بيروت- “القدس العربي”:
تستمر المشاورات حول التشكيلة الحكومية الموعودة وبدا أن التوجه هو لتأليف حكومة متوسطة من 18 أو 20 وزيرا بدلا من 14 كما كان يقترح الرئيس المكلف مصطفى أديب قبل اعتذاره، بحيث يحمل كل وزير حقيبة لا أكثر.
وإذا كان الرئيس المكلف سعد الحريري سارع بعد إنهاء استشاراته النيابية إلى لقاء إيجابي مع رئيس الجمهورية ميشال عون من أجل البحث في التشكيلة الحكومية ومحاولة الإسراع بصدور مراسيمها في غضون 10 أيام إذا لم تطرأ تعقيدات، فإن اللافت هو بيانات مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية الذي حرص على نفي الأجواء المنسوبة إلى مقربين من بعبدا والتي سبقت وأعقبت زيارة الحريري إلى القصر الجمهوري، ولم يتلقفها بيت الوسط بكثير من الارتياح لأنها أوحت وكأنها رسائل سياسية أو شروط استباقية للنجاح وللإسراع في أي تشكيلة حكومية.
فقد ركزت هذه التسريبات على أن الرئيس الحريري استفاد من تجربة الرئيس المكلف مصطفى أديب وخرج عن محظورات رؤساء الحكومات السابقين، وأنه بات مقتنعا بأن تسمي القوى السياسية وزراءها وبسقوط مبدأ المداورة، حتى أن التسريبات ذهبت حد القول إن حقيبة المال ستكون للشيعة من حصة “حركة أمل” وإن وزارة الصحة ستبقى لحزب الله وبالتالي ستبقى وزارة الطاقة مع التيار الوطني الحر بشرط ألا يكونوا حزبيين، على أن يكون هناك حوالي ستة وزراء سياسيين.
وإزاء ذلك، أوضح مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية أن “وسائل إعلام مرئية ومكتوبة ومسموعة تنشر من حين إلى آخر، معلومات عن مواضيع مختلفة تنسبها إلى مصادر قصر بعبدا أو مقربين من رئيس الجمهورية أو مصادر واسعة الاطلاع على موقف بعبدا، وغيرها من التوصيفات التي ترد في هذه الوسائل. حيال هذا الأمر، يؤكد مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية أن هذه المعلومات كاذبة ولا أساس لها من الصحة، ويدعو وسائل الإعلام إلى العودة إليه في كل ما يخص مواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من المواضيع المطروحة، لأنه الجهة الوحيدة المخولة نقل هذه المواقف وتعميمها، بالتعاون مع وسائل الإعلام كافة”.
تزامنا، برز موقف للبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي خاطب فيه الرئيس الحريري بود خصوصا بعد امتناع أكبر كتلتين نيابيتين مسيحيتين عن تسميته. وقال الراعي في عظة الأحد: “إننا إذ نهنئ رئيس الحكومة المكلف السيد سعد الحريري، نشجعه ونرغب إليه أن ينطلق في تشكيل حكومته. فمعه الشعب المنتظر الفرج، والثورة الإيجابية العابرة للطوائف والأحزاب والمناطق، ومعه اللبنانيون المحبون للبنان، ومعه الكنيسة المؤتمنة على خير كل إنسان، ومعه منكوبو نصف العاصمة بيروت المدمرة من انفجار المرفأ، وأكثرية أهلها الساحقة من المسيحيين. فتخطى، أيها الرئيس المكلف، شروط الفئات السياسية وشروطهم المضادة، وتجنب مستنقع المصالح والمحاصصة وشهية السياسيين والطائفيين، فيما الشعب منهم براء”.
وأضاف: “من أجل بلوغ هذا الهدف نقول لك باحترام ومودة: التزم فقط بنود الدستور والميثاق، ومستلزمات الإنقاذ، وقاعدة التوازن في المداورة الشاملة وفي اختيار أصحاب الكفاية والأهلية والولاء للوطن، حيث تقترن المعرفة بالخبرة، والاختصاص بالاستقلالية السياسية. احذر الاتفاقيات الثنائية السرية والوعود، فإنها تحمل في طياتها بذور خلافات ونزاعات على حساب نجاح الحكومة: فلا خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيُعلَم ويُعلَن، لأن كل ما قلتموه في الظلمة سينادى به على السطوح على ما يقول السيد المسيح”.
وفي إشارة لافتة بعد الكلام عن تحالف رباعي إسلامي جديد يستثني المسيحيين قال البطريرك الماروني: “لا تضع وراء ظهرك المسيحيين، تذكر ما كان يردد المغفور له والدك: البلد لا يمشي من دون المسيحيين. هذا انتباه فطن وحكيم، فالمسيحيون لا يساومون على لبنان لأنه وطنهم الوحيد والأوحد، وضحوا كثيرا في سبيل إيجاده وطنا للجميع، وما زالوا يضحون.أنتم هذه المرة، خلافا لكل المرات السابقة، أمام تحد تاريخي وهو إعادة لبنان إلى دستوره نصا وروحا، وإلى ميثاقه، وإلى هويته الأساسية الطبيعية كدولة الحياد الناشط، أي الملتزمة ببناء سيادتها الداخلية الكاملة بجيشها وقواها العسكرية، والقائمة على سيادة القانون والعدالة، والممسكة وحدها بقرار الحرب والسلام، والمدافعة عن نفسها بوجه كل اعتداء خارجي بجيشها وقواها الذاتية، والفاصلة بين الحق والباطل. دولة حياد ناشط في تعزيز لقاء الثقافات والحضارات والأديان وحوارها، وفي الدفاع عن حقوق الإنسان والشعوب لا سيما العربية منها. ودولة حياد ناشط تنأى بنفسها عن الدخول في أحلاف وصراعات وحروب إقليمية ودولية. هذا الحياد الناشط هو المدخل الضامن إلى الوحدة الداخلية وإلى الاستقرار والنهوض الاقتصادي والمالي والإنمائي والاجتماعي”.
وختم: “تطلع يا دولة الرئيس، مع فخامة رئيس الجمهورية بعين واحدة: إلى بيروت المدمرة التي يجب إعادة إعمارها، وإلى نجاح مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، مصير النفط والغاز وتأمين مردوده إلى خزينة الدولة؛ وإلى مواكبة المبادرة الفرنسية والإشراف على المساعدات والهبات الآتية من الدول الخارجية. أما الآن وقد انتهت استشارات التأليف، والمطالب اتضحت، وحاجة البلاد معروفة، وحالة المنكوبين المأساوية ضاغطة، وشروط الإنقاذ الدولي صريحة، فلا يبقى سوى العجلة في تشكيل الحكومة. والعجلة هذه المرة من الله. فلا تخيبوا مرة أخرى آمال اللبنانيين والمجتمع الدولي. لست أعني بالعجلة التشكيل كيفما تيسر، وعلى قاعدة: من مشى مشى، ومن لم يمش يبقى خارجا. لبنان ذو نظام ديموقراطي يتفاهم فيه الجميع موالون ومعارضون من أجل الخير العام”.