تشغلنا جائزة نوبل كل عام بالأسماء التي تتوجها فائزة، سواء كانت الأسماء متوقعة الفوز، لها باعها في المجال الذي فازت به، أو غير متوقعة الفوز، فتكون لنوبل دورها في أن تبذخ عليها صيتا وشهرة، كإحدى النتائج الناجمة عن هذه الجائزة. فما معايير أرفع جائزة عالمية لتتويج هذا الاسم أو ذاك وصنع نجوميته؟ وهل تتحدد غاياتها في الإعلام والدعاية؟ أم هو الانجاز نفسه الذي تريد دعمه والمساهمة في الإضافة اليه وتحفيزه؟ وهل يحتاج ذوو الإنجاز والتميز جوائز تنتشلهم من الغمر والنسيان، مسلطة الأضواء عليهم، ما دام إنجازهم معروفا بالتميز ومشاعا للجميع؟ وكيف نفسر خلود إنجازات تحققت في أزمان غابرة، ولم تكن وراء خلودها جوائز سخية، بل كانت المسافات أصلا بين الأمم والحضارات كبيرة، إن لم نقل متقطعة؟
لا يمكن لأي جائزة مهما كانت معاييرها دقيقة وضوابطها صارمة أن تضمن لنفسها حاكمية تجعلها بديلة عن الزمان، وقانونه الطبيعي، الذي فيه تختمر التجارب على روية، وتنضج بهوادة، ومن ثم يفرز الجيد والأصيل عن الطارئ والمفتعل بشكل طبيعي ومنطقي.
وبمقدور الجوائز العريقة ومنها، جوائز نوبل اختصار هذه البانورامية الزمانية، إزاء عطاء شخصية معينة ما زالت في طور الاختبار، غير أن ذلك الاختصار الذي تحصل عليه الشخصية الفائزة يظل مؤقتا بالبهرجة الإعلامية الدعائية، بينما تحوز الشخصية التي اختبر الزمان عطاءها، الفوز الذي يترجمه خلود منجزها على مرّ الأزمان.
إن محاولة اختصار الزمان والحلول محله هو، ما يعطي للجائزة سيادة تتجلى في الأسماء المتوجة بالميداليات، والمتمتعة بالهبات التي تجذب أنظار كثيرين يتطلعون إلى نيلها، متفاوتين لا في إمكانياتهم في التنافس حسب؛ بل في أعراقهم وأجناسهم وانتماءاتهم وعلاقاتهم، التي لها تأثيرها وفاعليتها أيضا.
والسيادة مفهوم سياسي وصورة من صور الاستثناء، الذي يضاد مفهوم العبودية، التي عدها المفكر الكاميروني آشيل مبمبي سياسة من سياسات الموت، مما عرفته عصور التسلط الكلاسيكي وسمي (الحق في الاستعباد)، الذي به يتم إخضاع الحياة/الحضور لقوة الموت/الغياب. وأي جائزة في مجالها هي سيادة سياسية، غايتها الاعتراف لمن يفترض أنه استثناء. والفائز بالاعتراف ليس متفوقا في مجاله حسب؛ بل هو متفوق في جنسه وعرقه ولغته أيضا. ولكل جائزة أدبية سياستها في ممارسة سلطة الاستثناء على المجموع واستعباده، أي جعل منجزه ضربا من حياة عارية Bare Life بحسب جورجو أغامبين. من هنا نفهم فاعلية جائزة مهمة مثل نوبل لا بسبب عالميتها، وإنما سياستها التي تمنح السيادة والسلطة لمن هو استثناء. بمعنى أن من يتوج بالفوز هو استثناء سيسود كضرورة على المجموع، الذي عليه الاعتراف به. وإذا علمنا أن في الاعتراف الكبرياء التي هي القسم الثالث من أقسام الروح، فسندرك منزلة الاعتراف المركزية أيا كان الاعتراف بالإبداع أو بالآلهة، أو بالمقدسات، أو بالأمة، أو بالقضية العادلة. وهو ما يجعل الجوائز محركا من محركات التاريخ، ولأن كل فرد يحتاج أن يعترف به الآخرون تغدو حيازة الغرب لجوائز نوبل، دليلا على أنه هو الاستثناء الذي علينا الاعتراف به.
ولمركزية الاستثناء في جوائز نوبل أهميتها السياسية، بوصفها مصدرا من مصادر الفخر الأخرى، كالأيديولوجيات والمعتقدات الدينية والشهادات الجامعية، التي تجعل الشخص يشعر بأنه الأفضل والأكثر سعادة وتمييزا وتفوقا واحتراما للذات.
ونظرة عاجلة إلى الأسماء التي نالت جوائز نوبل في العقود الأخيرة سيظهر لنا أن الشخصية الأمريكية التي وصفها فوكوياما بالأندروجينية المتوسطة، والمغرورة واللينة العريكة، هي التي تشكل الغالبية في هذا الاستثناء. ولنحدد القول في واحدة من جوائز نوبل وهي جائزة نوبل للأدب التي منحت هذا العام للشاعرة الأمريكية لويز غليك (وهو الأصوب من غلوك الذي ترجم في أكثر من مكان). وتتجلى سياسة الاستثناء لا في الاعتراف للأنثوية بالسيادة، بوصف غليك امرأة أديبة، وإنما في الاعتراف للعرق الأبيض الأمريكي بالسيادة كاستثناء، بوصف الاستثناء سياسة وليس جنوسة.
ولمركزية الاستثناء في جوائز نوبل أهميتها السياسية، بوصفها مصدرا من مصادر الفخر الأخرى، كالأيديولوجيات والمعتقدات الدينية والشهادات الجامعية، التي تجعل الشخص يشعر بأنه الأفضل والأكثر سعادة وتمييزا وتفوقا واحتراما للذات.
وكالمعتاد؛ ما أن أُعلن فوز غليك حتى راحت الأقلام تمجد وتحمد، اعتمادا على التوصيف الذي حددته الجائزة لشاعريتها. وبسبب سيادة الاعتراف على المجموع، لم تبد تلك الأقلام عجبها، أو استغرابها من فوز هذه الشاعرة، التي قيل إنها نفسها تعجبت من الفوز وكان مفاجئا لها. وكيف تتعجب وتتفاجأ وهي التي حازت جوائز الأدب الأمريكي كلها في 1985 و1992 و2003 لتكون شاعرة الولايات المتحدة، محتلة المركز في السلطة الأدبية خلال الاعوام (2004 ـ2007) كخبيرة في أدب الشعراء الشباب. أهو تواضع دبلوماسي، كما اعتدنا على فعله من لدن بعض المشاهير؟ أم هو شك في نزاهة الجائزة؟ أم هو اعتراف حقيقي وموضوعي بعدم أهليتها لها؟
وشخصية كهذه يفترض ألا تكون مغمورة حين يعلن عن اسمها فائزة بنوبل. هذا إذا كانت الجوائز فعلا مصدرا من مصادر تقييم الأدب وخلوده.
ولأن غليك صارت استثناء شعريا، فلا بد للأقلام أن تتداول دواوينها بحسب التوصيف (البساطة) الذي به وصفت الجائزة شعر غليك مع أنها نفسها وسمت تجربتها بهذه السمة، مبتغية من الآخرين الاعتراف لها بالتفوق كقولها (من المتعارف عليه أن علامة الذكاء الشعري، أو الصنعة الشعرية هي الشغف باللغة.. يفترض أن الشاعر هو الشخص الذي لا يشبع من الكلمات المعقدة بيد أن تجربتي لم تكن كذلك).
وللشاعرة غليك أعمال تعدت الأحد عشر كتابا خلال خمسة عقود منذ عام 1968 ومنها «البيت في مارشلاند» 1975 و»الحديقة» 1976 و»وجه يدنو» 1980 و»انتصار أخيل» 1985 و»أفيرتو» 2006 وكتابها «براهين ونظريات… مقالات في الشعر» 1994 لكنها لا تعكس تطورا في تجربتها التي ظلت متواضعة بكثرة توظيف (القصيدة اليومية) في شكل متواليات قصيرة، مع قلة الإزاحة الشعرية والإجادة الفنية في توظيف التناص الأسطوري. وهو ما يفسر لنا سبب ترجمة مختارات لها بدل ترجمة عمل متكامل من أعمالها، تقول غليك في قصيدة سعادة:
رجل وامرأة على فراش أبيض
إنه الصباح أبكر وعما قليل سيصحوان
ثمة زنابق على نضد السرير
في مزهرية تغمرها الشمس
أراه ينقلب نحوها
كأنه بصمت سيلفظ اسمها
عميقا في فمها على حافة النافذة
كم أنت هادئ بينما العجلة المشتعلة تمر بسلاسة فوقنا
فالقصيدة هنا خاطرة يومية قصيرة وقريبة من السرد البسيط، سوى في السطر الأخير الذي فيه تحققت الإزاحة الشعرية. وهو ما نجده أيضا في كثير من قصائدها ومنها، قصيدة «بورتريه» التي تدور حول لحظة طفلة ترسم وأمها تراقب خطواتها، وتأتي الإزاحة في السطر الأخير (ها أنت ترسمين القلب في الفراغ الذي صنعته) وفي قصيدة «الحديقة» ثلاثة مقاطع وكل مقطع له عنوان (الخوف من الحب/ الحديقة/ الخوف من الولادة)، وتختتمها بإزاحة واحدة (بينما انحدر الآلهة متأبطي الأذرع واضعين أقنعة من الريش/ من الجبل الذي أنشأنا من أجلهم). وقصدية القصيدة اليومية تتضح في تكرار الشاعرة لفظة (يوميات) في قصائدها كقصيدة «الحلم» إذ تقول:
حين صحوت رحت أقرا دفاتر يومياتي القديمة
كنت أظن أنك تكره كتابة اليوميات
أقراها حين أكون تعيسة على أي حال
والقصيدة اليومية عند غليك بسيطة غنائية تقليدية يغلب فيها السرد على الشعر. وتتناوب فيها ألفاظ الطبيعة مثل (الحديقة والأزهار والقمر والرخام والجسد والأرض والليل والفرس والأشجار)، أما توظيف الأسطورة مثل أيروس وبعض من ملحمة الأوديسة، فلا نجد فيها ارتفاعا به تضيف غليك ترميزا عصريا أو واقعيا.. فمثلا في قصيدة «حزن تسيرس» تطغى اليومية وتغيب الدرامية التي ينبغي أن يحققها التناص الأسطوري فيها:
لم أرد مرافقتك إلى شيكاغو
أردت أن أتزوجك
أردت أن تتعذب زوجتك
أردت أن تكون حياتك مسرحية
كل الأدوار فيها حزينة أيفكر شخص على هذا النحو؟
استحق الثناء على شجاعتي
وبالطبع لا تعني البساطة في القصيدة اليومية أن ينسحب النص إلى السرد متمردا على الانزياح ومائلا إلى التقرير. ولو كان الشعر كذلك لما خصص أرسطو للشعر كتابا، لا يستطيع أي شاعر ادعاء التمرد عليه، أو تجاهله لتكون البويطيقا في الشعر هي المفارقة التي فيها القول بالنسبة للشاعر سهلا، لكنه ممتنع بالنسبة لأي متكلم ناطق آخر.
ولو علمنا أن حول شاعرية غليك اختلافا نقديا في الأدب الأمريكي؛ لعرفنا غائية الاعتراف بها صوتا استثنائيا رئيسيا، لا في الشعر الأمريكي المعاصر؛ بل في الشعر العالمي ككل.
ورغبة الشخصية الأمريكية في الاعتراف بها استثناء، لا تقتصر على ميدان الشعر؛ بل تظهر في ميادين الأدب والنقد الأخرى أيضا، تارة في عد القصة القصيرة ابتكارا أمريكيا وتارة ثانية في نظرية السرد المعرفي التي نادى بها المنظر الأمريكي ديفيد هيرمان، والتي يراد لها أن تكون مدرسة سردية أمريكية، تقابل نظريات السرد الفرنسية إلى غير ذلك من ميادين بها يراد أمركة العالم، إشباعا لعقدة التفوق، لأمة لا تملك تاريخا أدبيا كتاريخ آداب الأمم العريقة.
٭ كاتبة عراقية