السؤال العالق: سليم بركات ومصادر رواياته

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

لا بد أن قارئ روايات سليم بركات، يجد نفسه إزاء سؤال رئيس، حين يمعن النظر فيها، وهو: ما هي المصادر التي يعتمدها، قبل كتابة رواياته، وكيف يكون العمل عليها أثناء كتابتها؟

من المعروف جيداً، أن ليس من كاتب رواية، أي رواية كانت، إلا وفي الخلفية يقف تاريخ بحثيّ يشهد على ظهور هذه الرواية، ولو من خلال إشارات عابرة، أو علاقات اجتماعية لها صلة بالمكان والزمان، كونه يعيش في وسط اجتماعي، ومن خلاله يستمد عناصر روايته، حتى لو عبر الاستعانة بمتخيل صرف، فيكون رحالة أزمنة وأمكنة، وذلك المزج بينها. أما حين تقترب الرواية مما هو تاريخي، أو يكون للتاريخ “نصيب” في عمرانها، فيكون للمصادر ذات الصلة باع أطول، مهما تكتَّم الروائي على هذا الموضوع، ربما ليعطي بُعداً إثارياً أكثر لنصه الروائي.

لدى بركات شغف بما هو تاريخي، جهة المصادر التاريخية، وهي تشير إلى أمكنة، وأزمنة، إلى عوالم يختلط فيها السحر بالأسطورة، والخرافة، وتتنوع الأسماء التي يشتغل عليها بالمقابل، وفي هجنة يشتهر بها بركات، وتبعاً لتصور ثقافي هذه المرة، تصوّر مركَّب بقالب إبداعي هنا.

لا يصرّح بركات بمصادره، بالعكس، إنه يتكتم عليها، ويحتاج قارئه إلى جهود مضاعفة، لأسباب كثيرة، منها تنوع عوالم موضوعاته: كردية، عربية، مزيج بينهما، وما يظهر بعيداً عنهما كذلك، وفي روايات عديدة تشهد على هذا التنوع. لكن الأسلوب السردي الخاص به، ينبني على تلك الفلتات السحرية الطابع، فهو لا يشتغل تبعاً لهندسة المكان، تبعاً لقانون الجاذبية الأرضية، بمفهومها الفيزيائي، بالعكس، لقد أوجد جاذبية كتابية محرَّرة باسمه، في محاولة التخلص، ما أمكنه ذلك، من وطأة المكان (ربما الذي ينتمي إليه في الأصل، ككردي)، والزمان، بمختلف تداعياته الاجتماعية والسياسية، ليصبح أقدر على التنقل بين المسافات البعيدة، مسافاته التي تترجم جانباً حياً، وفذاً من قدرات متخيله، ونباهته الهائلة إلى اللغة العربية. وهو يبعث مفردات لها طابع قاموسي، يخرجها من متونها، ويهبها حضوراً حداثياً، كما لو أنها بنت لحظتها، حيث يشتغل على مفارقات الزمان والمكان، وكأنهما ملحقان به، وليس العكس. ذلك مكر الروائي!

بركات، وقبل الشروع، في إنارة فكرة المقال هذا، يتطلب كتابة مجلد بحثي، يتم فيه تقصّي تلك الجمهرة الضخمة لتعابيره، لكلماته بأزمنتها وأمكنتها، والمفردات الأكثر حضوراً لديه، مع تحديد مصادرها، وتلك الأسماء المتشابكة في نصوصه الروائية، ومعانيها، ليتيح ذلك للقارىء العادي، وناقده إمكان الدخول في حوار أكثر خصوبة.

هناك أسماء أمكنة وشخصيات لا يعرفها إلا من ينتمي إليها، وحتى في هذا الجانب، فهو يبتدع أسماء من فصّ خياله الشخصي، ومعرفة أسماء الأمكنة والأزمنة، إلى جانب أسماء الشخصيات، ضرورة روائية بغية التعرف على دلالاتها طبعاً. هناك أسماء أمكنة وشخصيات يصعب، وربما يستحيل، التعرف عليها بيسر، لما فيها من طابع ابتداعي، سحري، لعل بركات وحده من لديه “الخبر اليقين”، كما سنرى.

في روايته “فقهاء الظلام”، 1985، تتسلسل أسماء شخصياته، مثل الملا بيناف، برينا بنت عفدي، بيكاس، مجيدو، باران، مهمد…الخ. تتطلب هذه الأسماء تعريفاً بها: بيناف “دون اسم”، برينا “جرح”، عفدي “من عبده”، “مجيدو” من “مجيد، حيث التهجئة بالكردية”، باران “مطر”، سربست “حر، مستقل”، مهمد “من محمد، الاسم العربي المعروف”…الخ .

وثمة ما هو مكاني واجتماعي وسياسي، كما في “وصل جَهْور إلى (تربسبي)، القرية- الناحية. ويطلقون اسم (الناحية) على تجمعات أكبر من القرى، وأصغر من المدن، فيها حامية من العسكر عادة، بقيادة ملازم، لا تتعدى مهمتها أكل الدجاج…”. من الصعب معرفة المكان ووضعه الاجتماعي والسياسي، إلا من قِبل المطلع على أموره.

في روايته “السماء شاغرة فوق أورشليم”- ج2، 2012، ثمة أسماء أخرى، تتجاوب مع عوالم الرواية في منحاها التاريخي، هذه المرة، أسماء أشخاص مثل توران موشى شَير، عقاب الخانجي، بايور، ثيوس، زليخا، مينار،جورجي، ريتشارد الأول…الخ. ويظهر ما هو تاريخي مسروداً، كما في هذا المقطع” “نضجت الحملة الثالثة بفاكهتها على غصون الأعراق في أوروبا. ملك الألإرنس فيليب أوغست الثاني، وملك الإنغلاند ريتشارد الأول، وملك الجرمان فريدريك الأول بربروس، رتَّبوا السياق المحتمل لحرب بلا دنس، تلِدُ أورشليم الجديدة طاهرة من أنفاس آلآتها”. ذلك مقروء تاريخي، لكنه معالَج بصياغة أدبية، كما هو المبيَّن في بنية القول طبعاً.

في روايته “حوريّة الماء وبناتها”، 2013، نكون إزاء عالم “مائي” غريب، وليس بغريب في نصوص بركات، وما للماء وحوريته وبناتها من دلالات قائمة، حيث تختلف الأسماء، شخصيات وأمكنة، هذه المرة: كاليس، بارو، سيْمْيَال، ساكُوْن، ديْغَار، هِيْغُوْر، مدينة لِيْهُوْلْم…الخ.

أسماء هي الأخرى تتطلب متابعة “حفرية” ولغوية ودلالية لحقيقتها، وبركات، كما هو ملاحظ، ومستقرَأ، يدقق كثيراً في هذه الأسماء لحظة انتقائها، وينشغل بها، حتى وهو يشكّلها، لئلا يختلط أمر تفسير أي اسم على واعية قارئه، ولتقديره أن حركة ما، قد تغيّر في المفهوم طبعاً. لنأخذ هذا المقطع، وما له من معنى مستوطن في ذهن كاتبه: “وجِدت حروب الأشقّاء أولاً، يا هيز، ثم حروبي الشقيقات أولاً، ثم حروب الآباء والأمهات أولاً، ثم حروب الحلفاء أولاً، ثم حروب المَطهَر الأخير بين اللون والصوت أولاً”. تلك متوالية تاريخية، وذات طابع ديني بالمقابل، لكنها حصيلة قراءة تاريخ قبل كل شيء.

وفي روايته “سجناء جبل آيايانو الشرقي”، 2014، ثمة جغرافية متخيلة بكاملها، منضدة بعوالمها، ومتداخلة بأسماء الذين قيّض لهم أن يكونوا لاعبي أدوار لديه، وليس من قاموس يمكن الاهتداء إليه لمكاشفة معاني الأسماء: مدينة سارْسيدون، ماهَاهُوْن، بيتالْيا، دايْك، رُوثا، يارُوُزْا،سَادُوْك…الخ.

ثمة ما يوصَف به السجن: “سجن جبل آيايانو الشرقي منحوت في حجره، من الجهة الجنوبية الأكثر انحدارا. سجن ممتدٌّ باتساع من الغرب إلى الشرق طبقتين تدل عليه، من الخارج، نوافذه الضيقة، المتجاورة”. وصف عادي طبعاً، لكنه مشدود إلى الجبل، وما للجبل من ترميزات في الرواية هذه.

هكذا الحال في روايته “أقاليم الجن”، 2016، في أسماء مشتقة من خيال ابتداعي لبركات: إقليم زِيْنَافِيْري، صحراء مُوْهي، شاكْدْ، زِيْديْكا، رَاتُو، كُوْيَاسي، هِسْتار، وِيْلابو، آسْما..الخ. إنها بدورها تحمل طابعها السري: اللغوي، والجغرافي معها، وخلطات الألسنة في كل ذلك. وفي هذا المقطع ما يفصح عن مدى اطلاع بركات على ما هو جنّي: “يفهم الجن لغات الجن كلهم. يتلقفون اللغات مكتملة المعاني من هبوب الريح على أقاليمهم من الجهات كافة بنبْر في العزيف هو بلوغ المقاصد في الكلمات الغمغمة، والهمهمة، تعبيرها منجزاً مستوفى تتحصله ذاكرة الجني فتختزنه”. هذا التدقيق في الأسماء، والجهد المبذول في تشكيلها، يعبّر عن تلك المجاهدة في عملية التشكيل هذه، أكثر من كتابة الكلمة الواحدة نفسه، ودأبه في ذلك، وشغفه بعملية التلوين الغرائبية فيها.

وأخيراً هنا، في روايته “ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟”، 2019، نجد اختلافاً في أسماء الشخصيات والأمكنة، نظراً لحاجة الرواية إلى ذلك، وبركات وحده عالم بحقائقها المختلفة، ومن عايش أسماء كهذه وأمكنة تحتضنها بالمقابل، وهي في مستجداتها الاجتماعية والسياسية: راحيل، كيهات أوْسي، بوغوس، جانيك، بنيامين، سورين، حسن شكيب، جودي… كل اسم يتكلم لغته، وكل لغة تستدعي جارتها أونظيرتها، للمشاركة في بناء الرواية، وفي قامشلي بركات ذات يوم، حيث اختزنها، وها هو يطلقها كما تقتضي رؤيته الفنية لحدث مكاني- زماني: “فاتتْ أوسي الجنسية السورية، كآلاف الأكراد لم يستحصلوها مذ تجاهلهم التشريع في اعتراف الدولة ببشرها القاطنين أرضها: مطلع العقد السادس من القرن العشرين، حفر قانون التجنيس لنسل الكرد فراغاً في قدرهم عُلّقوا فوقها بخطاطيف الإنكار الحديدية. صُنّفوا أغراباً وافدين إلى أرض لم يغادروها قط”.

في هذا المقطع، يتجلى تاريخ سياسي معقّد بمداخله ومخارجه، ربما وحده المطلع عليه، في سوريا، يحيط به علماً، حتى في التمييز بين مفردة “الأكراد” كما هي مرسَلة في نصوص قائمة، و”الكرد” كمفردة ذات طابع قومي في واعية بركات، ولهذا ينبغي التمييز بين الحالتين طبعاً، كما هو لزوم التمييز بين المقروء فنياً، والداخل فيه تاريخياً.

إن هذا التنوع في عوالم رواياته، يستند إلى تنويع في القراءات التي تستجيب لذائقته الأدبية، قبل كل شيء، ولِما في نفسه من هوىً بما هو غرائبي بالمقابل، لا بد أنه نحتٌ في الزمان والمكان اللذين يلوّح بهما روائياً لزعزعة يقين المكان الذي ينتمي إليه أصلاً، والمكان الذي يشار إليه بالبنان، دون الاهتمام بما هو متكتم عليه. وهي لعبة بركاتية في الصميم، حيث يُعِدُّ لكل منها ما يلزم من “مواد” ومن تعابير، ومن تصورات، لا تخفي سياسة الكتابة، إنما ما يكونه هو نفسه وهو يقف على مسافة واحدة من رواياته، بصفته مبتدعها، والمعنيّ الأول والأخير بها.
أحسب أن قراءة متأنية، وموسّعة، لقائمة روايات بركات، وبدءاً  من سيرته “الجندب الحديدي” قبل أربعة عقود من الزمن، وانتهاء بـ”سيرة المعدن”، 2020، تكون عملاً هائل الأثر، وما في ذلك من مكاشفة متعدد المستويات لشخصية بركات الإبداعية، وخطوط التداخل بين ما هو مكاني وزماني على الأرض، وما هو ملعوب به فيهما، من تغريب وإسراء بجماليات المعاني وتفاعلاتها وهي التي تتناسل في كتابته فريدة اسمها بامتياز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية