بغداد ـ «القدس العربي»: بعد ليلتين داميتين شهدها المتظاهرون في ساحة التحرير وشارع الرشيد، وجسري الجمهورية والسنك، وسط العاصمة بغداد، خلّفت قتيلين وعشرات الجرحى، بدأت قوات الأمن يرافقها جُهدٌ خدمي حكومي، بإعادة فتح الطرق والمناطق والجسور المغلقة بسبب تجدد احتجاجات «25 أكتوبر/ تشرين الأول»، يرافقها رفع عددٍ من الناشطين والمتظاهرين خيامهم من الميدان والمناطق القريبة منه، وسط أنباءٍ عن توجه حكومي لافتتاح جسر الجمهورية المُغلق مُنذ عامٍ مضى وساحة التحرير أمام حركة المرور.
وأخبر نشطاء «القدس العربي» إن عدداً من الخيام تم رفعها من ساحة التحرير، خوفاً من قمّعٍ مرتقب يتزامن مع بوادر على إعادة فتح منطقة التظاهر أمام حركة المرور وفضّ الاعتصام.
ووفقاً لأحد الناشطين المرابطين في الساحة منذ أكثر من عام، فضّل عدم الكشف عن هويته، فإن «التخوّف الأكبر اليوم من اندساس مجاميع مسلحة تابعة لأحزابٍ نافذة تستهدف المتظاهرين السلميين وتحاول الاصطدام مع قوات الأمن، بهدف فضّ الاعتصامات».
الناشط الذي ينتمي لمجموعة من المتظاهرين تُطلق على نفسها «فرقة مكافحة الدخانيات» والتي تتولى مهمة إبعاد القنابل الدخانية التي تُطلقها قوات الأمن على المتظاهرين، عن منطقة التظاهر، روى تفاصيل، ليلتي 25/ 26 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، قائلاً: «تظاهراتنا كانت سلمية للتأكيد على مطالبنا، إضافة إلى تخليد شهداء أكتوبر- تشرين الأول والمطالبة بالقصاص من قتلتهم الذين لا يزالون طُلقاء».
وتابع: «عند ظهر يوم الـ26 من أكتوبر- تشرين الأول، حاولت مجاميع استهداف قوات الأمن عند جسر الجمهورية، المؤدي إلى المنطقة الخضراء، وحدثت صدامات بين الطرفين باستخدام الحجارة وقناني المولوتوف من جهة، وقنابل الدخان والصوت والرصاص من جهة ثانية».
ووفقاً للناشط، فإن أحد المتظاهرين عند حاجز الصد الأول مع قوات الأمن، أصيب برصاصٍ مطاطي وسقط من أعلى الجسر إلى النهر قتيلاً، فضلاً عن جرح العشرات.
ومضى قائلاً: «في اليوم ذاته، دخلت عجلة ثقيلة تابعة لقوات الأمن إلى شارع الجمهورية بعد إيعاز قائد عمليات بغداد فتح الطرق والجسور المغلقة، غير إن المتظاهرين منعوها من المرور، الأمر الذي أدى إلى هرب المنتسبين الذين كانوا برفقتها باتجاه حاجز القوات الأمنية عند جسر السنك، وسيطر المحتجون على الآلية».
وزاد: «بعد اتفاق المتظاهرين على تسليم الآلية إلى قوات الأمن، تم بالفعل تسليمها من دون أي اشتباكات أو صدامات، لكن عند حلول المساء، تفاجأنا بإطلاق قوات الأمن الرصاص باتجاه المتظاهرين في شارع الرشيد، مما أدى إلى مقتل أحد المتظاهرين وإصابة آخرين».
نيّة لفض الاعتصام
لكن الناشط المدني أشار إلى إنه لم يشاهد، حمّل القوات الأمنية المكلفة بحماية التظاهرات «أي أسلحة» ورغم تأكيده أن جهة الرصاص كانت من المنطقة التي تسيطر عليها تلك القوات، غير إنه لم يؤكد مشاهدته لأي منتسب أطلق الرصاص.
وتابع: «لدينا مخاوف من نيّة مبيتة للحكومة والأحزاب بفض الاعتصامات في ساحة التحرير وإعادة فتح المنطقة، لذلك اتفقنا نحن مجموعة من المتظاهرين السلميين على رفع خيامنا وترك المفارز الطبية فقط. رغم ذلك هناك خيام كثيرة منتشرة في الساحة ومُقترباتها».
يأتي ذلك بعد إعادة قوات الأمن فتح جسر السنك، ورفع الحواجز الكونكريتية المقامة عليه، بالإضافة إلى فتح شارع أبو نؤاس والرشيد، والمناطق المغلقة بسبب أحداث 25 أكتوبر/ تشرين الأول، فضلاً عن قيام كوادر أمانة بغداد بتنظيف منطقة ساحة التحرير وجسر الجمهورية.
في المقابل، سلطت الجهات الأمنية الحكومية الضوء على ما تعرضت له قواتها من «اعتداءات» لمن وصفتهم «جماعات محسوبة على المتظاهرين» وعرضها مجموعة من قناني المولوتوف، والأسلحة والسكاكين وأقنعة الوقاية وخوذ الرأس وغيرها كـ»مبارز جرمية» تم ضبطها خلال اليومين الماضيين.
وأكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء يحيى رسول على، وجود جماعات تحسب نفسها على المتظاهرين تهاجم القوات الأمنية، داعيا المواطنين إلى عدم الخروج من ساحات التظاهر.
جاء ذلك في مؤتمرٍ صحافيٍ مشترك، لكل رسول، ومدير دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية العراقية، اللواء سعد معن، والناطق باسم العمليات المشتركة اللواء تحسين الخفاجي، والمتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة العراقية، سيف البدر، والذي أنعقد، مساء أول أمس، في مقر قيادة الشرطة الاتحادية في ساحة النسور في بغداد.
مقتل محتجين اثنين بالرصاص الحي والمطاطي… وتوجيه حكومي بفتح الطرق والجسور
وخلال المؤتمر، أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، أن «القطعات الأمنية تؤدي واجبها بحماية المتظاهرين والممتلكات العامة والخاصة» كما كشف عن رمي «المئات من قنابل المولوتوف باتجاه القوات الأمنية» مطالباً المتظاهرين بـ«التعاون مع القوات الأمنية، الملتزمة بالحفاظ على أرواح المواطنين».
كما أعلن رسول «إصابة العشرات من القوات الأمنية بسبب رمي قنابل المولوتوف» كما كشف «عدم وجود أي سلاح ناري لدى القوات المكلفة بحماية المتظاهرين» منوهاً إلى أن «استهداف القوات الأمنية من قبل مجاميع رسالة سيئة للعالم» كما دعا المواطنين إلى «عدم الخروج من ساحات التظاهر».
مدير دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية العراقية، اللواء سعد معن، أشار إلى «القبض على 141 متهماً من المتجاوزين على القوات الأمنية، التي كانت منضبطة وتعاملت بحكمة مع المتظاهرين».
معن، حذر من الشائعات التي تهدف إلى «تعكير العلاقة بين القوات الأمنية والمتظاهرين،» وقال: «لمسنا تجاوباً كبيراً من الناشطين المتواجدين في ساحات التظاهر».
الناطق باسم العمليات المشتركة، تحسين الخفاجي، قال خلال المؤتمر، إن «القوات المسلحة تعمل وفق توجيهات القائد العام بحماية المنشآت الحيوية» معلناً «إصابة 46 من الفرقة الخاصة بينهم ضابطان» كما كشف «سرقة بعض المحال من قبل مندسين، وأن هناك 1500 زجاجة حارقة استخدمت ضد القوات الأمنية».
كذلك، أكد الناطق باسم وزارة الصحة، سيف البدر، على جاهزية الملاكات الصحية، وقال: «ملاكاتنا مستنفرة بتوفير المستلزمات الطبية ونقل الجرحى» مضيفاَ: «ستقبلنا أكثر من 200 جريح من القوات الأمنية، وأقل من 40 جريحاً من المدنيين».
وحسب إحصائية لمفوضية حقوق الإنسان، جرح نحو 15 من المتظاهرين وحوالي 32 من القوات الأمنية في الاشتباكات التي وقعت أمس الاثنين (26 تشرين الأول 2020) بين الطرفين، على إثر خروج المحتجين العراقيين لساحات الاحتجاج في الذكرى السنوية الأولى.
وانطلقت شرارة الاحتجاجات في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 التي بدأت بشكل عفوي تنتقد البطالة وضعف الخدمات العامة والفساد المستشري والطبقة السياسية، وحسب إحصائية مفوضية حقوق الإنسان، قتل نحو 700 متظاهر، وجرح أكثر من 10 آلاف آخرين، ما تزال التحقيقات مستمرة، حول استهداف المتظاهرين من قبل القوات الأمنية، إلا أنها لم تصل لأي نتيجة حتى الآن.
لا خروقات في البصرة
بوادر عودة الهدوء في ساحات الاحتجاج، وصلت إلى محافظة البصرة، أقصى جنوب العراق، إذ أعلنت قيادة عمليات البصرة، عودة الحياة إلى طبيعتها في المحافظة وفتح الطرق ورفع الحواجز، مشيرةً إلى أنها لم تسجل أي خرق أمني أو تعدٍ على البنى التحتية والأماكن الحيوية والأملاك العامة والخاصة خلال التظاهرات الأخيرة.
وقال قائد العمليات اللواء الركن أكرم صدام مدنف في بيان صحافي، «نثمن الدور الكبير للقوات الأمنية في أداء واجباتها الأمنية بكل مهنية لتأمين الحماية للمتظاهرين السلميين المطالبين بحقوقهم المشروعة».
وأضاف، أن «الهيئات التنسيقية كان لها دور كبير ورائع في تنظيم حركة المتظاهرين السلميين والتعاون مع القوات الأمنية والابتعاد عن الحالات الاستفزازية والسلبية مما عكس الصورة المشرفة والإيجابية للتظاهر والمتظاهرين».
وتابع، أن «قيادة العمليات لم تسجل أي خرق أمني أو تعدٍ على البنى التحتية والأماكن الحيوية والأملاك العامة والخاصة خلال التظاهرات الأخيرة التي شهدتها البصرة» مؤكداً: «عودة الحياة الطبيعية إلى المحافظة وفتح الطرق ورفع الحواجز وممارسة القوات الأمنية لواجباتها الاعتيادية». في الأثناء، أعلنت تنسيقية تظاهرات الديوانية عن البراءة من الأحداث التي شهدتها المحافظة من حرق الإطارات وقطع الطرق، فيما دعت الأجهزة الأمنية إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين بالأحداث.
قطع طرقات
وقالت التنسيقية في بيان صحافي: «نحن متظاهرو الديوانية قد بينا سابقاً ولأكثر من مرة أن تظاهراتنا سلمية وفق الدستور وبدعم المرجعية الرشيدة للمطالبة بحقوقنا المشروعة، وبعد الأحداث الأخيرة في المحافظة نعلن أن كل ما يحدث من حرق إطارات وقطع للطرق ونصب الخيام في الوقت الحالي بالساحة لا يمثل ثوار محافظة الديوانية، ونحمل الأجهزة الأمنية وقيادة شرطة الديوانية كافة المسؤولية واتخاذ كافة الاجراءات اللازمة».
وشهدت ساحات التظاهرات أعمال حرق الإطارات وقطع الطرق خلال الذكرى الأولى للتظاهرات.
توفير الحماية
إلى ذلك، زعيم ائتلاف «الوطنية» إياد علاوي، إلى توفير الحماية الكافية للمتظاهرين السلميين ومحاسبة المندسين المأجورين الذين يحاولون صرف مسيرة التظاهرات عن نهجها السلمي الذي عرفت به. وقال، في بيان صحافي إن «المتظاهرين السلميين أعلنوا ومنذ اليوم الأول التزامهم التام بالسلمية شعاراً ونهجاً، وهو ما يؤكد ضرورة المحاسبة القانونية لقتلة المتظاهرين، ومن يوفر الحماية لأولئك القتلة، ومحاكمتهم محاكمة علنية وتقديمهم للعدالة». وثمن، «الانضباط العالي الذي أبداه معظم عناصر القوات الأمنية» مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة «استئصال العناصر المندسة والمأجورة التي تريد تشويه صورة العراق والمتظاهرين السلميين وحرفها عن مسارها».