الناشط الحقوقي الليبي والأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا عبد المنعم الحر: الحقوق والحريات هي أول ضحايا الحروب وليبيا شهدت انتهاكات جسيمة جدا خلال النزاعات المسلحة  

حاورته: روعة قاسم
حجم الخط
1

أكد الناشط الحقوقي الليبي والباحث في تسوية النزاعات المسلحة الأفريقية والأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا د. عبد المنعم الحر لـ “القدس العربي” بأن ملتقى الحوار الليبي في تونس تعثر في ”الخطوات الأخيرة” أثناء النقاش حول الاختيار من بين المرشحين لإدارة المرحلة،  لكنه نجح من جانب واحد فقط أي لجهة المسار الدستوري والاتفاق على موعد الانتخابات ومعايير الترشح للسلطة التنفيذية الانتقالية وصلاحيات المجلس الرئاسي والحكومة. وحذّر الحر من أن هناك عواقب وخيمة من الممكن حصولها في حال فشلت لجنة الحوار السياسي الليبي برعاية بعثة الأمم المتحدة فشلا تاما. وقال إن المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا، تعمل جاهدة لرصد كل الانتهاكات وتوثيقها وإعلانها رغم كل ما يعانيه أفرادها من صعوبات ومخاطر في معاينة وكشف وحصر آثار الحرب والأضرار.

يشار إلى ان الحر هو أيضا خبير ومدرب بمجال حقوق الإنسان معتمد م  المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة والمفوضية السامية للاجئين بالأمم المتحدة والمنظمة العربية لحقوق الإنسان. وهو متحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد الدراسات العربية في القاهرة  وله مؤلفات بحثية وعلمية. وفي ما يأتي نص الحوار:

*كيف هو المشهد في ليبيا اليوم؟

**المشهد في ليبيا الآن يطغى عليه حالة من الترقب الحذر وعدم اليقين بالمستقبل بعد المنعرج الأخير في مسار ملتقى الحوار الليبي بتونس وتباطؤ وتيرة التفاهمات في لجنة 5+5.  إن عوامل الانقسام والفوضى والفساد المستفحل والنزاعات الدموية أدّت إلى انخفاض طموحات الشارع غير المهتم بالسياسة. تمّ إعطاء الأولوية الآن لتوفير الأمن والاستقرار والوقود والكهرباء والسيولة وفتح طرق التجارة والحركة الداخلية ووجود حكومة موحدة بجيش وشرطة تحمي المواطن وتفرض هيبة الدولة ونفاذ القانون.

*ولماذا تعثر حوار تونس رغم كل التحضيرات التي سبقته والجهود ورغم الدعم الدولي الواضح في رأيكم؟

**ملتقى الحوار الليبي في تونس نجح من جانب المسار الدستوري والاتفاق على موعد الانتخابات ومعايير الترشح للسلطة التنفيذية الانتقالية وصلاحيات المجلس الرئاسي والحكومة، ولكنه تعثر في ”الخطوات الأخيرة” أثناء النقاش حول الاختيار من بين المرشحين لإدارة المرحلة والتي ستمتد حتى 24 كانون الأول/ديسمبر 2021 موعد الانتخابات المتفق عليه.

نستطيع ربما رصد مجموعة من الأسباب المحتملة لهذا التعثر. لوحظ في الآونة الأخيرة زيارات ولقاءات مع عدة دول متدخلة في الشأن الليبي. ليست لدينا معلومات مؤكدة عن مضمون الإملاءات أو التشاورات التي تحصل خلف الستار ولكن نحن نرى الآن النتيجة. في الملتقى نفسه هناك مساومات فجّة بين أعضاء لجنة الحوار ومحاولة من البعض لفرض شخصيات معينة لا تحظى بالرضا المناسب حتى داخل قواعدها الشعبية المفترضة، وهناك أيضا شغب حول آلية الاختيار. يوجد انطباع له ما يؤيده بأن هناك نوايا خفية بإطالة أمد الحوار أو إعاقته إلى أجل ما إلى حين الحصول على مكاسب أو ضمانات لا نستطيع الجزم بمحتواها. حسب وجهة نظرنا الخاصة يجب أن يتمّ التركيز الآن على إجراءات بناء الثقة وإعطائها الأولوية التامة وتأجيل الحوار حول نقاط الخلاف الجوهرية واعتبار السلطة الانتقالية حكومة تصريف أعمال فقط، وإيجاد صيغة ضامنة لعدم تضرر الأطراف المعنية من أي اتفاقيات سياسية وأمنية أو قرارات داخلية أو تدخلات خارجية مشبوهة خلال المرحلة الانتقالية.

*ما تأثير ذلك على مستقبل التسوية وهل ما زالت بعيدة المنال؟

**مؤشر التفاؤل إزاء مستقبل التسوية يتأرجح حسب مستجدات الحوار وتصريحات رئيسة البعثة الأممية في ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز حول آخر نتائج الحوارات ضمن الملتقى الليبي في ضاحية قمرت بالعاصمة التونسية.

لقد تفاءلت نسبة كبيرة من الشارع الليبي جدا بعد إعلان النتائج الأولية للحوار. لكن ما حصل في الخطوات الأخيرة أنعش مؤشرات التشاؤم من جديد.

المشكلة لدينا في ليبيا الآن أن انسداد أفق التسوية يعني العودة إلى القتال والمزيد من الانقسام والمعاناة للمواطن وعودة الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان.

لم تعد الحرب في ليبيا تحظى بشعبية كبيرة، وحسم المعركة لأحد الأطراف ثبت أنه من شبه المستحيل إذا استمرت التدخلات الخارجية بالوتيرة والتعقيد السابقين. يعني هذا المزيد والمزيد من المآسي والخسائر الجسيمة في الأرواح والممتلكات. هذه الحقيقة قد تكون هي ما أجبر الطرفين على المضي في مسار التسوية السلمية كبديل عن الاحتراب والنزاع المسلح. من دون أن ننكر دور العامل الخارجي المهم هنا وهو طبيعة تدخلات الدول المؤثرة في المشهد الليبي.

*وما هي الاعتبارات التي تعطل طريق التسوية، وهل هناك نقائص في المباحثات والمفاوضات؟

**هناك عدة عوامل معيقة للحوار منها اختيار البعثة الأممية لبعض الشخصيات غير المناسبة في لجنة الحوار. أي أنها لا تحظى بالكفاءة وليس لها أي وزن يذكر على مستوى القواعد الشعبية. إنهم مجرد سماسرة ووسطاء لإيصال أشخاص معينين للسلطة مع قبض الثمن مسبقا.

كما أن هناك انعدام ثقة بين الأطراف بخصوص ضمان ما يتمّ الاتفاق عليه وبخصوص تعاونهم للعمل معا ضمن حكومة موحدة.

وهناك بعض الشخصيات والأطراف التي ليس من مصلحتها نجاح هذا الملتقى لأنها ترى أنها ستكون إما ضحية له أو ”ستخرج من المولد بلا حمص” – حسب المثل الليبي الدارج- ويبدو أن البعض ممن يسمون أنفسهم مستقلين هم في الحقيقة غير مستقلين، بل يمثلون هذا الطرف أو ذاك وهو ما يعقد الحوار ويضفي عليه المزيد من الغبش وعدم اليقين.

لا يجب علينا بهذا الخصوص أن نعفي رئيسة البعثة الأممية ستيفاني وليامز من المسؤولية خاصة إذا علمنا بأن لجنة الحوار تتكون من 75 شخصا. منهم فقط 26 شخصا اختارهم مجلس النواب ومجلس الدولة مناصفة، بينما اختارت البعثة 49 شخصا!.

*كناشط حقوقي ولكم مسيرة حافلة في النضال في ليبيا من أجل الحقوق والحريات، كيف ترى تأثير الحرب المستعرة اليوم على واقع الحقوق والحريات في ليبيا؟

**الحقوق والحريات هي أول ضحايا الحروب. وليبيا شهدت انتهاكات جسيمة جدا خلال النزاعات المسلحة على وجه الخصوص. وباستثناء الاغتصاب لم توفر الحروب في ليبيا أية جريمة أخرى من استهداف المدنيين في أرواحهم وبيوتهم إلى تعذيب الأسرى وقتلهم، إلى نهب البيوت والممتلكات وحرقها إلى قطع الطرق وتهجير السكان..إلخ

ونحن في المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا، نعمل جاهدين لرصد كل الانتهاكات وتوثيقها وإعلانها رغم كل ما نعانيه من صعوبات ومخاطر في معاينة وكشف وحصر آثار الحرب والأضرار التي تتعلق بفقدان الحياة أو المأوى أو الممتلكات أو حصول أذى جسدي أو نفسي يلحق بالمدنيين المسالمين سيما الشيوخ منهم والنساء والأطفال. فتلك المهمات تتطلب تعاونا مع لجان تحقيق محايدة، وضمانات أمنية لتخفيض مستوى المخاطرة بأرواح أفرادنا للتواصل المباشر مع الضحايا وذويهم مع كل ما نتكبده في سبيل ذلك من مصاريف مالية كبيرة.

*للأسف هناك انتهاكات كبيرة وصلت إلى حد عودة ظاهرة الاغتيالات فكيف يجب التعامل مع هذه الظاهرة وهل هي مرتبطة أساسا بتسلط الميليشيات أو بغياب دولة القانون أو بظاهرة الافلات من العقاب في ليبيا؟

**أمامنا مهمة التمييز بين الاغتيالات ذات الطابع الجنائي والأخرى ذات الطابع السياسي. لوحظ بعد توقف الحرب والدخول في مرحلة التسويات الجديدة حدوث حالات عديدة مما يمكن الاشتباه فيه بأنه اغتيال سياسي.

قد تكون لهذه الاغتيالات دوافع سياسية من نوع ما تتعلق بها. ولكن لا شك في أن ما يساعد على ارتكابها هو تمكن الفاعلين من الإفلات من العقاب وغياب التحقيقات الجادة وضعف هيبة الدولة ومؤسساتها القانونية والأمنية. والخروج من كل تلك التحديات رهين بنزع السلاح العشوائي وتفكيك الميليشيات أو دمجها وتوحيد كل من مؤسستي الجيش والشرطة تحت شرعية واحدة وحكومة منتخبة شعبيا.

*تحولت ليبيا إلى حلبة للصراع على النفوذ بين عدة قوى ومحاور دولية، هل بات الحل اليوم خارجيا بالأساس ومرتبطا بصفقة بين هذه المحاور أم أن هناك مكانا اليوم  لتفعيل دور لإرادة الليبيين وتطبيقها؟

**مع كل التأثيرات الدولية في النزاع الليبي فالأمر ليس بهذه السهولة. الفرقاء في ليبيا هم فرقاء حقيقيون فصلت بينهم اختلافات أيديولوجية وجهوية وقبلية حقيقية.

العامل الخارجي هو فقط يلعب على هذه الاختلافات والتناقضات. إن تقوية طرف على طرف آخر إعلاميا أو ماليا أو عسكريا لن تحل المشكلة في ليبيا حتى لو تغلب طرف ما على الطرف الآخر مرحليا. فكل طرف يملك من القواعد الشعبية ما يكفي لقلب الأمور رأسا على عقب وإعادة الأمور إلى المربع الأول عاجلا أم آجلا.

الحل الوحيد المتاح من الخارج هو لعب دور الوسيط والمساعي الحميدة بين المتنازعين عبر مرحلتين: الأولى يتم فيها تأجيل الخلافات الجوهرية وتشكيل حكومة تصريف أعمال موحدة، المرحلة الثانية توحيد المؤسسات السيادية وعلى رأسها الجيش والشرطة للدخول في مسار دمج الميليشيات والاتفاق على دستور دائم وانتخابات ديمقراطية دورية وفتح ملف العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية على أن يترافق كل ذلك بضمانات دولية وعقوبات يتبناها مجلس الأمن لكل من يعرقل مشروع الحوار والبناء ويخالف ما يتم الاتفاق عليه.

*ما تصوركم لمستقبل الدولة الليبية، وهل يمكن إعادة بناء مؤسساتها والانطلاق مجددا نحو صفحة جديدة أم أن الحرب ستطول؟

**مستقبل الدولة الليبية في المدى المنظور هو رهن الحوار الذي تدور أحداثه في أروقة فنادق قمرت أو التي ستتواصل لاحقا. فلو تداعى الحوار الحالي حالة الانهيار التام فسيعني ذلك حربا يتوقع أن تكون أفدح وأوسع من سابقتها.

إن أقل التوقعات تشاؤما قد تشير إلى حالة من الجمود والانقسام والشلل شبه التام لمرافق الدولة الخدمية.

المشكلة هي أن الصراع الشخصي على المكاسب والمناصب الانتقالية قد يطغى على الإرادة الشعبية التي تميل الآن إلى السلم والاستقرار الأمني والاقتصادي. وحينها سيكون من المتوقع أن يتم تجييش تلك القواعد الشعبية وتحويلها مجددا إلى داعم ومؤيد للخيار العسكري، خاصة إذا أحست تلك القواعد بأنه قد تم فعليا تهديدها في أمنها ومعاشها ومستقبلها.

نحن فعلا ندرك تلك العواقب الوخيمة التي من الممكن حصولها في حال فشلت لجنة الحوار السياسي الليبي برعاية بعثة الأمم المتحدة فشلا تاما.

*لو توضحون لنا دوركم اليوم في المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا في تسليط الضوء على الانتهاكات والصعوبات التي تطال عديد الفئات الهشة مثل المهاجرين والمرأة والأطفال؟

**المهاجرون والمقيمون والعمالة الوافدة هم، إلى جانب الأطفال والعجزة والنساء، من الحلقات الأضعف في أوقات الحروب، ناهيك عن أوقات السلم. ولهذا فإن المنظمة العربية لحقوق الإنسان بواسطة فرعها في ليبيا تتابع عن كثب أوضاع المهاجرين والتواصل معهم لحماية حقوقهم من خلال رصد وتوثيق الانتهاكات بحقهم وإبرازها إعلاميا والتعاون مع الجهات ذات العلاقة في متابعة هذه الانتهاكات وعمل ما يلزم حيالها.

ليبيا هي بوابة المتوسط الرئيسية بين أفريقيا وأوروبا ومعظم الهجرات البشرية من أفريقيا إلى أوروبا تمرّ عبرها. ويترافق هذا مع معاناة وألم واستغلال مشين يدفع ثمنه المهاجرون الذين يبحثون عن عيش كريم يتصورون وجوده في ”الجنّة” الأوروبية.

دول الاتحاد الأوروبي لا ترفض المهاجرين بالمطلق، فهي تحتاج لتلك الدماء الشابة والأيدي العاملة الرخيصة لكنها ترفض ما تعتبره ”اجتياحا” غير مشروع لأراضيها. كما أن التيارات السياسية اليمينية الأوروبية ترفض تقريبا قبول أي مهاجرين أساسا. فشبكات الإتجار بالبشر على الضفتين الأوروبية والأفريقية لا تهمها إلا الأرباح الطائلة ولو على حساب الأرواح البريئة ومصير الفقراء الحالمين بحياة أفضل.

*إذن بالنسبة للعلاقة بين الاتحاد الأوروبي وليبيا كيف ترونها وكيف يمكن حل معضلة الهجرة خاصة ان ليبيا باتت ممرا رئيسيا لشبكات الإتجار بالبشر والمهاجرين؟

**التنسيق ليس جيدا الآن مع دول الاتحاد الأوروبي، فالأمر يعتمد على وجود دولة موحدة ذات سيادة في ليبيا وهو ما لم يحصل حتى الآن منذ سنوات عديدة.

وحتى مع قيام الدولة الليبية القوية، يجب أن يتمّ الاتفاق بشكل منصف للطرفين وليس على حساب طرف دون الآخر، فذلك لن يحلّ مشكلة الهجرة غير النظامية التي تتضرر منها كل دول المنطقة ويعاني من عشوائيتها المهاجرون ويستغلها المتاجرون بالبشر.

*كيف ترى مستقبل الحقوق والحريات في العالم العربي؟

**العالم العربي يمرّ بتغيرات كبرى فرضها عصر العولمة. وعي الإنسان العربي بحقوقه وحرياته لم يعد كما كان في السابق. وللمفارقة فإن هذا العصر يشهد أيضا زيادة أكبر في حجم انتهاك تلك الحقوق والحريات، ومن هنا فإننا نضع على عاتقنا حماية حقوق المواطن العربي وحرياته من خلال متابعة وكشف كل الانتهاكات بخصوصها. ولنا أمل كبير في تحسن مستوى الحقوق والحريات في العالم العربي بناء على ما نشهده من ثورة في عالم الاتصالات الذي يساعد في رصد التجاوزات وكشفها والأهم من ذلك هو تحسن وعي المواطن العربي وارتفاع سقف مطالبه في عالم الحقوق والحريات. إضافة إلى تطور مؤسسات المجتمع المدني والدور الفاعل لمنظمات حقوق الإنسان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية