اتفاق الحكومة التونسية مع معتصمي الكامور ينهي أزمة ويفتح الباب على أزمات

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: بعد أشهر من غلق المعتصمين في الكامور بولاية تطاوين في أقصى جنوب البلاد لمضخات البترول ومنع إنتاجه من الحقول النفطية الجنوبية، توصلت الحكومة التونسية إلى اتفاق مع المعتصمين وعادت الشركات العاملة التي تستغل تلك الحقول لاستئناف الإنتاج. وبقدر ما يشعر البعض بالانفراج من نهاية الأزمة التي أضرت كثيرا بالاقتصاد التونسي شأنها شأن أزمة تعطيل إنتاج الفوسفات، إلا أن البعض الآخر شعر بالأسى والحيرة باعتبار أن هيبة الدولة أصيبت في مقتل لأن إيقاف إنتاج الثروات الوطنية بالقوة هو جريمة نكراء يعاقب عليها القانون.

مبالغ طائلة

ولعل أهم ما جاء في هذا الاتفاق بين الحكومة وتنسيقية معتصمي الكامور التي تطالب بحقها في التنمية من الثروات الكبيرة التي تعج بها الجهة، ضخ 80 مليون دينار سنويا من الدولة إلى صندوق لتنمية ولاية تطاوين وانتداب 215 عاملا في الشركات البترولية من أبناء الولاية وبشكل فوري ورسمي قبل نهاية العام وانتداب 70 آخرين خلال العام المقبل. كما الموافقة على انتداب 1000 عامل آخرين من أبناء تطاوين في الشركات البيئية تمت قبل نهاية هذا العام مع تصنيف شركات البيئة ضمن الشركات التي تخضع لاشراف وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، واخضاعها بالتالي لزيادات القطاع العام في الرواتب والأجور.
ومن المطالب أيضا إنشاء خمس شركات وطنية يكون مقرها في الجهة، واحدة للجبس باعتبار توفر الولاية على كميات كبيرة من الجبس، وأخرى للإعاشة والإقامة، وأخرى للأشغال العامة والخدمات البترولية والطاقية، ورابعة لنقل الأشخاص والمعدات والمواد، وخامسة للفلاحة واستصلاحها وتطويرها وذلك قبل نهاية سنة 2021 مع تعهد الشركة الإيطالية-التونسية لاستغلال النفط بتكليف مكتب دراسات للإشراف على مراحل تركيز هذه الشركات. كما تمت الموافقة على صرف 18 مليون دينار ضمن برنامج المسؤولية المجتمعية للشركات البترولية ومنح 100 قرض لتمويل مشاريع بقيمة 2.2 مليون دينار مع منح مليون و 200 ألف دينار للجمعيات التنموية و2.6 مليون دينار لبلديات الجهة ومليون و200 ألف دينار لنادي اتحاد تطاوين الذي ينشط في الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم.

مستوى الفقر

وتبدو الدولة، في رأي البعض، قد تحملت ما فاق طاقتها استجابة لمطالب المعتصمين في هذا الظرف الاستثنائي والصعب الذي يمر به الاقتصاد التونسي والذي زاده صعوبة، إغلاق المعتصمين لمضخات البترول لفترة طويلة وهو ما كبد الاقتصاد خسائر فادحة. كما أن ولاية تطاوين وحسب التصنيف الأخير للفقر في تونس ليست الأفقر في البلاد، بل تتفوق عليها ولايات أخرى هامة على غرار القيروان التي تضم عاصمة البلاد لقرون طويلة وحاضرتها الإسلامية وعاصمة كامل بلاد المغرب العربي في العهد الإسلامي.

