ينتظر كلٌّ منا، وباعتباره كاتباً، كتابه المنتظر. ليس من انتظار «غودو» صموئيل بيكيت هنا، حيث كان ثمرة من ثمار شجرة متخيله الإبداعية. إنه الاسم القابل للتأويل وطرْح معانيه كثيراً. أي اسم يكون، وكيف أصبح هذا الاسمَ وليس سواه، ومن داخل لغة معينة، وفي زمان ومكان معينين. ما ينتظره أي منا هنا هو ما يكون متهيئاً له، ما يعيش مخاضه، وما إذا كان المخاض هذا يفلح في ترسيم ولادة رمزية أخرى له، في كتاب يستحق انتظاراً وهو يحمل اسمه.
لا كتاب يأتي كما هو مرتَقب، والجسد بكامله طوع الترقب للموعود المجهول، ولا يعرَف في جهة ما (هل من جهة يمكن تأكيدها، تجيز للكتاب القدومَ؟). ثمة كلّية الجسد المشغول بالكتاب الذي لم يكن له حضور، ولا أثر، وها هو شاغل المتخيل في كامله، ولن يكون الكتاب الذي ما أن يأتي حتى يُحتفى به، وكما هو المولود، ويحمَّل اسماً، وصفحة مرقمة مؤرخة في سجل الولادات.
في مأثرة الكتاب، وفكرة الكتاب، ومفهوم الكتاب، ثمة ما لا يُسمَّى، ما لا يحتفى به بحضور الأشهاد. الكتاب الذي يُسمّى اجتزاءٌ للكتاب الذي لا ينتهي، مثلما أنه لا يحدّد بداية له. تلك حيلة من أجاز لنفسه أن يُسمّيه كتاباً وباسم معين. يعلّمنا الكتاب نفسه، ومن خلال مأثور اسمه المؤجَّل، أنه ما لا يحاط به، ما لا يقبل طواعية متخيلَ أي كان في أي زمان ومكان. هناك الوهم المحتفى به، والمعزّز بوصفه حقيقة الكتاب: فكرة، وظهوراً وانتشاراً، ومن ثم حديثاً عنه. أي ما يصبح أثراً كتابياً، كتابة ينظَر فيها. سوى أنه في حقيقته نافي الحضور المسمى. لهذا كان هذا الانشغال به، جهة اللامتناهي فيه، ومن قبل كل الذين يرون أنفسهم أهلاً للكتاب: الكتاب المنتظر!
ما يشغل الكاتب، وبوصفه الكاتب، ليس للكتاب، كما هو موسوم، صلة نسَب رحْمية به، إنما ما ينشغل به بوصفه موضوع كتاب أو أكثر، وليس موضوع الكتاب بالمطلق، لأن الكتاب في بنية حقيقته متكتم على سره، على ما يجعله تجسيداً ما، ولو- بإيجاز ما – له، ليكون البياض الذي لا يقاوَم، والسواد الذي يعتّم على كل داخل فيه.
في انتظار الكتاب هو ما يركز على مكْر العلاقة، ووهم التسمية أي شرعنة الانتظار. وليس من انتظار محسوب هنا، لأن الانتظار يعني مكاناً، موقعاً، إحداثية، تحديد المنتظَر، وتسمية المنتظِر، وليس من أثر لأي مما تقدم.
ربما كان لدى موريس بلانشو، جانباً مؤثراً، وصنيعَ متخيل مصادَق عليه، من هذا المثار هنا، لحظة التذكير بكتابه: الكتاب القادم Le livre à venir أي كتاب يكون القادم، ومن يكون المنتظر، وباسم من، ولماذا توضع تسمية كهذه، وما يخص المغزى منها، لأنه شأن «داخلي» والخارج مفارق له، عدا عن التباس مفهومه؟
يتحدث بلانشو في نقطة منه، عن يوليسيس، وهو في مصيدة بنات البحر: حورياته، عن البحر المرهوب الجانب. تظهر الحوريات فجأة مع أصواتهن، وحيث يتراقص الصوت بين الموسيقي والدال على كلام ما، وهو غير مفهوم، في هجنة لا يُفك سرها، ويختفين فجأة. إنما المسافة بين الحالتين هائلة، عصية على الوصف (حيث البحر، بآذان مغلقة، غرق الأحياء). يشار هنا إلى نوعية الأغنية (أغنية الهاوية التي، بمجرد سماعها، فتحت هاوية في كل كلمة ودعوننا بقوة للاختفاء فيها)، وليكون هناك، كما يتبقى ذلك السر بصدد ما جرى (لذلك فإن كلمة السر هي الصمت، والتكتم، والنسيان). بالطريقة هذه يكاشف بلانشو جانب العلاقة بين يوليسيس ورجاله، وهم في قبضة البحر، إنما في فخ السر الذي يشار إليه دون أن يُرى بدقة.
والكتاب هو هذا السر، هذه الهاوية، هذه الأغنية التي يعيشها الكاتب دون إمكان توصيفها والقول بأنها الحقيقة. يوليسيس كان ينشد الرؤية، مركزاً على جهة معينة، بينما الأذن التي سدَّها، فلأنها تخيف، حيث الصوت يتردد في الجهات كافة، عدا عن أنه يطيح بتوازن الجسد. وفي حال الكتاب، يبدو أن الساعي إليه، وهو يمخر عباب فكرته، يتفتح له بكامل جسده، على وقْع الرغبة الجامحة. الرغبة هي هذه الهاوية التي لا يُسبَر لها قاع، والحوريات هن اللواتي لا يمثّلن ما يطفو على سطح الرغبة، وليس قاعها، لنكون إزاء الغواية، التداعي لا في فخ الهاوية، لأن لدينا ثمالة، نشوة تخل بالتوازن. لا كتاب يكتمل هنا، لا كتاب يحمل ما هو مرغوب تماماً.
في مثال حي، يتحدث بلانشو عن هرمان ملفيل و«موبي ديك» روايته البحرية البرّية نشأة، وهو يرينا ما للكتاب من انزياح الاسم، من طرب اللقاء الممدوح (صحيح أنه في كتاب ملفيل فقط التقى أهاب بموبي ديك. ومع ذلك فمن الصحيح تماما أن هذا اللقاء وحده يسمح لملفيل بكتابة الكتاب، وهو لقاء مهيب للغاية ومفرط للغاية وخاص للغاية إلى درجة أنه يفيض على جميع المستويات التي يحدث فيها، كل اللحظات التي يرغب المرء في تحديد موقعها، ويبدو أنه حدث قبل وقت طويل من بدء الكتاب، ولكن مع ذلك يمكن أن يحدث مرة واحدة فقط، في مستقبل العمل وفي هذا البحر بحيث يصبح العمل محيطًاً حسب مقياسه).
من يكون أهاب المصارع، موبي ديك الحوت الرمز، التحدي الوجودي، وما لا يقبل التقنين أو التعيين، والبحر الذي يجعل الحضور غياباً، كما لو أن الكتاب هو المرئي في البحر، وثمة ما لا يتناهى عميقاً، ثمة ما يتحدى القياس، ما يضفي على الرغبة طابعاً من الأسطرة الاسمية التي تشكّل قابلة كبرى لكتاب مجاز، ولكنه في أصل معناه يستغرق وجوداً كاملاً. هل يمكن استلاف عبارة هيدجر»الوجود هناك»، تعبيراً عن مطلق ما؟
داخل كل منا ثمة هاوية، هاوية تختصر تواريخ ماضية، لأزمنة غابرة جداً، يصعب البت بوجودها كما هي. هاوية الرغبة والتي تثقلها زخارف التصورات. فلسان رغبتنا مفرد وجمْع!
وللكتاب كفكرة، كأشمل وأوسع وأخطر وأمكر تعبير تفتقت عنه قريحة البشرية، لأنه في مبتداه ومنتهاه يترجم ما يعتبره المعني امتيازاً له، وإنجازاً يتباهى به، ويحرّره من ربقة الآني زمكانياً، سوى أنه وهم الخلود، لحظة النظر في مسوّغ ظهوره. إنه لا يخلف أحداً، ولا يتقدم أحداً، رغم كل ما يتعزز به مناقبياً جهة «الحيوان الناطق». إذ في داخل الهاوية جيب، أو ما أعتبره «الصندوق الأسود» والذي يسجل بلغته حطام المرء، الإنسان، كيفية تلاشيه، أو سقوطه، أو تخوفه المستمر، وموته المتكرر ضمنياً، مما هو فيه وعليه، وليس من شيء يهدئ من روعه، إن أفصح بلسان المودَع في «الصندوق» عما يعيشه كينونةً.
وفي تجربة الروائي الفرنسي مارسيل بروست نموذج آخر على فوبيا الوجود، وهذا «الزورق السكران» الذي يمثّله جسد الكتاب أكثر من غيره، جسد بروست نموذجاً آخر في «إعادة البحث عن الزمن الضائع»، سيرة أكثر من سيرة، تتعداه، وتتفاده، وتعْدي كل قارئ لها، وهو يستشعر رعب شذرات من هاوية الرغبة، حيث يستوقفه الفرنسي وعبر مأثرة «إلإعادة» المستحيلة لزمن مفقود، تمثيلاً لبلاغة حِدادية، وهو يسلط ضوء الصمت على صمت تخلل الصفحات الطوال لبدعته الكرونولوجية المكثفة (سر الكتابة هل يمكن أن يكون هناك سرد خالص؟ أي رواية، ولو بدافع التقدير، تسعى إلى إخفاء نفسها في ثخانة الرواية. بروست هو أحد سادة هذا الإخفاء. إنه التنقل الخيالي في السرد الذي يقود الكتاب الآخرين إلى عدم واقعية الفضاء المتلألئ، كل شيء يحدث لمارسيل بروست كما لو كان متراكباً لحسن الحظ على التنقل في حياته الواقعية، تلك التي أوصلته عبر مآزق العالم ومن خلال عمل الزمن المدمّر، حتى النقطة المدهشة إذ يواجه الحدثَ الذي يجعل أي قصة ممكنة).
كيف عايش بلانشو، عرّاب الصمت، ومعمّد النسيان في بنية كتاباته، ما استرسل فيه متخيل بروست؟ وهل قارب لسان رغبة بروست؟ هل استشعر طمأنينة، تنفس الصعداء في إثرها، كونه سمى لدى ذلك المعتبَر سراً، وهو سر عائد إلى بلانشو، بينما سر بروست فقد ذهب معه إلى الأبد، وفارقته روايته في الجهة الأخرى. مثلما أن بلانشو، وهو لم يكف في أعماله الفلسفية والقصصية، والروائية (توماس الغامض – لحظة موتي – انتظار النسيان – جنون النهار- وميشيل فوكو كما أتخيله…إلخ) عن مطاردة صمت القول والوجود، بإلحاح مستبد من صمته النافذ كثيراً. وهو يراهن على النسيان، تخلصاً من الذاكرة المقضة لمضجعه إبان سنوات حياته كثيراً، وهو طريدها، رغم عمره المديد (قرابة قرن)، مثلما أنه في قرارة نفسه عاش هول الكتاب مكابداً انتظاره، وهو يغلق عينيه (ولا ندري على أي صورة، وأي كلمة أخيرة) منتقلاً إلى عالم لا يحاط بسره، ليلتقي سره الحياتي بسره المماتي، وتكون هاوية الرغبة مفصحة عما لم ينجَز. ولن ينجَز من قبل أي كان، ناحية الكتاب بالذات، الكتاب الذي انتظَر، للانشغال بفكرته، وانتظِر للانشغال بكيفية التعبير عن فكرته، وانتظر للانشغال بكيفية ظهوره، وانتظِر للانشغال بكيفية تداوله، و… وانتظِر للانشغال ما سيكون عليه حقيقة بعد رحيل كاتبه الأبدي.
وفي المحصّلة ما يكون الكتاب اللاكتابَ، قبالة الرغبة المتعدية لمساحة الجسد، ليكون انتظار الكتاب الذي يعلَّق في فراغ الوجود، وحسرة المنتظَر التماميّ فيه ومنه وباسمه وما يكون معطوفاً عليه، ومضافاً إليه!
يا لمكْر اللغة وأساطين غوايتها ومؤتاها اللعوب!