بغداد ـ «القدس العربي»: جدد آلاف المتظاهرين والناشطين والداعمين للحراك الاحتجاجي في العراق، أمس الأحد، في تظاهرات حاشدة شملت العاصمة العراقية بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، إحياءً للذكرى السنوية الأولى لتظاهرات 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 التي خلّفت أكثر من 500 قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى.
شهود عيان قالوا لـ«القدس العربي» إن الاحتجاجات في العاصمة شملت ساحة التحرير ومنطقة العلاوي، قرب مكتب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، قبل أن تقرر قوات الأمن تفريق الأخيرة وتوحيد منطقة التظاهر عند ميدان التحرير.
ووفقاً للمصادر، فإن اشتباكات اندلعت بين مئات المحتجين المجتمعين في منطقة العلاوي؛ من جهة، وبين قوات الأمن؛ من جهة ثانية، وتراشقاً بالحجارة لدى إقدام الأخيرة بمحاولة تفريق المتظاهرين ودفعهم نحو ساحة التحرير.
على إثر الحادث، انتقل المحتجون إلى ميدان التحرير ـ مركز الحراك الاحتجاجي في العراق ـ لينظموا إلى بقية المحتجين هناك.
وقال مصدر طبي يعمل متطوعا في ساحة التحرير في بغداد، مفضلا عدم نشر اسمه، إن 33 متظاهرا أُصيبوا بجروح خلال مواجهات مع قوات الأمن وسط المدينة.
وأضاف أن معظم المصابين جروحهم طفيفة، جراء ضربهم بالهراوات من قبل قوات مكافحة الشغب، دون تفاصيل.
وذكر النقيب في شرطة بغداد، حاتم الجابري، أن 11 من قوات مكافحة الشغب بينهم ضابط، أُصيبوا جراء إلقاء مجهول قنبلة يدوية عليهم بجسر الجمهورية.
وأوضح الجابري، أن قوات الأمن تعمل على حصر التظاهرات في ساحة «التحرير» المخصصة لذلك، «إلا أن بعض المحتجين يحاولون اختراق صفوف قوات مكافحة الشغب للوصول إلى المنطقة الخضراء».
وحذر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، من خروج الثورة عن سلميتها وعلى الحكومة بسط الأمن.
وقال الصدر، في تغريدة له على حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعي تويتر»بدأ المندسون المدعومون من الخارج يخرجون الثورة عن سلميتها سيما بعد أن أعلن رئيس الوزراء عن عدم تسليح القوات الأمنية».
وأضاف أن على الحكومة العراقية بسط الأمن وردع الوقحين عن التخريب وزعزعت الأمن. وطالب، الحكومة العراقية «بفتح الطرق وارجاع هيبة الدولة والأ فإن هذا يدل على التواطو مع ذوي الأجندات الخارجية والأفكار المنحرفة».
«تعليمات صارمة»
ودعا المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى رسول، المتظاهرين إلى عدم التظاهر خارج ساحة التحرير، مشيراً إلى أن لدى الأجهزة الأمنية تعليمات «صارمة» باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من يحاول التجاوز على الممتلكات العامة والخاصة أو يعتدي على الأجهزة الأمنية والمتظاهرين.
وأضاف في بيان صحافي: «ندعو أبناءنا المتظاهرين إلى عدم التظاهر خارج ساحة التحرير ببغداد كونها مؤمنة بالكامل، كما ندعوهم إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية والإبلاغ عن أي حالة سلبية أو مشبوهة وعدم السماح لبعض مدعي الانتماء للمتظاهرين بالاعتداء على القوات الأمنية المتواجدة لحمايتهم فهم أبناء بلدهم».
وأشار أيضاً إلى أن «لدى الأجهزة الأمنية تعليمات صارمة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من يحاول التجاوز على الممتلكات العامة والخاصة أو يعتدي على الأجهزة الأمنية والمتظاهرين».
يأتي ذلك بعد ساعات من ترؤس الكاظمي اجتماعاً استثنائيا للمجلس الوزاري للأمن الوطني خصص لمناقشة حماية التظاهرات.
وقال مكتب الكاظمي في بيان صحافي، إن المجلس أكد «أحقية التظاهر السلمي وفقاً للحريات التي نص عليها الدستور، وأهمية حماية الممتلكات العامة والخاصة في الأماكن التي تجري فيها التظاهرات» مشددا «على توجيهات القائد العام للقوات المسلحة السابقة، بتأكيد مساحة عمل كل جهاز أمني، وواجبات كل صنف من صنوف القوات الأمنية».
وحثّ المجلس، وفقاً للبيان، على أهمية «تحلي قواتنا المسلحة أفراداً وتشكيلات، بروح الانضباط العالي والمهنية والاختصاص، تنفيذاً لواجبها المقدّس بتوفير الحماية للجميع ورفض أي اعتداء على القوات الأمنية» مشيرا الى «أهمية التزام المتظاهرين بالتظاهر السلمي والانضباط والتعاون مع القوات الأمنية، وهو ما سيمكّن صوت المتظاهرين من الوصول إلى مقصده، ويوفر لأبنائنا المتظاهرين أقصى الحماية والحرية في التعبير».
ودعا الكاظمي، المتظاهرين إلى «الحيطة والحذر» والحفاظ على سلمية التظاهر. جاء ذلك في كلمة له وجهها للشعب عشيّة انطلاق تظاهرات 25 أكتوبر.
الصدر حذر من خروج الثورة عن سلميتها ودعا الحكومة إلى بسط الأمن
وأضاف: «نستعيد ذكرى الخامس والعشرين من تشرين لنذكر أنفسنا بأن للشعب حقوقه. وظيفة الحاكم هي الاستماع لصوت شعبه».
وأضاف، أن «الحراك الاجتماعي العراقي قد وضع خريطة طريق أقر بها الجميع ونحن ماضون بها، وأن الحكومة تضع أمام نصب عينها أن تكون معبرة لإرادة الشعب» مبيناً أن «المنهاج الحكومي وضع حيز التنفيذ من اليوم الأول لعمر الحكومة».
وتابع، أن «هيبة المؤسسات الأمنية تمثل هيبة الدولة، وهدف الأجهزة الأمنية حماية الشعب وليس الاعتداء عليه، لا تكسروا هيبة القوة الأمنية واحترموا الرتبة العسكرية» موضحاً أن «مهام القوات الأمنية تحتم عليها حماية الممتلكات العامة والخاصة وضرب كل من يحاول كسر هيبة الدولة».
وزاد: «أصدرنا أوامر مشددة لحماية المتظاهرين، وندعو المتظاهرين للحفاظ على سلمية التظاهر، والحيطة والحذر من محاولات من أصابهم الخبث وانعدام الوطنية، وتنظيم صفوفهم حتى لا يقفوا مع من يريد بالعراق سوءاً».
وبالإضافة إلى النشيد الوطني العراقي، ردّد المتظاهرون شعارات تندد بالفساد وسيطرة الأحزاب على مقدرات البلد، فضلاً عن المطالبة بالكشف عن قتلة المتظاهرين ومصير الناشطين المختطفين.
وغصّت ساحة التحرير بالمحتجين الذين توافدوا من الشوارع الثلاثة الرئيسة المؤدية إلى الساحة، حاملين معهم صور قتلى التظاهرات، وصور أخرى لسياسيين عراقيين توسطتها علامة (×) وعبارة (مرفوض بأمر الشعب).
وتجمّع المحتجون عند حائط الصدّ الأول للمتظاهرين على جسر الجمهورية المقطوع منذ عامٍ مضى، والمؤدي إلى المنطقة الخضراء على الضفة الأخرى من نهر دجلة.
ومنذ ليلة أول أمس، قطعت قوات الأمن شارعي أبو نؤاس والرشيد، بالإضافة إلى جسور السنك والأحرار والشهداء ودينة الطب، المحاذية لجسر الجمهورية، فضلاً عن إغلاق عددٍ من الشوارع المجاورة لساحة التحرير، وأخرى على الجانب الآخر قرب مكتب الكاظمي ومداخل المنطقة الخضراء.
وركّز المتظاهرون على مطالب كشف قتلة زملائهم، فضلاً عن محاسبة الميليشيات المسلحة، وإنهاء سطوة الأحزاب السياسية والفاسدين على مقدّرات البلد.
ومضى عام على الاحتجاجات العراقية التي أثمرت عن إقالة الحكومة السابقة برئاسة عادل عبد المهدي، وتحديد موعد لإجراء انتخابات مبكّرة- في 6 حزيران/ يونيو المقبل، وأيضاً تشريع قانون انتخابات جديد.
ودعت المفوضية العليا لحقوق الانسان، الحكومة العراقية، الاستجابة لمطالب المتظاهرين، فيما طالبت المتظاهرين بالتزام بالسلمية والتعاون مع الأجهزة الأمنية.
وقالت المفوضية في بيان صحافي أمس، إن «في الذكرى السنوية الأولى لاحتجاجات تشرين، تؤكد المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، على كفالة حرية الرأي والتعبير وحق التظاهر السلمي، وتدعو كافة المتظاهرين للالتزام بالسلمية والتعاون مع القوات الامنية في حماية الممتلكات العامة والخاصة والابتعاد عن أية صدامات».
وشدد على «توفير الحماية اللازمة للمتظاهرين من قبل القوات الأمنية وتطبيق قواعد الاشتباك الآمن».
وتابع: «ندعو في الوقت نفسه الحكومة العراقية الى الاستجابة لمطالب المتظاهرين السلمية المشروعة والتي تساهم في إحداث التغيير الإيجابي وتعزيز بيئة حقوق الإنسان في العراق».
وسبق لوزارة الداخلية أن كشفت عن اتصالات وتفاهمات مع قادة الحراك والناشطين في التظاهرات، وان الجميع متفق على سلميتها.
وقال الناطق باسم وزارة الداخلية اللواء خالد المحنا، في تصريح للوكالة الرسمية، إن «ما يميز هذه التظاهرات هو وجود تفاهمات واتصالات مع قادة الحراك وقادة التظاهرات والناشطين، وأن هناك إجماعاً من كل هؤلاء على أن تكون التظاهرات سلمية وحضارية ومدنية».
وأضاف، أن «هناك مطالب جماهيرية وجدت طريقها للتحقق، والحكومة جادة وعازمة على إكمال مشوار الإصلاح، وقد لاقت إجراءاتها السابقة أصداء طيبة بين المحتجين» لافتاً إلى أن «هذه العوامل تعطي انطباعاً أن التظاهرات ستكون ذات طابع حضاري ومدني».
وأشار، إلى أن «وزير الداخلية عثمان الغانمي وخلال الفترة الماضية عقد سلسلة من الاجتماعات واللقاءات مع القادة الأمنيين في الوزارة والعمليات، وأكد من خلالها ضرورة توفير الخطط الأمنية الكفيلة بحماية المتظاهرين والمحتجين، وتوفير الأجواء المناسبة لهم» مشدداً على «حماية المنشآة وعدم السماح لبعض الذين يحاولون تحريف سير التظاهرات السلمية وإيذاء المواطنين، والتجاوز على الممتلكات العامة والخاصة».
ولفت إلى أن «هناك خططاً أمنية اتبعتها قيادة العمليات، البعض منها تضمن قطوعات الهدف منها حماية المتظاهرين».
وأحيا المتظاهرون في محافظات وسط وجنوب العراق، الذكرى السنوية لحراكهم الاحتجاجي.
وبالإضافة إلى كربلاء، انطلقت تظاهرات سلمية باتجاه ساحة الصدرين وسط محافظة النجف.
التظاهرة الأولى، انطلقت من جامعة الكوفة، فيما انطلقت الثانية من ساحة ثوره العشرين، وسط إغلاق القوات الأمنية جميع الطرق المؤدية إلى الساحة.
وانضمت محافظة واسط، إلى المحافظات المشاركة في الجولة الجديدة من الاحتجاجات، ناهيك عن محافظة الديوانية التي نظّم العشرات من الطلبة والشباب فيها تظاهرة في ساحة الساعة مقابل مبنى الحكومة المحلية لإحياء الذكرى الأولى لتظاهرات تشرين.
تغيير سياسي
وقال أحد المشاركين، حسب موقع «المربد» إن «هذه التظاهرات تهدف للتأكيد على تنفيذ مطالب المتظاهرين الشعبية المتعلقة بمحاسبة الفاسدين والتغيير السياسي والإصلاح».
وفي المثنى، نظمت مجاميع شبابية في مدينة السماوة- وسط المحافظة- مسيرة جابت شوارع السماوة وانتهت بساحة الاحتفالات القريبة من مباني الحكومة المحلية لإحياء الذكرى الأولى لتظاهرات تشرين.
ورفع المحتجون شعارات تدعو لتحقيق المطالب الشعبية ومحاسبة قتلة المتظاهرين ومكافحة الفساد.
في حين، شهدت محافظة ميسان مسيرات احتجاجية في عدد من مناطقها وشوارعها، حيث شهد شارع دجلة وسط مدينة العمارة حشوداً من المحتجين الذين رفعوا العلم العراقي ولافتات تحمل مطالب التظاهرات الأساسية.
كما احتضنت ساحة الحبوبي- مركز الحراك الاحتجاجي في ذي قار- فعاليات احتجاجية تضمنت مسيرات وهتافات حملت المطالب الأساسية لحراك تشرين.
وانطلقت في البصرة- أقصى جنوب العراق- مسيرة موحدة حملت مطالب الاحتجاجات الأساسية وصور الضحايا.
وتجددت التظاهرات في المدينة في مسيرة نظمتها حشود من المتظاهرين انطلقت من منطقة الجبيلة صوب ساحة اعتصام البحرية. وأظهر مقطع مصور رفع المحتجين لافتات وصور ضحايا الاحتجاجات، في أجواء من الهتافات الحماسية.
تمويل الأحزاب
في الأثناء، طالبت عدد من تنسيقيات طلبة الجامعة والإعداديات في البصرة بالكشف عن مصادر تمويل الأحزاب السياسية الحاكمة، وذلك خلال بيان تلوه في ساحة البحرية، تضمن خمس مطالب رئيسية أبرزها محاسبة قتلة المتظاهرين ومحاكمتهم.
وقال مصطفى محمد، أحد منسقي تظاهرات الطلبة، إن البيان تضمن أيضا محاسبة القادة الأمنيين الذين أصدروا أوامر بالاعتقال والقتل والقمع يحق المتظاهرين، وكذلك إضافة العراق إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأيضا الالتزام بالموعد المحدد لإجراء الانتخابات المبكرة المحدد في السادس من شهر حزيران/ يونيو في العام المقبل. وأضاف أن بيان الطلبة تضمن أيضا تفعيل قانون الأحزاب والكشف عن مصادر تمويلهم المالي.
كما أشار محمد إلى أن طلاب البصرة يهيبون بجميع المتظاهرين بالحفاظ على سلمية التظاهرات والمشاركة فيها لإثبات المطالب والعمل على تحقيقها.
وتابع إن اللجان التنظيمية لتظاهرات الطلبة ستستمر بتنظيم التظاهرات والفعاليات الاحتجاجية خلال الأيام المقبلة ولحين تحقيق المطالب.