصر تخرج عن السيطرة مفهوماً ومكونات معرفية، هو المرئي أو المقروء على سبيل المثال كنوع من اللوغو على الصفحة الداخلية لكتاب يُطبَع ضمن سلسلة معينة وفي دائرة ثقافية تموَّل مطبوعاتها من قبل جهة حكومية أو أشخاص لهم اعتباراتهم الرسمية أو الشخصية نصف الرسمية: “الآراء الواردة في هذا الكتاب لا تعبّر بالضرورة عن مواقف/ اتجاهات الدائرة/ المؤسسة”. وهذا ما ينطبق على صحيفة أو مجلة معينة بالصيغة المقابلة، وما في ذلك من إعلان “حيادية” كما لو أن طريقة طبع الكتاب المؤلَّف أو المترجمَ لا تخضع لعملية تقييم في المضمون بداية، هذا ما ينطبق على المواد التي تنشَر فيها وتسمَّى بالعلمية أو المحكَّمة وآلية التعامل معها كذلك.