لطالما كان يُنظَر إلى النص الروائي على أنه حصيلة مخاض متخيَّل الروائي. الرواية بوصفها إنتاجاً رمزياً، لُقاحاً مركَّباً بين واقع جرى تصوَّره، ومتخيل جرت تهيئته. لكن ما أن يبدأ النص الروائي بالتشكل حتى يبدأ الروائي بالتوسل إلى راويه، سارده هنا ليحسن أداءَ سرد. فنحن إزاء لعبة متقنة، لا تخفى ما في بنيتها: ثمة الأب، ثمة الأم، وانشغالهما بنصهما الأدبي، حيث تأخذ اللعبة في جدّيتها مساراً آخر. إذ النص المتشكل ليس طفلاً قاصراً تحت الوصاية، إنما الراشد الضليع في شئون لعبة انبناء النص، النص الذي يُراد له تعبيراً عن رغبة في أبدية ما. حسابياً يتراجع كاتب النص إلى الوراء، والأفضل له أن يعدِم نفسه، إن أريد للسرد الممثّل في المتكلم باسمه أن يضمن له تلك الأبدية المنشودة، أن يعدِم نفسه على يدي مجسّد سرد نصه، ليحيا به.
لا نص يحتفى به، إلا لحظة التقدير أنه ألغى كل وشيج قربى بكاتبه، أي حين يُقرأ النص كما لو أنه وليد اسمه، حيث ينفجر دلالات ومعان، بينما كاتبه في واقعه متكلم لغة واحدة، صوت واحد!
لنستعد هنا ما أفصح عنه رولان بارت بصدد موت المؤلف، المؤلف الذي يتكلم بصوت واحد، في لغة واحدة، والسارد الذي يتكلم بلغات لا تحصى. إنه الرهان الذي لا مفر من تقديم ولاء الطاعة له، حباً بالفن، بالرائع منه، والذي يتكفل بنقل المؤلف من المتناهي إلى اللامتناهي.
هذا الإجراء الذي يتم لا يُكتَب له النجاح، إلا إذا أنقذ الروائي نفسه من «براثن» الأنا، ليعيش حالة النيرفانا انطفاء في الآخر، والمتعدد، مدخلاً لحياة لا تفنى، أن يكون سارده الممثّل في شخص ما، ليس أي شخص عادي، اسم لا يُذكَّر إلا بذاته، وليس بأي نظير دنيوي له.
هذا يستدعي، كما هو متوقع، أو ينبغي توقعه، من بارت وموت مؤلفه وهو يشدد على ما يجب أن تتمتع به الكتابة: (.. الكتابة هي تدمير كل الأصوات، من جميع الأصول.. الكتابة هي هذه الحيادية، هذا المركب، هذا المنحرف حيث يهرب موضوعنا، الأسود والأبيض حيث تفقد كل الهوية، بدءًا من هوية الجسد الذي يكتب». وما يشدّ القول إلى قائله الفعلي بارت: (يولد الكاتب الحديث في نفس الوقت الذي وُلد فيه نصه). أليس في هذا الإجراء إشعارا بالأب الفعلي «الكاتب» الذي يموت، أو عليه أن يموت، أن يمحى أثره العضوي، ليفسح في المجال للذي شهد أوان تجلّيه نصه المكتوب، ولادته طفل إبداع، ممتلئاً بالحياة، بالأبدية المبتغاة، وسرعان ما ينقلب الأب الفريد من نوعه، واهباً ذلك الزمني بركتَه، أهليته لأن يقترن اسمه باسمه، ويمتد في زمنه المفتوح هو؟ أليس في «موت المؤلف» تجاذب هذا المفهوم: الأب الفعلي، والأب المجازي وكان ابناً، والصائر أباً لمصلحة النص المكتوب؟
ألم يقل الباحث الياباني تاشيكازو ناكاجي، منوّهاً إلى ما تقدم: (نحن نعلم الآن أن «المؤلف» لم يمت، على الرغم من تصريح رولان بارت المدوي في عام 1968، والذي جرى تمديده في العام التالي من خلال محاضرة ميشيل فوكو الشهيرة «ما هو المؤلف؟». وبافتراض أن العمل الأدبي يقدم هوية، لا يمكن تصور هذه الهوية إلا فيما يتعلق بآخر، سواء خارجي أو داخلي)؟
أليس في هذا الذي تقدّم دائراً في الفضاء الرحب للمؤلف، وتحت ظلال المؤلف يومىء إلى طيف المرجو، همسه، وللرواية السهم الأوفر في ذلك، لما لها من باع طويل، ومساحة تعاط ٍ مع الواقع، وقابلية حيازة مختلف فنون القول إليه، وقدرتها على التوالد المختلف والمتجدد؟
سردية الرواية كاتجاه، كمجرى، عكس مجرى الماء الانحداري، عكس النسَب الذي يعرَف به كلٌّ منا، حيث البدء بـ«من- إلى» أي من «الابن « إلى «الأب». صحيح أن الكاتب الروائي فاعل أب لمفعول به هو الابن المجازي، سوى أن ترجمة رغبته الفعلية والصائبة، وإذا أراد ذيوع صيت، تعني أن المفعول به يحل محل الفاعل هنا، وهو الإجراء الفريد من نوعه الذي يكون في مقدور الأب، المولّد الفعلي، التنازلَ عنه، لحظة شعوره أن هناك ما يؤمم له ما لا يستهان به، وملؤه غبطة، وجاهزيته الفعلية لذلك.
وفي هذا السياق العضوي- النفسي يتراوح الكاتب بين جرثومة النسب العضوي وهي لا تخفي أنانيتها، وجرثومة النسب النفسي التي يراد لها الجواز المطلق وسهولة العبور، لحساب نص، يكون حساب إبداعه برصيده جارياً باستمرار!
من لديه إرادة قتل أناه، في مخاض اللحظة المفصلية للإبداع، يقارب مناه. إنه شرطه الذاتي، صكه الموقع عليه دفعة واحدة.
تُرى، ماالذي يُستشفُّ من قولة سرفانتس في قرارة نفسه: دون كيشوت هو أنا، وإلا لما كان له هذا الحضور، هذا التأهيل لأن يكون عالمياً، متكلماً ما لا يحصى من لغاتها، رغم لغته الواحدة؟
ألم يقل فلوبير في نشوة هذه الولادة المعكوسة، والظفر بآخره»أناه – أناه» إثر ظهور روايته «مدام بوفاري»: مدام بوفاري هي أنا؟ كيف أمكنه بهذه السهولة أن يتخلى عن كونه ذكراً، وفي مجتمع يراعي أعراف الذكورة، ويقدّم طلباً لتغيير نسبه النوعي نفسه: أن يكون مدام بوفاري؟ وما في هذا الطلب/ العريضة الذاتية من مفارقة اشتهاء تغيير النوع، ليرقى بنوعه هو. الأنوثة وضعية تكاثر، انتثار لامحدود، وهي بصمة روح فلوبير التاريخية بذلك!
في السياق نفسه، أكان في مقدور كافكا أن يبدع روايته القصيرة ذات المدد الدلالي»المسخ» إن لم يعش المسخ غريغوري سامسا؟
بالمقابل، أكان في مقدور نيكوس كازانتزاكيس أن يبدع «زوربا»ـه إن لم يعش زورباويته؟ ويستشعر جذوة الأبدية، نارها؟
أولم يقل همنغواي في قرارة نفسه، هو الآخر إزاء الشخصية المقدامة في روايته «الشيخ والبحر»: سانتياغو هو أنا؟
تُرى، هل يمكن تصور حنا مينه، وهو يُذكَر مع روايته «الشراع والعاصفة» دون تسمية الطروسي الأشهر فيها رمزياً. ألم يردد في نفسه بدوره: الطروسي هو أنا؟
لعل سؤالاً يُطرح في ضوء ما أثير وهو: هل يعقَل أن كاتب النص، نص ما، والرواية كنص له اعتباره الأكثر تمثيلاً لما ننشغل به هنا، أو مؤلفه، يتخلى بسهولة عن اسمه، ويوقع على بياض لصالح بعضاً مما ذكر، جهة الشخصية الورقية وقد تأبدت بصورة ما؟ أو كاتب نص، لا على التعيين، حين يجاز له، عبر قراءات معينة، وأن يترجَم بلغات تترى، ويُثنى عليه، ويُقتدى به، نص يخلو من اسم شخصي، إنما تكون الفكرة محور نسيجها الدلالي، فيُستدعى هنا وهناك، ويشهَد له بفيض المعانى متعدى محلية كاتبه، إقليميته (مثلاً، عندما يكتب بورخيس عن الشعر، عن ألف ليلة وليلة، عن دون كيشوت…إلخ )، حيث يغمر النص كاتبه، حيث لا يعود لكاتبه من أثر، وقد أودَعه خميرة لاتناهيه، ولا يعود له من أثر، لأن القارىء يُستغرَق به، وقد فاض على إطاره، ومحرَّراً من زمانه ومكانه؟
لعل في مسعى بارت ما يحرّر بارت الفرنسي من محل إقامته، من حيه، ومن مركزه الوظيفي، ومن مكتبه، وتاريخ تولده، قبل غيره، إيذاناً منه باسمه الفردي، وهو لا ينفصل عن الجماعي فيه، بأننا إذا ابتغينا لليوتوبيا مكاناً، إذا تفكرناها بمرونة، وبحسابات بسيطة، لن تعود يوتوبيا. لحظة التخلي عن السلطة الضيقة واللصيقة بغرور النفس، بالاعتداد الذاتي الأنوي نشأة، ليكون المنطلق إلى الآخر الذي هو أكبر من آخر، وبما لا يقاس، آخر غفل من الاسم، ولمصلحة أي كان إن اراد رحابة روح، اكتشافاً للألوهي نفسه في روحه، ولمن كانوا ومن هم حوله، ومن يقدِمون من الآتي، حيث يكون النص المكتوب شفيعه ومزكّيه لأن يكون في كل مكان واللامكان! الآخر المعترَف به دون تحفظ، لأنه مستودع السر، فيُنشَد ما بقيت الحياة!
لعلها فضيلة بارتية في وجه جلي من وجوه إعلان نعي موت المؤلف، والدعوة المتوخاة إلى حشر الكتاب جميعاً، للنظر فيما كتبوه ويكتبون، في سياق « لذة نصّ»، لذة الاسم اللاشخصي!
أهو اعتراف إن قلتُ هنا، وبلغة الجمع المتكلم، دون نسيان من أكون كاتباً مأخوذاً بالآتي، وفي نطاق الكتابة: إن كلاً منا وهو قبل مباشرة الكتابة يحلم بما يخرِجه عن دائرة حياته اليومية، أن يشار إليه من خلال نصه هذا أو ذاك، وهو الحلم الذي أراه منوطاً بنوعية اليقظة، وكيفية التطهير الروحي، ورؤية وجهه الداخلي في مرآة لا تُري وجهه إلا حين يختفي عن النظر، لسبب بسيط جداً، وهو أن نصه ذاك هو الماثل في المرآة الفريدة تلك، بديله اللامقدَّر بقيمة؟
أي حيث يصبح الأب الابنَ لأب ما كان له أن يسجَّل هكذا بمعلقة الأبدية دون فنائه الجليل!