الموسم الثاني من الحجر المنزلي… ماذا نفعل الآن؟

حجم الخط
0

1
نسير، مرة أخرى، إلى حجر منزلي، إلى الانزواء في بيوتنا، مثل صراصير خائفة. كلما ظنننا أن الجائحة تراجعت، تزداد ضراوة. هناك من يتحدث عن «موجة ثانية» من كوفيد 19، بينما آخرون يروضون فزع الناس ويصرون على أن الأمر لا يعدو أكثر من تزايد عدد الإصابات. أي الفريقين نصدق؟ لا يزال البعض يؤمن بشدة، أن الحكاية كلها مؤامرة، لكن من يتآمر على من؟ بحكم أن الجميع متضرر! شاهدت قبل أيام تقارير مصورة عن تردي الوضع الصحي في أمريكا، بشكل لا يختلف عما يحصل في الجزائر، لأول مرة تساوى البلدان في شيء مشترك، تساوى الأمريكيون والجزائريون في الخوف.
2020 ليست سنة وباء ولا جائحة، بل سنة الخوف بامتياز، سنة تعلمنا فيه ألا نثق في أنفسنا أكثر من اللازم، الخوف وحده بإمكانه أن يعجل بهجران ما نحلم به. الخوف يعزز هورمونات الإيمان بنظرية المؤامرة. لقد عشنا الخوف كاملاً غير منقوص، هذا الخوف، سوف يستمر في عقولنا وفي جلدنا، سوف نورثه لمن سوف يأتون من بعدنا، سوف ننجب أطفالاً خائفين منذ صرختهم الأولى، أطفالا مشوهين، يحلمون فقط بما لا يستطيعون فعله، أكثر ميلاً للسوداوية مما نحن عليه الآن.

2
اضطرت المكتبات، في فرنسا، إلى غلق أبوابها، في الأيام الماضية، استجابة لقرار حكومي، عقب زيادة الإصابات بكورونا، وعادت حرب الإعلام ضد موقع «أمازون»، إنه وحش ـ في نظرهم ـ يهدد المكتبات بالإفلاس، محاولات التضييق عليه لم تتوقف، منذ سنوات، مع ذلك يواصل «أمازون» نشاطه في أريحية. أتخيل لو أن ذلك الموقع ينشط في الجزائر، كان سيكون مكسباً لنا، لا العكس. طالعت قبل أيام صرخات استجداء من طرف ناشرين جزائريين، لقد أوصلهم هذا الوضع الصحي إلى حالٍ لا يحسدون عليه. طوال هذا العام لم تصدر سوى كتب قليلة، تعد على أصابع اليدين. كما إن معرض الكتاب ألغي. هل كان يجب أن يُلغى؟ ألم يكن هناك حل آخر؟ بعد سنوات طويلة من الريع، من ضخ أموال طائلة في حسابات ناشرين محليين موسميين، تحت مسميات عدة: عاصمة ثقافة عربية، عاصمة ثقافة إسلامية، مهرجان افريقي، إلخ، يتضح أن دور النشر الطارئة، التي زحفت مثل الجراد وأكلت عشب دور النشر العريقة، لم تكن ـ يوماً ـ مؤسسات استثمارية، بل تخصصت فقط في طباعة الكتب، في هدر الحبر والورق، لم تهيئ نفسها للأزمات، لم تتوقع أن يحل يوم تتخلى فيه وزارة الثقافة عنها. كانت تلك دور النشر مثل رضيع لا يُفارق ثدي أمه. الكتب التي سبق وطبعت قبل الجائحة لم تُوزع، بحكم ضعف شبكة المكتبات، وبحكم أننا لا نملك نظيراً لموقع «أمازون»، لكن في ظل نظام مصرفي قديم، كما هو عليه الحال في الجزائر، لا يمكن أن نستبشر بأي طفرة في سوق الكتاب.
في هذا العام الذي نحتفي فيه بمئوية محمد ديب، تحولت الكتب إلى كماليات. أفكر أحياناً في تنظيم تظاهرة تُشبه (طواف فرنسا للدراجات)، ليس للتسابق، بل لتوزيع الكتب بالدراجات الهوائية، على القرى والمدن الداخلية، هل هي فكرة مقبولة؟

اضطرت المكتبات، في فرنسا، إلى غلق أبوابها، في الأيام الماضية، استجابة لقرار حكومي، عقب زيادة الإصابات بكورونا، وعادت حرب الإعلام ضد موقع «أمازون»، إنه وحش ـ في نظرهم ـ يهدد المكتبات بالإفلاس، محاولات التضييق عليه لم تتوقف، منذ سنوات، مع ذلك يواصل «أمازون» نشاطه في أريحية.

3
مرت أيام جنائزية.. رحل علي الكنز في منفاه. كان واحداً من أعمدة الجيل الألمع من السوسيولوجيين الجزائريين، رغم غيابه، منذ مطلع التسعينيات، بعد أن استهدفت الجماعات الأصولية رفاقه (مثل جيلالي اليابس وامحمد بوخبزة)، فقد ظلت كتاباته حاضرة دائماً في النقاشات. علي الكنز كان من ذلك اليسار النقدي، الذي لم يسلم لا من زيف السلطة ولا من عنف الإسلاميين، عاش في برزخ ومات في برزخ، يؤمن بالعقل لا بموازين القوة. تبعه المناضل لخضر بورقعة، هذا الرجل الذي قاد ـ فعلاً ـ «تصحيحاً ثورياً»، لم يرتض بصفة قائد ثوري، سنوات حرب التحرير، مع ما كان يمكن أن تغدق عليه من حسنات، بل ظل وفياً لشعبه، نادراً ما نراه في صور مع مسؤولين كبار، بل في الغالب يُجالس شباباً ومن هم من جيل أصغر منه. كان بورقعة وجهاً من وجوه الحراك الشعبي (2019)، تجاوز الثمانين لكنه فضّل الاصطفاف مع الشباب لا مع الشيوخ، وقبل ذلك لم يتوقف يوماً عن نقد مرحلة بوتفليقة. سُجن مثلما سُجن شباب الحراك، لكن لا شيء تغير من قناعاته، كانت جنازته احتفالاً بالحرية، بأن التحرير ليست مسألة سنوات، بل قضية عمر بأكمله، رحل بورقعة وبقيت وصيته: «الثورة حتى الرمق الأخير»، بمجرد أن وري التراب، بلغ نبأ وفاة «نا علجية»، والدة الفنان الأمازيغي المغتال معطوب الوناس (1956-1998). رغم أكثر من عشرين سنة على رحيله، لا يزال معطوب الوناس يُثير جدلاً، لا يزال عرضة لجميع أصناف التخوين من طرف أعدائه. الغريب في الأمر أن كل الذين يسيئون إليه، يستشهدون بتصريحات صحافية، مفصولة عن سياقها، للوناس، يتفادون الحديث عن صفته الأساسية كمغن. معطوب الوناس لم يكن يوماً رجل سياسة، بل رجل فن. خصوم الأمازيغية ينتهجون سبيلاً واحداً في الإساءة إليها، هو تجريدها من روحها الفنية، وحصرها في قضية سياسية. إن إغفالهم عن معطوب الوناس الفنان ليس سوى محاولة لتجريد الأمازيغية من أبعادها الإنسانية.
منذ الصيف الماضي، قللت تعاملي مع مواقع التواصل الاجتماعي، باتت تفوح منها أخبار الموت، كل يوم نفقد صديقاً أو واحداً من المعارف، المسنجر يعج برسائل التعازي أكثر من النكت السمجة التي داومنا عليها قبلاً.

4
عُدت إلى مُطالعة قصائد عبد الله بوخالفة. كان نسخة مقربة من آرتور رامبو، يكتب بجنون رامبو، عُثر عليه عام 1988 تحت عجلات قطار، ولم يتجاوز حينذاك الرابعة والعشرين من عمره. يحكي بعض من عرفوه أنه انقلب، في أيامه الأخيرة، إلى تدين مفرط، تخلى عن دراسة الفلسفة في جامعة قسنطينة، تبرأ من شعره الذي وصفه بالهذيان، واعتنق الدين بدون تبصر. هل كان بالإمكان إنقاذه؟ لم يكن الأمر مستحيلاً، لو أن طبيباً نفسياً عالجه! لكن لا يوجد طب نفسي بمعنى الكلمة في الجزائر. في جامعات مُحترمة، التدرج في أقسام علم النفس لا يختلف عن التدرج في أقسام الطب العضوي، بينما في الجزائر علم النفس متاح لمن شاء، لأصحاب المعدلات الدنيا في البكالوريا (الثانوية العامة)، لأن الناس يفضلون الرقاة، يؤمنون بالغيبيات، أكثر من إيمانهم بالعلم. الدين قتل عبد الله بوخالفة، وهو الذي جاهر بحقه وحق الشعراء في التشرد، ثم نسيناه كما لو أنه لم يعش يوماً.

5
ماذا يجب أن نفعل الآن؟ أن نستكين مرة أخرى إلى عزلة إجبارية! في الربيع الفارط كانت فكرة الحجر المنزلي مسلية، أن تقضي يومك في البيت، تعمل من البيت، وتتجنب زحمة الطرقات كل يوم، ثم بات الأمر مملاً، مثيراً للضجر، نحن نستملح العزلة إذا كان الآخرون من حولنا في هرج ومرج، أما إذا كانت عزلة جماعية، فالأمر يستحيل إلى ضغط نفسي. أشرع في رواية بوليسية يابانية، كثيراً ما استغربت هذا الخجل الياباني في الكتابة، خجل في توصيف العلاقات بين الجنسين، هل هو حقيقي أم مبتذل؟ تبدو بدايتها مشجعة لتقبل الحجر الاضطراري، تنتظرين مئتي صفحة لإتمامها، لكن يجب أن أحضر عناوين آخر، لسنا نعمل كم سيطول بقاؤنا في البيت.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية