نتحدث عن الرواية، بوصفها سرداً، إنما لا يكون ذلك في حضور الأخير، في الخلف، أي بعد نشره بعنوان يُهتدى إليه، وإن كنا نُقبل على قراءة نصوصه، إنما في الأمام، وهو طوع المكاشفة أو المقاربة النقدية، في مختلف الجهات، وقد توزعت أصواته، طبقاته، تداعيات رموزه، مجتمعه المترقب باعتداد.
وما يمكن للروائي أن يقدّمه، هو نصه، وما يمكن لنصه أن يقدّمه هو في قراءته والباقي في عهدة القارئ، قارئ متعدد الألسنة، يتعرض له دون علِم منه، فهو نفسه رهانه ومرِهنه في آن. حيث الروائي هو كاتب روايته، وهذه ليست محميته، وقد دفع بها إلى النشر، بمقدار ما يكون هو نفسه، وككاتب، عرضة لضروب المساءلة اللامتوقعة، وإدخاله إلى خانة التساؤلات، ومباغتته أحياناً بتسمية ما أغفل عنه، وهو غير مدرِك له. فثمة جانب من العمى الذاتي، من الغفلة الكامنة فيه، لا تتوارد إلى ذهنه، وهو إذا يكتب روايته، فلكي يقاوم نسياناً ما أرهبَه له، وهو يمتد في الزمن، وحين يكتبها، قد يصبح هو ذلك المنسي الأول، وتتركه روايته خلفها. إذ يحدث فك ارتباط لا بد منه، حرصاً على مصلحة الاثنين، ولمصلحة الأدب بالذات، وليس مسمّي الرواية نفسه، بل المأخوذ باسم، قد يُتخَذ ليكون وسيطاً بينه وبين نصه.
أليس القرين، الذي تخوّف منه بورخيس، هو نفسه هذا الوسيط بين كونه الإنسان العادي، والرحالة في الزمن؟ لا رأب للصدع الوجودي بين الاثنين، فهو شرط مطلق ليكون الأدب أدباً.
نعم، هناك ما يفترَض أن يشار إليه، وما يُرى وليس من قبل أيّ كان، كما يؤكد بول ريكور: «إن هذا التبادل عينه بين الذات المتأثرة والآخر المؤثر هو الذي يحكم على الصعيد السردي تمادي قارئ القصة بالأدوار التي تقوم بها شخصيات مكتوبة في غالب الأحيان بصيغة الغائب، وذلك حين تدخل هذه الشخصيات في صياغة حبكة القصة، في وقت واحد، مع الأحداث المروية. إن المطالعة، بما هي المحيط الذي يتم فيه تحويل عالم القصة – وبالتالي عالم الشخصيات الأدبية كذلك – إلى عالم القارئ، تشكل مكاناً ممتازاً وصلة ممتازة لتأثر الفاعل القارئ».
لتنقسم الذات الواحدة إلى ذوات، وهذه تستمر في الانشطار والانتثار، وهي في قابليتها للانقسام، قابلة للتنوع، ليكون هناك تفسير وتأويل ومزج بينهما. إنه درس الأدب الذي لا يكتفي بالتعليم، وإنما يراهن على اللامتعلَّم، على معايشة المجهول، لإبقاء قوى النفس في وضعية اليقظة، لتكون المتعة المنشودة، أو المتعة المترتبة عليها، والمميَّزة جداً قائمة بالفعل، وهي ناقصة، كما تقتضي الكتابة الفعلية.
والحديث عن درس الأدب هنا لا يقتصر على نوع معين، وإن كانت الرواية معتبَرة بحظوتها أكثر هنا. إذ حتى الإبداع يجري الإعداد والاستعداد له. ومن المؤكد أن التعلم لا يعني الإبداع حرفياً، سوى أنه يسهم في تنمية الملَكات الدافعة إلى ذلك، بمقدار ما يهيء الأرضية التي من شأنها بناء مجتمع الإبداع والنقد بالتوازي. ألم ينوَّه إلى هذه العلاقة الخاصة، بشأن كيفية الإقبال على ما هو إبداعي وقراءته، من قبل جيزيل سيجينجر، حول فلوبير والفلسفي: «كل ما يمكننا فعله هو ، بحكم المهارة ، تشديد أوتار الغيتار التي تم كشطها عدة مرات، وقبل كل شيء لنكون موهوبين، لأن السذاجة في عصرنا هي وهم». (رسالة إلى لويز كوليت، 4 أيلول/ سبتمر 1852).
ما يدخل في حكم الموهبة، نعم، لأن هذه تسمّي الطبيعة ذات الغرائب والعجائب، وما يدخل في فضاء الاستثناء بمفهومه الإبداعي الروائي، ينوّه إلى المقام «السامي» للرواية اعترافاً تاريخياً بدورها الجمالي الباذخ، هو الذي دفع بمقولة قد تصدم في بنيتها، أو في محتواها، إنما للتأكيد على مأثرة الرواية الكبرى، بصدد «قوة الروائي» وكاريزميته!
إن هذا الامتثال لسلطة الآخر، وهو الكاتب المبدع، لا يمثّل طوعية ذات الممتثِل لاستبداد الممتثَل له، إنما هو احتفاء متبصر بواقع غير موجود، إلا بوصفه ندرة. إنه الامتثال الذي يتعدى عتبة الرؤية المباشرة، صوب منفتح ما كان له أن يشار إليه، أن يبعث على البهجة لولا هذا الروائي الذي أشير إليه بالطريقة الآنفة الذكر.
إنه الاتجاه المعاكس للوارد إلى الذهن مباشرة، وهو الاتجاه المقابل لخط تحرك الروائي الذي يتألق نجماً هنا.
روائي يدشّن عالماً، وهو العالم الذي ينغلق على أي كان، وليس أياً كان، يفتح بقدرات يتطلبها الإبداع.
وثمة قارئ وقارئ، لأن ثمة روائياً وروائياً.
ولإمبرتو إيكو أن يضيء صفحة هذه العلاقة، مقام الندرة في فضاء الإبداع، وهو المتمرس في هذا الشأن: أولاً، ما يخص القارىء المطلوب: «على قارئ كل نص سردي أن يكون مستعداً للاختيار، بل يمكن قول أكثر من ذلك: إن هذا الاختيار يتجلى على مستوى كل الملفوظات، أو على الأقل ضمن أي فعل متعدّ. ففي اللحظة التي سينهي فيها المتحدث جملته، فإننا نقدّم، ربما بشكل لا شعوري، رهاناً نستبق اختياره أو نتساءل بأسى إلى أي الاختيارات سينحاز». أي ما يخرِج النص عن نطاق سيطرة قراءة معينة، وتابعة لسلطة تفسيرية مؤطرة، ليكون في مقام النص!
ثانياً، ما يفرق القارئ النموذجي عن القارئ الفعلي: «إن القارئ النموذجي في قصة ما ليس هو القارئ الفعلي، إن القارئ الفعلي هو أي كان، نحن جميعاً، أنت وأنا ونحن نقرأ النص، فهذا القارئ قد يقرأ بطرق مختلفة، فلا وجود لقانون يفرض عليه طريقة معينة في القراءة. وعادة ما يتخذ النص وعاء لأهوائه الخاصة، وهي أهواء مصدرها عالم آخر غير عالم النص، ولا يقوم النص سوى بإثارتها بشكل عرضي».
ثالثاً، ما يجب على القارئ المزكّى هنا أن يكونه في الامتلاء بالمعرفة المطلوبة: «يبدو أنه من واجب القارئ أن يكون على اطلاع واسع على العالم الواقعي لكي ينظر إليه باعتباره الأساس الذي يشيد عليه العالم التخييلي». من المؤكد أن توضيحاً من هذا النوع، يبدد الكثير من أوجه اللبس ذي الصلة بمفهوم «القارئ»، حين نعلم جيداً، أننا نكون قرّاء، إنما أي قراء نحن، ووفق أي مقياس؟
لا بد أن هناك علاقة مضاءة، حيث كل ناقد قارئ، وإلا لما كان ناقداً، وأن مدى اتقانه لقراءة تلك النصوص التي تشهد له ببراعة النفاذ إلى داخلها، ومن ثم مساءلة سرها، وقوة هذا السر، والعكس ليس صحيحاً. كما هو الكم الكبير من القراء الذين نلتقي بهم، أو نقرأ لهم، باعتبارهم نقاداً، ولكنهم لم يتأهلوا قرائياً بعد، من خلال نوعية ما يكتبونه، ويذيلونه بأسمائهم وصفتهم بالمقابل.
وأطروحتي، إذا قمت بتبسيطها، هي أن الرواية واحدة من الأماكن المميزة التي ينعكس فيها هذا التساؤل بأكبر قدر من الاتساع، والأكثر دقة، حيث يتم إحياء «السؤال القديم» ولكن وفقاً لتصريفات فردية، وإجابات جزئية، وغير قابلة للتقرير. أطرح حدسا كبيرا لفالتر بنيامين الذي يرى في الرواية الحديثة البحث العاطفي عن معنى الحياة للوعي المنفصل والانفرادي. في مقال كثيف ومشرق، يوضح دومينيك راباتيه كيف أن الرواية الحديثة قدمت منذ البداية مساحة مفتوحة للأسئلة الناتجة عن الفردية وتراجع الأشكال التقليدية لنقل التجربة. لماذا نقرأ؟ ماذا تخبرنا الروايات عن «اللغز الملتهب لمعنى الحياة»، على حد تعبير فالتر بنيامين؟ هذا هو السؤال الوحيد الصحيح في الأدب. يؤكد دومينيك راباتيه أنه من الضروري «إعادة الرواية إلى قلب الجدل، وإعادة فضيلتها الجدلية»، لأن الرواية تقدم لنا إمكانية التفكير في الحياة في غموضها، فكرة لا تخلو من عواقب سياسية.
سأرتد إلى الوراء قليلاً، إنما حيث يكون نظري مثبتاً على محتوى ما أوردته آنفاً، وسؤالي الذي يهمني جهة ما يشغلني بحثياً: ما الذي يلزمني بالبحث عن حقيقة سؤال كهذا، وأنا هنا؟ أي حكمة تكلّفني تعباً وصداعاً وربما أكثر من ذلك، جرّاء هذا المفصح عنه، أو الانشغال به في صمت، أو من وراء مسافات طويلة، إن لم يكن في ذلك استنارة بالآخر؟
إننا لا نكتب إلا لأن هناك من نلمحه عن بعد، من نفترضه قارئاً لنا، وبالعكس، حيث الكتابة تضفي جمالية ذات تجذّر روحي، ما كان لها أن تحدث لولا هذا الارتحال عبر الكتابات والقراءات، أبعد من مجرد الفضول، أو تزجية الوقت، طالما أن المكتوب يتضمن حساً جمالياً، وما فيه من نكهة مستساغة، أو أن المقروء يدفع بقارئه إلى تأمل ما يتعدى حدود المرئي، ما يخص الآخر البعيد، ومحاورته، والشعور بحيوية الحوار عن بعد.
من هنا كان هذا الدأب، هذا الانكباب داخلاً وخارجاً، على تقاسم الفنون والآداب، لأن في ذلك تشاركاً وجودياً محتفىً به، أو لأن الوجود لا يتاح إلا عبْر هذه المزدوجات المتجاذبة.