مجموعة الشاعر السوري حسّان عزّت “سباعية خلق”: العاشق في فلك الصوفي أمام سيف الماتادور

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

ربّما تكفي قصائد: “زهوة الماتادور”، “ترنيمة نقّار الخشب”، و”وردة الرمل” في مجموعة الشاعر السوري حسّان عزّت “سباعيّة خلق”، لكي يكون الشاعر قد أوفى قارئه حقّه من المتعة والمعرفة وعيش عذوبة وقسوة الشعر، من أجل عيش معاناة التغيّر. لكن الشاعر يدرك كما القارئ أن المتعة تجرّ شغف التوق إلى تكرارها، ليفعل ذلك الشاعر تسع عشرة مرّة، تتخلّلها ذرىً وسفوح وأودية، وربّما بعض الاستراحات، والمطبّات، وبعض بقعٍ لا تثير الشغف، في بساط المجموعة. لكنها في المجمل تُدخل القارئ في فلك قدسيّة الرقم سبعة، وإن لم يكمل الشاعر في بنية المجموعة وبنى القصائد تمام هذا الرقم الذي يدور بروحه كما المولوية، ويلقيه في غيابات الشطح بقراءة شعرية صوفية ربما تقطع أنفاسه في بعض قصائدها عذوبةً، لكنه كما حارس الغابة في قصيدة :”ترنيمة نقار الخشب”، يعود من غياهبه، ليعيد عيش العذوبة…

“سباعيّة خلق”، مجموعة شعرية تضع بعضُ قصائدها المميزة حقاً الشاعرَ والقارئَ في مسرحيّة تبادل أدوارٍ وأقنعةٍ، في كتابة وتذوّق القصيدة، بما تخلق من أدوار تتبادل فيها الوجوه ملامحها، وإيقاعاتٍ تتبادل فيها قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة أدوار قيادة رقص الشعر، في تمازج خلاق تحلّق فيه اللغة إلى سماوات سبع في الشطح الصوفي، وفي نقر روح القارئ.

“لا تنقري في الروح يا صبية

فَضاءُ ناياتٍ وشمس مبتلّةٌ

صدفَةٌ بيضاءُ وقَلْبانِ شاردانْ

رِحلةٌ مسروقَةٌ من الزمانِ

إلى مدينةٍ نائيةٍ وغُرفَةٍ بعيدةْ

فما الذي ينتظِر الكَواكب الوحيدةْ

وفارس الزمانِ

وهو يؤوب مِن معسكَرٍ غَريبٍ

مستوحِشاً مستطْلِعاً بردانْ؟”…

في “سباعيّة خلق”، يحضر العشق جليّاً، وتحضر المعشوقة امرأةً ونبيّةً وربّةً ومدينةً هي دمشقُ وبقوّة في القصائد، علانيةً من خلال ذكر بعض أماكنها التي يجري فيها العشق جريان نهرها، وبعضِ أبوابها، وإن لم تنهج تركيب نفسها بنيوياً بعدد هذه الأبواب التي كانت سبعاً في العصر الروماني. وكذلك في معاناتها من ديكتاتورها “هتلر الصغير” كما يسمّيه الشاعر، وفي إهداء الشاعر مجموعته لها، مع ذكر من شاركه في عشقها من شعراء وفنانين: “بالورد كرمى/ إلى شاميرام العالية وقوس جوبيتر المضاء/ أعمدتها الخالدة على الزمان/ وأعمدتها الباقية للشمس عنوانا/ الأموي، قاسيون، والمعلقة ..ولم تزل صنوانَ روحي إلاّ بقرآن/ ومعي في عشقها/ نزار قباني، محود درويش، صادق جلال العظم، رياض نجيب الريس، نبيل المالح، فيروز الرحابنة، شوقي بغدادي، علي فرزات شابلن الكاريكاتير العربي عالمياً، ابن عربي، ابن عساكر، ابن خلدون، وجبران/ عشّاق قضوا، وعشاق مازالوا في نبوةٍ وعرفان، وما بدلوا تبديلا”.

كما تحضر دمشق، وهو الأهم، خفيةً في لغة الشاعر المتدفّقة الثرّة التي ترتدي تفاصيلها، لمن عرفها حقيقةً، في فوح جسدها بالورد والياسمين والسوسن، وثمار النارنج والسفرجل والكبّاد، والعصافير، وجميع ما اختزن الزمان من جمال مثَّله بستان هشام، وعكسته حدائق بابل المعلّقة، في حدائق الشاعر المعلّقة “في حلَقِ الشرفاتِ والصبايا، في الحَبلاسِ آنَ يزدهي بالمَطَرِ وخوابي العسلِ في صباحاتِ البن والهال”.

وفي “سباعيّة خلق”، لا ينهج عزت النمط السّباعي في تكوين بنية المجموعة التي جاءت متضمّنةً تسع عشرة قصيدةً، وإضاءةً تتضمن تفسيراً لخلفية قصيدة “وردة الرمل”، عن الخيل في تراث العرب، الإسلامي بخاصة، وقراءتان، الأولى تحت عنوان: “جوكر الشعر يضحك”، عن المجموعة للشاعرة فاتن حمودي؛ والثانية لقصيدة “ترنيمة نقّار الخشب”، للشاعر فهر الشامي؛ ودراسةً غنيةً معمّقة عن نفس القصيدة للناقد المغربي الدكتور خالد بوزيّان الموساوي.

ومثل تكوين بنية المجموعة، لا ينهج عزّت نمطاً سباعياً في تنويع قصائده، إذ تأتي متنوعةً بصورة اثني عشر قصيدة نثر، خمس قصائد تفعيلة، قصيدة مختلطةٌ بين التفعيلة والنثر، وقصيدة عمودية مسطّرة كما قصائد التفعيلة. لكن الشاعر يقوم ببثّ رموز الرقم المقدّس في خلايا جسد قصائده، ويُظهره في المطر سبعة أيام بعد غياب حارس غابته بشطح عشقه للجنيّة النبيّة، كما يُظهره في بثّه لإحدى عجائب الدنيا السبع، ولبعض أبيات المعلّقات الجاهليّة السبع في قصيدة “وردة الرمل”، مع طرفة بن العبد، عروة بن الورد، عنترة العبسي، وامرئ القيس. ويظهره كذلك في شطح لغته التي تدور كما أفلاك سبعةٍ في طبقات سماءِ صوفية المجموعة.

في “سباعيّة خلق”، لا يغيب عن القارئ شُغل التجديد، وبالأخص مع القصيدة العمودية في قصيدة التفعيلة، ومع قصيدة التفعيلة في قصيدة النثر، وإن واكبت الرتابة القصيدة العمودية الوحيدة في المجموعة، على صعيد الشكل، كما لا يغيب التعامل المخالف رغم تآلفه على صعيد المضمون مع فضاءات شعرية سبقت، وأعمالٍ اشتهرت مثل بكائيّة لوركا في تعامله مع الموت بمصرع مصارع الثيران صديقه إغناثيو سانشيز ميخِيّاس. حيث يأخذ عزّت موقف إدانة قتل الثور بالطرق الوحشيّة التي تحدث في حفلات الكوريدا بإسبانيا، ولكن أيضاً بطريقةٍ معمّقة ينقل فيها، من جهةٍ أولى، الموتَ إلى ملحمة تبادل أدوارِ وأقنعة الموت، بين الثور الذي تجري على لسانه القصيدة، وبين المصارع المزهوّ بمجد قتله للثور. وينقل من جهة ثانيةٍ ما تقوم به الإنسانية من ارتكاب جرائم ارتداء ثياب المجد الخاوية بحقّ نفسها، من دون أن ينسى لعنةَ انخراط الجمهور في تعطيل شعور الوحشيّة لديه، دون أن يدرك ذلك خلال هيجان فعل تشجيعه قتل الثور، حيث يُدخله التعطيل في لعنة انخراطه الداخلي في متعة تشجيع قتل المصارع. كذلك ينقلُ عزّت مستوى معالجته لزهو المجد إلى زهو بشر الشعوب المتفوّقة، ممثّلةً بالماتودور، على الشعوب المستضعَفة الممثّلة بالثور، حيث لا يجرّ الزهو الأخرقُ الدموعَ على هذه الشعوب فحسب، بل على قاهرها كذلك:

” ـــ أيها المَاتادور العظيم/ توقّف عن زهوِك وشرابِك/ أترى لو أننا نتبادلُ الأَدوار/ أنا مكَانك وأنت مكَاني/ هلْ كانَ المُخرج يبارِك اللعبةَ/ تعالَ في الخَيالِ نلعب/ في المُستحيلِ والمُفارقَةِ/ ضع عينيك في عيني/ وجهك في وجهِي/ قلْبك تحت قَرني تماماً/ وكُن بطلاً أيها المَاتادور المَزهو بالظّفَر/ أترى .. لن ترى/ نحن في اللعبةِ والملْحمةْ/ هكذا يقْتضي المَسرح المَكْشوف/ هكذا المَشهد/ نحن الآنَ لَسنا وحدنا/ أنا وأنت والجُمهور على الْمِنصةِ/ لقد انتهيت مِنك تماماَ/ وأجهزت علَيك بِقَرني/ غَرزت في قَلْبِك قَرنِي الأيمن/ وغَرزت في كَبِدِك خِنجري الأيسر/ فأصبحت غَائِماً وشارِداً ومهيأً للسقُوطِ/ أترانِي أُواجِهك وأنظُر في عينيك اليائستين/ أتحدى كَما تفْعلُ أنت أيها البطَلُ/ أترى أعلِن عليك ظَفَرِي/ وقد سلّمت تماماً/ وأطْلَقت دمك وزبد فَمِك/ ووصلْت إلى حتفِك المَقْدور/ ليس كَما أَراده المُخرج الّذي رسم المآلَ/ وصخب الجَماهيرِ والهُتاف/ أولي .. أولي .. أولي يا ثَور الكُوريدا/ أولي .. أولي .. أيها الثّور العظيم/ ـــ لا قَطِيع معِي ولا خوار يملأ الأرجاءَ/ ـــ لا أمّ معك ولا إخوةٌ وأصدقاءُ”.

ختاماً، حسان عزت شاعرٌ وصحافيّ سوري مقيم في الإمارات العربية المتحدة. عمل في الصحافة الثقافية والأدبية السورية، في القسم الثقافي في صحيفة “تشرين” السورية. ساهم في تأسيس عدد من المجلات الثقافية والأدبية الإماراتية، وشغل منصب مدير تحريرها: مجلة “المنارة”، مجلة “إنفينيتي”، مجلة “المجهر”. كما ساهم في تأسيس صحيفة “أخبار العرب” الإماراتية، ورأس قسمي الثقافة والمنوّعات فيها. ساهم في تأسيس بيت الشعر في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات ــ فرع أبو ظبي، وهز عضو في العديد من لجان التحكيم والمنتديات، وله ثلاث مجموعات شعرية قبل هذه المجموعة هي “شجر الغيلان”، “التجليات والزمهرير” و”جناين ورد”.

حسان عزت: “سباعية خلق

دار العوام، السويداء (سوريا) 2021

188 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية