مدينة ترهونة الليبية موطن الفداء ودحر الغزاة وسلة الغرب الغذائية

روعة قاسم
حجم الخط
0

 

تونس-“القدس العربي”: ترهونة هي واحدة من أبرز المدن الليبية الغنية بالمعالم الأثرية والتاريخية، وهي قطب هام من أقطاب التصوف في ليبيا، وتزخر بالعديد من الزوايا ومقامات الأولياء الصالحين، لكن بالرغم من كل هذا الإرث الهام من الكنوز التاريخية والأهمية الروحية، إلا أن مدينة ترهونة ظلت مجهولة بالنسبة للمهتمين بالمواقع التاريخية وظلت بالنسبة لهم إحدى مداخيل النفط وأهميتها تقتصر فقط على المجال الاقتصادي البحت.

تقع في الشمال الغربي لليبيا ضمن إقليم طرابلس الذي يشكل مع إقليمي برقة وفزان ليبيا الموحدة التي تشكلت أواسط القرن الماضي. وتبعد ترهونة عن العاصمة طرابلس قرابة الـ95 كيلومترا ويعتبرها البعض إحدى ضواحي طرابلس بالرغم من استقلالها القبلي حيث تقطنها قبيلة ترهونة التي سميت المدينة على إسمها.

استوطن الأمازيغ اللوبيون والفينيقيون الذين أطلق عليهم الرومان ثم العرب تسمية “البربر” الأراضي التي توجد بها ترهونة اليوم، واستقروا بها منذ أقدم العصور. والتحق بهم العرب سواء مع الفتح الإسلامي أو مع غزوات قبائل بني هلال وبني سليم في العهد الفاطمي. وأصبحت ترهونة تتشكل من السكان الحضر وسط المدينة ومن الريفيين وأيضا البدو في ضواحيها الفلاحية.

ومن أهم القبائل التي تستوطنها، أولاد معرف وقبيلة الفرجان وأولاد أحمد وأولاد سيدي معمر، وكذلك مرغنة والعوامر والهماملة والنفاشة والبركات والرحايمية والعبانات والعواسة والحبشي والمساعيد والصوالحية. هذا بالإضافة إلى النعاعجة وأولاد ترهون واقديرات واجلاص وشفاترة ومزاوغة وأولاد أحمد  ومارغنة والسموعات وتنضوي أغلب هذه القبائل تحت لواء قبيلة ترهونة الكبرى بينما بعضها ينتمي إلى قبائل أخرى وافدة على المدينة.

اسسها الرومان

 

خضعت الأراضي التي تقع بها مدينة ترهونة اليوم في عصور ما قبل الميلاد إلى قرطاج شأنها شأن الغرب الليبي ثم إلى الرومان بعد سقوط قرطاج، ويبدو أن الرومان هم من أسسوا المدينة مثلما تدل آثارهم في المدينة التي عرفت خلال فترة حكمهم انبثاق حقبة ما بعد ميلاد المسيح. ومع سقوط روما ورث البيزنطيون في القسطنطينية مستعمرات روما في شمال أفريقيا ومنها ترهونة التي تضم إلى اليوم آثارا بيزنطية.

وقضى الفتح الإسلامي في القرن السادس الميلادي على ما تبقى من وجود للبيزنطيين وخضعت ترهونة إلى الأمويين ثم إلى العباسيين ضمن ولاية أفريقية التي كان واليها مستقرا بمدينة القيروان في تونس. وحين استقل الأغالبة في القيروان بحكم ولاية أفريقية خضعت لهم ترهونة مثلما خضعت لحكم الفاطميين من بعدهم سواء حين كانت عاصمة حكمهم بالمهدية والقيروان في تونس أو حين انتقلوا إلى القاهرة بمصر.

وحين دفع الفاطميون بقبائل بني هلال وبني سليم إلى غزو البلاد المغاربية وتهديد عرش الصنهاجيين الذين تمردوا عليهم وأعلنوا دولة مستقلة في القيروان، شهدت ترهونة قدوم أعداد هامة من الهلاليين استولوا على الأراضي الفلاحية الخصبة في محيطها وباتوا جزءا من تركيبتها السكانية. ولم تستقر الأوضاع في المدينة حتى تشكل دولة قوية للحفصيين ورثة الموحدين الذين اتخذوا من مدينة تونس عاصمة لهم بعد تخريب بني هلال للقيروان.

ومع قدوم العثمانيين ودحرهم للإسبان من شمال أفريقيا وإطاحتهم بدولة بني حفص في تونس، تشكلت إيالة طرابلس وأصبح الغرب الليبي مستقلا عن تونس وباتت ترهونة ضمن الإيالة الطرابلسية العثمانية الجديدة التي تعتبر العائلة القرمنلية من أهم حكامها. واستمر حكم العثمانيين إلى حين قدوم المحتلين الإيطاليين مع بدايات القرن العشرين وأنجبت ترهونة مناضلين انخرطوا في حركة التحرر الوطني لدحر الاستعمار الإيطالي وبناء كيان ليبي مستقل هو الجمهورية الطرابلسية.

ومن بين المشاهير من أبناء ترهونة ممن انخرطوا في النضال الوطني محمد عبد الرحمن سويدان الحاتمي، بطل معركة الشقيقة التي تكبد فيها الاستعمار الإيطالي هزيمة نكراء سنة 1915 اضطرته إلى مغادرة ترهونة والبقاء خارجها سبع سنوات. وقد تم تخليد هذه المعركة وشهدائها بنصب تذكاري في ساحة المدينة التي أعدم فيها محمد عبد الرحمن سويدان شنقا سنة 1923 من قبل الإيطاليين الذين تعاملوا بعنف ودموية مع كل نفس تحرري في ليبيا.

وأنجبت ترهونة أيضا المناضل المبروك المنتصر الذي قاد ما يسمى بمعارك شارع الشط وعين زاره وبئر ترفاس، والتي حصلت بين سنتي 1911 و 1912 وتكبد خلالها المستعمر الإيطالي خسائر فادحة قبل أن يحسم الأمر لصالحه بسبب الفارق في التسليح بين الطرفين.

ورغم هذه التضحيات فقد استقر الإيطاليون في ترهونة بجيوشهم ثم أرسلوا مستوطنيهم لافتكاك الأراضي الزراعية الخصبة من أبناء البلد، فأصبح الليبيون معهم عمالا في أرضهم تماما مثلما فعل الفرنسيون في تونس والجزائر والمغرب. وقد ساهم الاستثمار الإيطالي في الفلاحة في تخلي الكثير من أهالي ترهونة عن حياة البداوة القائمة على الترحال وعدم الاستقرار وانصرفوا إلى العمل في المجال الزراعي.

وخلال فترة تأسيس الجمهورية الطرابلسية قبيل انبلاج عقد عشرينات القرن العشرين، برز ابن ترهونة أحمد المريض كأحد أهم مؤسسي هذه الجمهورية والذي ترأس مجلس شوراها وهو ما جعل من ترهونة قطبا هاما في هذه الجمهورية الناشئة في ذلك الوقت. وبعد الانقسامات والانشقاقات التي حصلت في الجمهورية الطرابلسية كان أحمد المريض في طليعة الساعين إلى وحدة الصف وإنقاذ الجمهورية الوليدة.

قصور وفيلات

تتوفر ترهونة على عدد هام من المواقع الأثرية والمعالم الرائعة التي تعود إلى فترة ما قبل ميلاد المسيح، فبالإضافة إلى المنحوتات الجدارية على الصخور التي ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ، توجد قصور وفيلات رومانية على غرار قصور دوغة. وتجلب الانتباه في المباني الأثرية الرومانية أرضيات الفسيفساء والتي أبدع فيها الرومان وبرعوا في إنشائها على امتداد إمبراطوريتهم. كما توجد أيضا في ترهونة آثار كنيسة قديمة ترجع إلى العهد البيزنطي وكنيسة أخرى بمنطقة الخضراء ترجع لعهد الاستعمار الإيطالي.

وتعرف ترهونة، وعلى غرار مدن شمال أفريقيا، بانتشار التصوف في ربوعها وسيطرة بعض الطرق دون سواها وهو ما جعلها تزخر بالزوايا ومقامات الأولياء الصالحين على غرار مزار إبراهيم ومزار بريش وغيرهما. لكن هذه المقامات ونشاط التصوف بشكل عام تعرض للمضايقات في وقت ما، وفي أغلب أرجاء ليبياـ وذلك بعد سيطرة الجماعات التكفيرية على أجزاء هامة من البلد وملاحقتها لحملة هذا الفكر المسالم.

ورغم المعالم الأثرية العديدة في ترهونة إلا أنه لا يوجد نشاط سياحي يذكر بالمدينة التي بقيت كنوزها مجهولة لدى المهتمين بسياحة الآثار والمواقع التاريخية. ويعود السبب إلى السياسة التي دأبت عليها الحكومات الليبية المتعاقبة والمتمثلة في الاعتماد على مداخيل النفط دون سواه وإهمال باقي القطاعات ومنها قطاع السياحة. فلم يتم تشييد الفنادق والمطاعم والأماكن الترفيهية والمتاحف وغيرها مما يحتاجه النشاط السياحي.

صناعة النسيج

 

عرفت ترهونة بأنها منطقة فلاحية بالأساس بالنظر إلى خصوبة أراضيها التي غرس فيها الإنسان القديم الزيتون منذ العصر القرطاجي، وامتد الأمر إلى عصر الرومان الذين كثفوا من المعاصر لإنتاج زيت الزيتون حتى بات وجودها لافتا وهو ما أكدته الاكتشافات التي أثبتت وجود أعداد كبيرة من معاصر زيت الزيتون في ترهونة خلافا لغيرها من المدن الليبية.

كما عرفت ترهونة مثل محيطها المغاربي بالزراعات الكبرى مثل الحبوب التي يتم بذرها خريفا وحصدها صيفا وهو نشاط قديم في المنطقة يمتد إلى قرون ويرتبط بالظروف المناخية والتساقطات على مدار العام، هذا بالإضافة إلى تربية الماشية التي تعتبر نشاطا قديما أيضا قدم الإنسان على هذه الأرض. ويرتبط نشاط الرعي وتربية الماشية بنشاطين اقتصاديين آخرين هما تجارة الصوف من جهة وصناعة النسيج من جهة أخرى.

وساهم المستوطنون الإيطاليون الذين قدموا إلى ليبيا بعد سيطرة جيوش بلادهم على بلد عمر المختار في تنمية النشاط الفلاحي في ترهونة مستغلين أراضيها الخصبة ووفرة المياه، فزادوا من غراسة الزياتين وضاعفوا من المعاصر وغرسوا أيضا الأشجار المثمرة والكروم التي استغلوها لاحقا في إنتاج الخمور. وازدهرت الفلاحة خلال فترة تواجدهم ونقلوا عديد التقنيات التي استغلها لاحقا المزارعون الليبيون في نشاطهم الفلاحي مثلما استفادوا في عهود سابقة من الهجرات الأندلسية مثلما هو الشأن بالنسبة لدول الجوار المغاربية.

كما اشتهرت ترهونة بمصانع إنتاج الفخار الذي يتم استهلاكه محليا فقط رغم جودته وذلك بالنظر إلى غياب أي نشاط سياحي بإمكانه ترويج هذا المنتوج والتسويق له خارجيا على غرار ما هو حاصل مع فخار جربة ونابل في تونس. ويعتبر هذا النشاط قديما وتعاطاه اللوبيون أو الليبيون القدامى في العصور الغابرة وسبق وجود الحضارات الوافدة على غرار الفينيقيين والرومان والبيزنطيين وغيرهم.

وتوجد في ترهونة بعض الصناعات الهامة رغم أن ليبيا ليست بلدا صناعيا وتعتمد بقسط وافر على استيراد المنتوجات الصناعية من الخارج وخصوصا الصين وبلدان الاتحاد الأوروبي وتنفق العملة الصعبة من مداخيل البترول في ذلك. وتأتي الصناعات الغذائية في طليعة الأنشطة الصناعية في ترهونة وذلك باعتبار الصبغة الفلاحية للمدينة حيث يضطر سكانها لتركيز بعض الصناعات التحويلية لمنتوجهم الفلاحي.

كما تنتشر فيها صناعة النسيج خاصة مع توفر المواشي التي توفر الصوف بكميات هامة، ويذهب إنتاج هذه المصانع إلى السوق المحلية التي تضطر الدولة ماضيا وحاضرا للاستيراد لتلبية حاجياتها. وتعطل نشاط صناعة النسيج كثيرا بعد ثورة 17 شباط/فبراير 2011 وخصوصا خلال الحرب الأخيرة بين قوات حفتر والسراج والتي لعبت فيها ترهونة دورا حاسما.

مدينة منكوبة

يقول الباحث الليبي في علم الاجتماع عبد السلام الفرجاني وهو أصيل مدينة ترهونة الليبية لـ”القدس العربي” إن مدينته هي سلة غذاء الغرب الليبي بامتياز. وهي قادرة، حسب محدثنا، على أن تشع غذائيا على عموم ليبيا لو تمت العناية بنشاطها الاقتصادي الأصلي أي النشاط الفلاحي، خصوصا في مجال إنتاج زيت الزيتون الذي اشتهرت به المدينة عبر تاريخها.

ويضيف محدثنا قائلا: “إن معاصر الزيتون المنتشرة بكثافة قياسية في ترهونة منذ العهد الروماني تؤكد على أن الإنتاج كان وفيرا في ذلك العصر وربما يفوق ما يتم إنتاجه اليوم. أما من حيث الجودة فإن عديد المصادر تؤكد على أن الإمبراطور الروماني الليبي سيتيموس سيفيروس كان يحبذ زيت الزيتون المنتج في ترهونة وكان يشحن إليه إلى روما عبر البحر في أوعية من الفخار المحلي تؤجج من حنينه إلى الوطن وتخفف من غربته في قلب روما.

ومما يروى عن هذا الإمبراطور المنحدر من الغرب الليبي أن شقيقته حين زارته في روما تحدثت معه باللغة البونية، لغة قرطاج المدمرة من قبل الرومان وهي خليط من اللغتين الليبية والفينيقية الكنعانية وطغت على سكان أفريقيا وتشبه كثيرا اللهجات المحلية في شمال أفريقيا اليوم. واعتبر بعض أعيان روما أن صعود سبتيموس الأفريقي (نسبة إلى أفريكا الرومانية التي كانت تضم الغرب الليبي وتونس وشرق الجزائر) إلى العرش الإمبراطوري، وحديثه مع شقيقته بلغته الأصلية هو انتصار لقرطاج والأفارقة على روما خلافا للاعتقاد السائد من أن روما هي انتصرت على قرطاج والأفارقة اللوبيين.

ويعتبر الفرجاني أن هذا المخزون التاريخي والأثري لترهونة يؤهلها لتكون واحدة من أهم الوجهات السياحية في الغرب الليبي الغني جدا بالآثار والمعالم التاريخية الشاهدة على استقرار الحضارة في هذه الربوع. لكن السلطات ماضيا وحاضرا، وبحسب محثنا لا تعرف سوى إنتاج النفط وبيعه دون أن تهتم بتطوير البنى التحتية التي لا تخدم القطاع السياسي فحسب وإنما تطور حياة المواطن الليبي عموما. فهل يعقل أن لا تضم ترهونة فنادق متطورة وهي التي بإمكانها أن تأوي زوار طرابلس الراغبين في الإقامة وسط البساتين بعيدا عن ضوضاء المدن الكبرى؟

ويضيف الباحث الليبي قائلا: “لقد تدهور كل شيء في ترهونة في السنوات العشر الأخيرة وتضررت كل القطاعات الاقتصادية وتضررت البنية التحتية للمدينة. وزاد الطين بلة الاقتتال الأخير بين الشرق والغرب والذي اعتبرت فيه ترهونة مفتاح السيطرة على طرابلس وتسابق طرفا الصراع على السيطرة عليها فشهدنا عمليات اختطاف ومقابر جماعية ومقاتلين أجانب يرتعون بلا رقيب أو حسيب.

لقد تحولت ترهونة نتيجة هذه الحرب بين حفتر والسراج إلى مدينة منكوبة تدهورت فيها الخدمات والبنى التحتية وعاش أهلها كوابيس مرعبة طيلة هذه الحرب. لكن المدينة تحاول النهوض من جديد ويفكر سكانها بأمل في المستقبل شأنهم شأن عموم الليبيين الذين يعيشون أوضاعا متشابهة بقدر ما تبث فيهم اليأس والإحباط بقدر ما تدفعهم إلى العمل بعزم وجد للخروج من هذا المستنقع الذي وجدوا أنفسهم فيه بعد أن حلموا بالتغيير وبليبيا جديدة يعيش فيها المواطن بكرامة وتصان فيها الحقوق والحريات ولا يحتكر فيها السلطة فرد أو مجموعة أفراد”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية