بغداد ـ «القدس العربي» ـ الأناضول: تواترت في الآونة الأخيرة، تصريحات سياسية حول التطبيع بين العراق وإسرائيل، بينها ما صدر عن مسؤول عراقي معروف بالقرب من الإدارة الأمريكية وإسرائيل، أشار فيه إلى «تطبيعٍ مُرتقب» لكنه ينتظر الوقت المناسب لإعلانه، بعد إتمام مناقشته الشهر الماضي خلال «الجولة الأوروبية» لرئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي.
ووفقاً لموقع «شفق نيوز» يقول زعيم حزب «الأمة» العراقية، السياسي العراقي المُثير للجدل، مثال الألوسي، إن «الوفد العراقي الرسمي، الذي أجرى مؤخراً جولة أوروبية، استمع وناقش قضية التطبيع بين العراق وإسرائيل».
وأضاف الألوسي الذي سبق أن زار تل أبيب، أن «هذا الأمر يحاط بسرية عالية، خصوصاً بعد كشف هذا الأمر قبل حصوله من خلال وسائل الإعلام».
وتابع: «الوفد العراقي الرسمي، أوصل رسالة إلى العالم مفادها أننا نريد التطبيع بين بغداد وتل أبيب، لكن الوقت مبكر لهذا الأمر، خصوصاً مع وجود الأزمة المالية والأمنية والأزمة الانتخابية في العراق». وختم حديثه بالقول، إن «هذا التطبيع ربما يرى النور في القريب العاجل».
ورسميًا، لا يعترف العراق بوجود دولة إسرائيل، ولا يوجد أيّ نوع من العلاقات بين الدولتين سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.
ولا يشترك العراق في حدود برية مع إسرائيل، وهو بين نحو 30 دولة في العالم لا تزال ترفض الاعتراف بالدولة التي أقامها اليهود على أرض فلسطين.
وكانت إسرائيل ترى في العراق تهديدًا جديًا في عهد رئيسه الراحل صدام حسين (1979 ـ 2003) الذي كان يتبنى خطابا يدعو إلى إزالة إسرائيل، وهو الخطاب ذاته الذي تتبناه إيران والقوى العراقية الحليفة لها.
تقرير لوكالة «الاناضول» بين أنه رغم إسقاط نظام صدام عام 2003 وإيجاد نظام حكم محله يُعدّ حليفًا للولايات المتحدة، لا يزال العراق لا يعترف بوجود إسرائيل، ولم يُعلن عن انتهاء حالة العداء بينهما.
خطاب صريح
وتتبنى الكتل السياسية الشيعية العراقية الحليفة لإيران خطابًا «عدائيًا» صريحًا ضد إسرائيل، في إطار ما يُعرف باسم «محور المقاومة» أو «المقاومة الإسلامية».
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017 أصدر مجلس النواب العراقي تشريعًا يحظر بموجبه رفع العلم الإسرائيلي ويعاقب المخالفين بالسجن.
ولا تُخفي القيادات الإيرانية مخاوفها من أن تؤدي العلاقات بين الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية إلى تطبيع علاقات بغداد مع إسرائيل، استجابة لضغوط أمريكية مدفوعة بحاجة بغداد لواشنطن اقتصاديًا وعسكريًا.
وتُدير وسائل إعلام عراقية، مقربة أو مملوكة للكتل الشيعية، حملة واسعة منذ إعلان الإمارات وإسرائيل، في 13 أغسطس/ آب الماضي اتفاقهما على تطبيع العلاقات بينهما، وزادت حدتها بعد توقيع البحرين اتفاقية سلام مع إسرائيل، في واشنطن منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي.
وتهدف هذه الحملة إلى انتزاع تصريحات رسمية من الرئاسات الثلاث في العراق، الجمهورية ومجلسا الوزراء والنواب، تُدين التطبيع، لكنّ أيا منها لم يصدر عنه بيان رسمي حتى الآن، وهو ما يراه مراقبون قبولاضمنيًا بالتطبيع عندما تتوفر الأرضية المناسبة له.
وحتى الآن لم يصدر بيان من الحكومة العراقية يوضح موقفها من اتفاقيات التطبيع، وهو ما أثار قلقًا في إيران انعكس على أوساط القوى الحليفة لها في مجلس النواب العراقي.
وتحاول هذه القوى استجواب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بشأن ما إذا كان قد ناقش احتمال التطبيع مع إسرائيل، خلال زيارته للعاصمة البريطانية، في 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وكان وفد الحكومة العراقية برئاسة، مصطفى الكاظمي، قد أجرى جولة أوروبية الشهر الماضي، شملت كلا من فرنسا وألمانيا وبريطانيا.
وأبرمت إسرائيل اتفاقات لتطبيع الأوضاع مع كل من الإمارات والبحرين والسودان في الأسابيع القليلة الماضية. ويعتبر العراق تلك الاتفاقات «شأناً داخلياً» لتلك الدول.
وبعد إعلان التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، أعلن العراق، في 22 أغسطس/آب الماضي، على لسان وزير خارجيته فؤاد حسين، التزامه بمبادرة السلام العربية، التي صدرت عن قمّة بيروت عام 2002 عبر قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 قبل تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
لكنّ العراق امتنع في 9 سبتمبر/أيلول الماضي، عن التصويت في جامعة الدول العربية على مشروع قرار فلسطيني يدين التطبيع بين الإمارات وإسرائيل.
«مسألة سيادية»
وكان لافتًا تعليق رئيس الوزراء العراقي على اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، أن السلام بين أي دولة عربية وإسرائيل مسألة سيادية تقررها الدولة المعنية. وهو موقف ينسجم إلى حد ما مع الموقف السعودي على الأقل في الخطاب الإعلامي واتجاهات الرأي العام.
وتحاول وسائل إعلام إسرائيلية وحسابات مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي الترويج لتأثير الجالية العراقية اليهودية في إسرائيل وإمكانية الاستفادة منها في بناء علاقات بين البلدين تعود بالفائدة على العراق أولاً.
وفي 6 يناير/كانون الثاني 2019 أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانًا باللغة العربية كشفت فيه عن أن وفودًا عراقية غير رسمية زارت تل أبيب، وبينها شخصيات سُنيّة وشيعية مؤثرة.
محاولات لاستجواب الكاظمي حول حقيقة بحثه المسألة في لندن… وقلق إيراني
ووفق الوكالة يلقى الخطاب الإسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي قبولا نسبيًا في أوساط عراقية مناهضة لإيران ترى في السلام فرصة للتعاون مع دولة شرق أوسطية لها ريادة في الطب والعلوم والزراعة والتكنولوجيا، كما أن علاقة كهذه ستخفف من النفوذ الإيراني في العراق.
قد لا يكون العراق استثناءً من بين دول عربية بدأت تتجه بعيدًا عن التضامن والمواقف العربية المشتركة نحو المصالح الوطنية، وتبتعد عن تبني قضية فلسطين باعتبارها كانت تشكل إلى سنوات قريبة القضية المركزية الأولى للدول العربية. وحسب الوكالة تُشير بعض اتجاهات الرأي العام في العراق إلى تبني وجهات نظر جديدة، بعد التطبيع الإسرائيلي مع ثلاث دول عربية، وهي ضرورة إنهاء حالة العداء مع إسرائيل.
وتتبنى هذا الموقف كتل سياسية عربية، سُنيّة وكردية ونسبة مهمة من الكتل السياسية الشيعية غير المتحالفة مع إيران، مثل تيار الحكمة، بقيادة عمار الحكيم، القريب من توجهات الكاظمي.
ويُعتقد إن الاندفاع الخليجي نحو التطبيع مع إسرائيل من الممكن أن ينعكس على إقدام بغداد على تبني خطوة مماثلة لإدماج العراق بالكتلة الخليجية، بدعم ومساندة أمريكية على أمل إخراج البلاد من الأزمات المتراكمة التي لم تجد الحكومات بعد 2003 حلالها.
يمكن للولايات المتحدة ودول خليجية معنية بمواجهة النفوذ الإيراني وتحجيمه في المنطقة، إقناع قيادات عراقية بقبول التطبيع مع إسرائيل، لتشكل محورًا مناهضًا لإيران للتخلص من النفوذ الإيراني الذي يعد عاملاأساسيًا في أزمات العراق.
لكنّ ذلك يصطدم بواقع نفوذ القوى الحليفة لإيران، وهيمنتها على القرار السياسي والأمني والاقتصادي إلى حد ما.
ومع هذا، ثمّة وجهة نظر مغايرة تذهب إلى إمكانية التطبيع بين بغداد وتل أبيب، باستغلال حالة الضعف التي تمر بها إيران، سواء على صعيد العزلة السياسية أو تراجع قدراتها المالية على دعم القوى الحليفة لها؛ جراء العقوبات الأمريكية.
ويحتاج العراق إلى المزيد من الاستثمارات الأجنبية لسد العجز في الأموال اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية وإعادة إعمار المدن التي دمرتها الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية» وتعويض الانخفاض في أسعار النفط في السوق العالمية.
وقد تبدو هناك حاجة عراقية للتطبيع مع إسرائيل لحشد المزيد من الجهود الدولية، برعاية الولايات المتحدة، لمساعدة العراق في جوانب عدة، والتخلص من الأزمات التي يعاني منها، سواء الاقتصادية أو غيرها.
ويُعتقد أن الولايات المتحدة تضغط على العراق لتطبيع علاقاته مع إسرائيل مع تفهم كامل للاعتراضات الإيرانية ومواقف القوى الحليفة لطهران.
لكن لا يبدو أن حكومة الكاظمي، أو أي حكومة أخرى ستأتي بعدها، قادرة على اتخاذ قرار التطبيع قبل التخلص من التأثير الإيراني، المباشر أو غير المباشر، على القرار العراقي، أو توقيع إيران نفسها اتفاقية سلام مع إسرائيل.
في الأثناء، ألمح تقرير لصحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية، إلى إمكانية قيام تطبيع بين حكومة الكاظمي والكيان الصهيوني إذا كان هناك إصرار قوي من الطرفين على ذلك، واصفا حكومة الكاظمي أنها حكومة جديدة مؤيدة للديمقراطية.
وذكر التقرير المنشور أمس، أن الوقت قد حان لعقد ما يسمى بـ«اتفاق سلام» بين إسرائيل والعراق، سيتضمن دعما كاملا من الولايات المتحدة والدول الغربية، و«على الدول بما فيها العراق أن تحذو حذو الإمارات».
وأضاف «منذ الخمسينيات من القرن الماضي، رفضت أنظمة عراقية مختلفة الدولة العبرية وعملت ضدها مرات عديدة. ومع ذلك، على الرغم من هذه القضايا، فإن الوضع الحالي مختلف تمامًا، مع وجود حكومة عراقية جديدة مؤيدة للديمقراطية، حيث تتطلع الحكومة الجديدة بقيادة مصطفى الكاظمي إلى توسيع علاقاتها الدبلوماسية وتوسيع علاقاتها الاقتصادية والبنية التحتية والطاقة مع الدول الأخرى».
وتابع أن «الكاظمي التقى في آب /أغسطس الماضي برئيسي الأردن ومصر في عمان، وقد أراد الكاظمي توسيع علاقات العراق الاقتصادية مع جيرانه الإقليميين، وكان يعتقد أن هذه الدول قد تلعب يومًا ما دورًا حيويًا في المنطقة. بعد أسابيع قليلة من لقائهما، وقعت الإمارات صفقة مع إسرائيل، تبعتها مملكة البحرين».
وأوضح أن «على الرغم من أن المتحدثين باسم رئيس الوزراء العراقي أكدوا مؤخرًا أن القوانين العراقية لا تسمح بمثل هذه العلاقات مع الكيان الاسرائيلي، إلا أن، قد يتم الطعن في ذلك، إذا كان هناك إصرار قوي من الطرفين، فيما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية حسن كايبة، أن إسرائيل ترغب في بناء علاقة مع العراق ويتطلع إلى توقيع اتفاق سلام معه» حسب قوله.
«سفارة رقمية»
وبين أن الحكومة الاسرائيلية مهتمة بتطوير العلاقات الثقافية والدبلوماسية مع العراق وقد انشأت الخارجية عام 2018 صفحة على فيسبوك اعتبرتها صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» «بمثابة نوع من السفارة الرقمية في العراق». وقال المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية يوفال روتيم للصحيفة إن «الشبكات الاجتماعية تسمح لنا بالوصول إلى هذا الجمهور ولا تزال الصفحة نشطة ولديها حاليًا حوالي 300 ألف متابع». حسب زعمه. وأشار التقرير إلى أن «السفير العراقي في واشنطن فريد ياسين قال في تموز/ يوليو من عام 2019 إن هناك أسبابا موضوعية قد تؤدي إلى إقامة علاقات بين العراق وإسرائيل، بما في ذلك وجود جالية عراقية كبيرة في إسرائيل، لا تزال تعتز بثقافتها وتقاليدها». حسب قوله.
وحسب تقرير الصحيفة الإسرائيلية، «يجب على الحكومة العراقية الجديدة في بغداد أن تصعد وتحاول تطبيع العلاقات تدريجياً مع إسرائيل».