فالقيروان على سبيل المثال لم تلتفت إليها الدولة منذ الاستقلال ولا تبدو اليوم مختلفة في مشهدها العام عن القرن الأول للهجرة تاريخ تأسيسها على يد الفاتح عقبة بن نافع، إذ تبدو وكأنه لم يبن فيها حجر واحد منذ أن غادر المعز لدين الله الفاطمي مركز حكمه في صبرة المنصورية بالقيروان لتأسيس القاهرة، وذلك رغم رمزيتها الدينية والروحية والحضارية واحتضانها لقبور الصحابة والأولياء والعلماء. فحتى المشاريع الخليجية ومنها المدينة الطبية التي سيتم تشييدها بتمويل قطري، لم يتم الشروع في تنفيذها رغم أن الدولة التونسية لم تساهم في نفقاتها ويعتقد أن لوبيات من جهات أخرى ترغب في تحويل وجهة هذا المشروع القطري الضخم إلى جهاتها.

النسج على المنوال

يشار إلى أن اتفاق الكامور قد فتح الباب على مصراعيه لتطالب كل جهة في البلاد بنصيب من الثروات المتواجدة فيها وقد بدأت التنسيقيات بالتشكل في أكثر من ولاية ومنها القيروان والكاف وباجة وغيرها. كما يبدو أن حقول النفط والغاز في أرخبيل جزر قرقنة سيتم تعطيلها من قبل بعض أهالي الجزيرة أسوة بما حصل في الكامور، وستتم المطالبة لاحقا بإنجاز المشاريع التنموية بهذا الأرخبيل المتوسطي الخلاب الذي أنجب لتونس فاعلين في كل الميادين وعلى رأسهم المناضل والزعيم النقابي فرحات حشاد مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل. ويقول المحلل الاقتصادي معز الجودي لـ “القدس العربي”: “لقد حذرنا مرارا من هذا الاتفاق ومن تداعياته والخطأ بدأ مع حكومة الشاهد التي أمضت اتفاقا مع مجموعة من الشباب ليست لديهم تمثيلية رسمية. فلا يمكن لمجموعة أشخاص أن يقوموا بتعطيل إنتاج حيوي في جهة ما ويعتدوا على الملك العام وعلى الأمن القومي تحت تعلة وستار مطالب حتى لو كانت مشروعة، ولكن لا يجب أن يحصل ذلك تحت التهديد والوعيد”. ويضيف محدثنا: “فلا يمكن للدولة أن تتفاوض مع مجموعة تهدد المؤسسات وتغلق مضخات البترول وتقوم الدولة تحت التهديد بالإمضاء على اتفاقية تنصّ على تعهدات لا تبدو أنها قادرة على تنفيذها. خاصة ان الإنتاج النفطي معطل مدة طويلة مهددا مصالح عديد الشركات وبلغت الخسارة أكثر من 800 مليون دينار أي ما يقدر بـ 300 مليون دولار في دولة لديها صعوبات اقتصادية كبيرة، فهذا انهيار للدولة ولهيبتها”.

وتوقع محدثنا ان تطالب ولايات أخرى بتوقيع نفس الاتفاقيات مشيرا إلى ان اتفاق الكامور أعطى رسالة خاطئة للشباب أهم فحواها هو ان الاعتداء على الملك العام والخاص يؤدي إلى نتائج فعلية.

ولعل السؤال الذي يطرح اليوم هل أن الدولة التونسية قادرة على الإستجابة لمطالب مختلف الجهات الي ستنتفض مطالبة بما نالته تطاوين؟ وهل بإمكان اقتصادها تحمل تعطيل إنتاج الثروات بجهات أخرى من البلاد وهي التي تكبدت خسائر فادحة من تعطل إنتاج النفط في الكامور والفوسفات في الحوض المنجمي؟ هل تسرعت الحكومة بالاستجابة لمطالب الكامور وكان من الأجدى أن تضع خطة وطنية لتنمية الجهات المحرومة عوض هذه المعاملة التمييزية لجهة على حساب أخرى؟ ألم تكن تصريحات رئيس الحكومة هشام المشيشي بأن اتفاق الكامور هو نموذج يمكن تطبيقه على جهات أخرى هروبا إلى الأمام وتبريرا للخطأ المرتكب أو لذر الرماد في العيون؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية