ما يهم الحريري هو كيفية الإفادة من الفرصة الأخيرة المتمثّلة بالمبادرة الفرنسية لوقف الانهيار، مدركاً حجم التداعيات في بيئته الشعبية والسياسية والتي وصفها بأنها بمثابة “تجرّع السمّ”.
بيروت-“القدس العربي”:خلافاً للأجواء الضبابية التي أشاعتها كلمة رئيس الجمهورية ميشال عون قبيل تكليف الرئيس سعد الحريري والتي أظهرت أن طريق تأليف الحكومة سيكون وعراً نظراً للتباعد السياسي وللخلافات المستحكمة بين “تيار المستقبل” و”التيار الوطني الحر” اللذين كانا شريكين في التسوية الرئاسية قبل الطلاق غير الودّي، فإن المواقف التي عبّر عنها الطرفان بعد عملية التكليف أوحت أن الالغام الحكومية يمكن تجاوزها وفتح صفحة جديدة بالنظر لما آلت اليه أحوال البلد من انهيار.
وجاء إعلان الرئيس الحريري عن زيارته قصر بعبدا ليعزّز هذه الأجواء الإيجابية وليؤشّر إلى عدم الحاجة لوسيط بين بيت الوسط والقصر، مع تصميم لدى الحريري لتأليف الحكومة بالتعاون مع الرئيس عون واعتماد المرونة وعدم ترك أي مجال لمحاولات تعطيلية في ظل سعي لولادة سريعة للحكومة في مهلة 10 أيام.
وقد عبّر عضو “تكتل لبنان القوي” النائب سيمون ابي رميا لـ “القدس العربي” عن إيجابية اللقاء بين الحريري والتكتّل برئاسة باسيل وقال “كان الاجتماع في المضمون والشكل إيجابياً جداً، والجفاء الذي كان قائماً على الصعيد الشخصي تذلّل، وفي النهاية يتطلّع الجميع إلى مصلحة لبنان. والكلام الذي سمعناه من الرئيس الحريري كان إيجابياً ومنفتحاً جداً للنقاش ولخلاص لبنان، ومن جهتنا أبدينا كل إيجابية لأن المعركة ليست معركة تيارات وأحزاب بل هي معركة إنقاذ لبنان من الانهيار الذي نعيشه”.
وهل كانت هناك وساطات بين الطرفين؟ أعرب ابي رميا عن اعتقاده “أن الجميع واعون لدقة وخطورة المرحلة ولذلك لسنا بحاجة إلى وساطة. وفي ظل استحقاقات دستورية مثل هذه الاستشارات فإن من يتمتّع بمسؤولية وطنية يعرف أن عليه المشاركة فيها والتعاطي بإيجابية”.
وعن حديث الوزير باسيل عن معايير موحّدة في عملية التأليف وهل إذا سمّى الثنائي الشيعي وزراءه يجب أن يسري هذا الأمر على التيار يجيب “لا نريد إستباق الامور، كان حديثنا صريحاً مع الرئيس الحريري، والآن هو من سيؤلف الحكومة ومقاربته هي التي ستحدّد المسار الذي ستسلكله. وإذا كان يتعاطى بالمعايير التي تحدّثنا عنها، وأعتقد أن هذا توجّهه وهذا ما أبلغنا به، أعتقد أنه يكون يتعاطى مع الجميع بطريقة منفتحة وسيكون هذا الأمر لمصلحة لبنان ولا نكون أمام تعقيدات”.
وعن مطالبة التكتل بحكومة اختصاصيين من رئيسها إلى وزرائها يقول “الوزير باسيل شدّد على أن يكون الوزراء أصحاب اختصاص ولديهم القدرة على تنفيذ الإصلاحات ويكونوا مدعومين من القوى السياسية”.
ولماذا التحذير من العودة إلى زمن الوصاية السورية؟ يوضح ابي رميا “كان هناك تخوّف من تحالفات طبعت المرحلة السابقة وهذا ما كنا حذّرنا منه، إنما أعتقد أن هذه المرحلة يُفترض بأن يكون الجميع قد تخطّوها، ولذلك نعوّل على الرئيس المكلّف أن يُسقط هذه الهواجس”.
وعلى خط “تيار المستقبل” سألت “القدس العربي” النائب محمد الحجار عن نظرته إلى ترؤس النائب باسيل وفد التكتل وعدم تغيّبه عن الاجتماع فقال “الجو يتطلّب أن تتقرّب كل الأطراف من بعضها لأن البلد يتسحق أن نتجاوز كل الاشكالات الموجودة من أجل مصلحة الوطن. اليوم أمامنا فرصة المبادرة الفرنسية وفرصة سعد الحريري فلنرَ كيف نغتنم هذه الفرصة لنصل إلى حل”.
وعن إيحاء الرئيس عون بأن التأليف سيكون صعباً وتشكيكه بالقدرات الإصلاحية للرئيس المكلّف يجيب “لنتكلّم بالحاضر الرئيس الحريري هو مكلّف، وفهمنا أن اللقاء مع رئيس الجمهورية كان جيداً، والجو اليوم جيد”.
وكيف التعاطي مع مطالبة باسيل بحكومة تكنو سياسية يردّ الحجار “الرئيس الحريري قال ما لديه: حكومة اختصاصيين غير حزبيين، وهذه تتناسب مع شروط المجتمع الدولي. فإذا لم نؤلّف حكومة تحظى بثقة المجتمع الدولي لا نكون حقّقنا شيئاً ونكون كمن نضحك على أنفسنا ونستنسخ تجارب سابقة فاشلة. فلنعمل على تأليف حكومة مختلفة بالشكل وبالأداء من أجل إدارة البلد والقيام بالإصلاحات وإعادة إعمار بيروت”.
وفي حال إصرار الثنائي الشيعي على تسمية وزرائه هل ستتمسّك باقي الكتل بالمعاملة بالمثل يوضح “تأليف الحكومة بحسب الدستور هو من صلاحية رئيسها بالتعاون والاتفاق مع رئيس الجمهورية وهذا ما سيحدث”.
إذاً أجواء إيجابية تخيّم على مرحلة ما بعد التكليف، فهل سيُتاح للحريري أن يقدّم تشكيلة اختصاصيين خلافاً لما كان عليه الحال مع حكومتيه السابقتين عام 2016 وعام 2018؟ أم تبقى كل الأجواء التفاؤلية المسرّبة مجرّد سراب ويصطدم اللبنانيون بخيبات أمل جديدة؟
ويدعو البعض إلى عدم مقاربة مسألة عودة الحريري إلى السراي الحكومي إنطلاقاً من حجم الأصوات التي نالها لاظهار تراجع تمثيله من 108 أصوات في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2016 و111 في 24 ايار/مايو 2018 إلى 65 صوتاً في 22 تشرين الاول/أكتوبر 2020 لأن ما يأبه إليه الحريري أكثر هو كيفية الإفادة من الفرصة الأخيرة المتمثّلة بالمبادرة الفرنسية لوقف الانهيار ومنع سقوط لبنان في المجهول، مدركاً حجم التداعيات عليه في بيئته الشعبية والسياسية والتي وصفها بأنها بمثابة “تجرّع السمّ” مع دعوة أوساط مطلعة إلى ترقّب الموقف الحقيقي لحزب الله من التشكيلة الحكومية ومن نظرته إلى الخيارات الاقتصادية والمالية المطروحة في برنامج صندوق النقد الدولي ومن كيفية مقاربة البيان الوزاري للخيارات الاستراتيجية وترسيم الحدود البحرية وسلاح المقاومة، لأن العقدة الحقيقية قد تبرز لدى الحزب وليس لدى التيار.