لبنان: عون والحريري المأزومان مُجبران على التعايش القسري فماذا عن الرئيس الظِل بعد العقوبات؟

سعد الياس
حجم الخط
0

لا تزال العُقَد تطلّ برأسها من هنا وهناك، وآخرها ما رشح عن عقدة في تسمية الوزراء المسيحيين ومحاولة قضم حصة رئيس الجمهورية ميشال عون والتيار الوطني الحر.

بيروت-“القدس العربي”:ما أشبه اليوم بالأمس، ففي تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018 كان الرئيس سعد الحريري مكلّفاً بتشكيل حكومة، وكانت العُقَد هي نفسها تقريباً مع فارق أن الحكومة كانت موسّعة من 30 وزيراً وسياسية بإمتياز وأن حزب القوات اللبنانية كان في صلبها بعد انتخابات نيابية رفعت كتلته النيابية من 8 إلى 15 نائباً. أما اليوم فالحريري المكلّف يسعى لتشكيل حكومة اختصاصيين مصغّرة من 18 وزيراً غير حزبيين ولكن بنكهة سياسية.

وكما المشاورات حول التشكيلات السابقة، لم يختلف الحال مع التشكيلة الحالية على الرغم من إعلان القوات اللبنانية عدم رغبتها في المشاركة في الحكومة، من دون أن يؤدي مثل هذا الإعلان إلى حلحلة على صعيد التأليف، إذ لا تزال العُقَد تطلّ برأسها من هنا وهناك، وآخرها كيفية التعاطي مع الارتدادات الناجمة عن فرض عقوبات أمريكية على رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، بعد ما رشح عن عقدة في تسمية الوزراء المسيحيين ومحاولة قضم حصة رئيس الجمهورية ميشال عون والتيار الوطني الحر من خلال محاولة تمثيل الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي لا يمثّل المسيحيين أصلاً ولا الوجدان المسيحي ومن خلال اقتراح أسماء مسيحية لحصة الرئيس أو التيار، ما أدى إلى امتعاض رئيس الجمهورية ومن خلفه رئيس التيار النائب جبران باسيل، بعدما اتهمت أوساط التيار الحريري بأنه يحمل لائحة بأسماء مسيحية لحقائب يُفترض أن تكون من حصة الرئيس والتيار، خلافاً لما هو الواقع مع الثنائي الشيعي والحزب التقدمي الاشتراكي و”تيار المردة”.

وإذا كانت أجواء التفاؤل التي سُرّبت في نهاية الأسبوع الفائت انقلبت إلى جو ملبّد منتصف الأسبوع وتحديداً منذ هبّت رياح التغيير الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية وتقدّم أسهم المرشح الديمقراطي جو بايدن، فإن هذا المعطى الذي لطالما توقّف عنده المواكبون لعملية التأليف، معتقدين أن حزب الله يفضّل انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية ليبنى على الشيء مقتضاه، أثبت صحّته على الرغم من تعمّد حزب الله الاعتبار أن لا فرق جوهرياً بين الرئيس الجمهوري دونالد ترامب والمرشح الديمقراطي جو بايدن، وأن الفوارق بينهما تتصل بالتكتيك وليس بالاستراتيجية، متناسياً أن الرئيس الديمقراطي باراك أوباما هو الذي وقّع الاتفاق النووي الإيراني وأن الرئيس ترامب هو الذي أمر بقتل قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني وتشدّد في العقوبات على إيران وحزب الله.

 وهذا التصرّف من قبل حزب الله الذي لا يرغب في أن يبرز كمعرقل أو كمؤخّر للتشكيلة الحكومية سبق أن لجأ إليه قبل عامين بالتمام عندما افتعل عقدة توزير سنّة 8 آذار لتأخير تشكيل الحكومة ريثما تتضّح صورة ما سيجري في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، إذ قيل حينها إن الحزب يراهن على أن أوراق المملكة العربية السعودية ستضعف بما يؤدي إلى اختلال توازن القوى في الداخل اللبناني بما يمكّنه من فرض مشيئته في الحكومة.

وإلى حين حلحلة العُقَد المستجدة يبقى الجمود مخيّماً على موضوع تأليف الحكومة، والمفارقة أن الأزمة الراهنة بين الحريري وكل من عون وباسيل تأتي في ظل محاولات إنعاش للعلاقة بين الطرفين بعد سقوط التسوية الرئاسية منذ عام إثر ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر علماً أن العلاقة بين شركاء التسوية كانت مرّت بأفضل حالاتها قبل 3 سنوات إثر إعلان سعد الحريري استقالته من السعودية وافتراق الحريري عن رئيس حزب القوات سمير جعجع الذي رأى يومها “أن استقالة الرئيس الحريري هي خطوة صحيحة وفي الاتجاه الصحيح” مستغرباً “كيف أن الحريري لم يستقل قبل هذا التاريخ” الأمر الذي اعتبره بيت الوسط وكأنه تآمر من معراب عليه خلافاً لموقف رئيس الجمهورية الذي تريّث في قبول الاستقالة إلى حين عودة الحريري والاطلاع منه على ظروف استقالته ليبني على الشيء مقتضاه، قبل أن يعتبره محتجزاً ومحدود الحرية، وهو ما نظر إليه الحريري بإرتياح.

في كل الأحوال، فإن عون والحريري المأزومين مجبران على المساكنة والتعايش القسري على الرغم من المآخذ التي لدى الرئيس المكلّف والتي أعلن عنها لدى تقديم استقالته قبل عام حول اضطراره للتعامل مع الرئيس الظل ليحمي الاستقرار مع الرئيس الأصلي، فهل ينجح هذه المرة في إبعاد هذه الكأس عنه أم سيقبل تجرّع السمّ كما فعل مع الثنائي الشيعي عندما وافق ولمرة واحدة من إسناد حقيبة المال لحركة أمل، من أجل تسهيل ولادة الحكومة؟

وعلى خط الرئيس اللبناني الذي لم يخاطب اللبنانيين في الذكرى الرابعة لانتخابه في 31 تشرين الأول/اكتوبر لأن لا شيء لديه ليقوله لهم، هل سيقبل أن ينتهي ما تبقّى من عهده بالتعطيل وبلا إنجازات وهو الذي كان يعوّل على أن يتلازم انطلاق الثلث الأخير من عهده مع تشكيلة حكومية ولو برئاسة الحريري القادر بعلاقاته العربية والدولية على تشكيل رافعة للوضع الاقتصادي والمالي تفادياً من الذهاب إلى جهنّم الذي سبق لعون أن حذّر منه؟ وكيف تلقّف العهد الرسالة الأمريكية القوية بفرض عقوبات على صهره؟

يبقى أن المبادرة الفرنسية كانت فقدت زخمها في ظل إنشغال الرئيس إيمانويل ماكرون بمتابعة الأحداث داخل فرنسا وبلملمة الوضع بعد سوء فهم تصريحاته حول الإسلام، في وقت يشكّك البعض بقدرة هذه المبادرة وحدها وعلى أهميتها على معالجة التعقيدات اللبنانية وتعبيد الطريق أمام عملية إنقاذ الوضع المتدهور، وكان لافتاً الاتصال الذي أجراه الرئيس ماكرون بالرئيس عون ليل الجمعة حيث حثّه على الإسراع بتشكيل حكومة جديدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية