آخر ساحات التظاهر في العراق تصارع من أجل البقاء: محتجو الناصرية بين كماشتي السلطة والمسلحين

مشرق ريسان
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: خرج مئات المحتجين في العاصمة العراقية بغداد وعدد من محافظات الوسط والجنوب، بمسيرات احتجاجية للتنديد بالقمّع الذي تعرض له نظراؤهم المعتصمون في ساحة الحبوبي، وسط مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار، آخر ساحات الاحتجاجات الصامدة في العراق، على يد جماعات مسلحة موالية للتيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر.
وشهدت العاصمة بغداد، ومحافظات بابل وواسط مسيرات احتجاجية ضد ما تعرض له المتظاهرون في الناصرية، وللتعبير أيضاً عن دعمهم في مواصلة حراكهم الاحتجاجي.
وتعدّ «ساحة الحبوبي» آخر ساحات الاعتصام الصامدة في العراق منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019 بعد أن أعادت قوات الأمن فتح جميع ساحات الاحتجاج، ورفع خيام المعتصمين منها.
مصدر محلّي كشف لـ«القدس العربي» عن تسلسل الأحداث التي شهدتها ساحة الحبوبي في الناصرية، خلال اليومين الماضيين.
ووفقاً للمصدر الذي طلب عدم الإشارة إلى هويته، فإن العشرات من أتباع التيار الصدري، قدموا إلى ساحة الحبوبي للشروع بـ«الصلاة الموحّدة» التي كان قد دعا إليها الصدر الجمعة الماضية، رغم أن «الصدريين» خصصواً مكاناً آخر (شارع الجمعة وسط المدينة) لأداء الصلاة الجمعة.

صدامات

وحاول أتباع الصدر تأدية الصلاة وتلاوة بيانهم المؤيد لدعوة الصدر للمشاركة بالانتخابات والحصول على أغلبية برلمانية تؤهل «التيار الصدري» للحصول على رئاسة الوزراء الجديدة، غير أن المعتصمين في ساحة الحبوبي منعوهم، الأمر الذي أدى إلى حدوث صدامات بين الطرفين.
وتابع: «الصدريون كانوا يحملون السلاح، وأطلقوا الرصاص على المحتجين، وتسببوا بسقوط قتلى- بينهم امرأة- وعشرات الجرحى، وقاموا بإحراق خيامهم» مشيراً إلى أن قوات الأمن المكّلفة بحماية ساحة الحبوبي «انسحبت وتركت المحتجين تحت رحمة المسلحين».
«الاشتباكات استمرت حتى فجر السبت» يقول المصدر الذي لفت إلى إن المحتجين كانوا يستعدون، في اليوم ذاته، لإحياء الذكرى الأولى لأحداث جسر الحضارات، التي شهدت قتل عشرات المحتجين حينها.
ومضى يقول: «المسلحون جددوا أيضاً هجومهم على الساحة في اليوم التالي (أول أمس) وأطلقوا الرصاص على المحتجين» مبيناً إن «المئات من أبناء الناصرية الداعمين للحراك الاحتجاجي، هبوا لنجدة رفاقهم المعتصمين، وتعزيز ساحة الحبوبي بجموع المحتجين».

خيام جديدة

وصباح أمس، بدأ المعتصمون بإعادة نصب خيامهم من جديد، فيما نفّذت الجهود الخدمية التابعة للحكومة المحلّية، حملة لتنظيف الساحة من مخلفات الليلتين الداميتين.
وتناقل ناشطون مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر أشخاصاً يدينون بالولاء للتيار الصدري وهم «يمجدّون» بالصدر فيما يقومون بإطلاق النار وتصوير ألسنة اللهب تتصاعد من الخيام.
ولم يتبن الصدر مسؤولية وقوف أتباعه خلف حادثة استهداف ساحة الحبوبي، كما لم ينف ذلك أيضاً. ودعا، المعتصمين في محافظة ذي قار إلى العودة لمنازلهم «سالمين آمنين» والاستعداد للانتخابات المقبلة وعدم التصارع بين أهالي المحافظة مطالباً الحكومة الاتحادية بفرض الأمن والقانون «وإلا فهي مقصرة».
وأضاف في تغريدة له أول أمس: «لنتآخى من أجل بناء العراق انتخابياً ونفوت الفرصة على المتربصين أمثال الاحتلال والإرهابيين والفاسدين والتبعيين والمتشبهين بالجوكر».

أجندات مشبوهة

لكن المقرب من الصدر صالح محمد العراقي، كتب في صفحته على «فيسبوك» مُعلقاً على صدامات «الحبوبي» قائلاً: «بالأمس أثبت عشاق آل الصدر انضباطهم وتنظيمهم الدقيق وبالشروط الصحية الحضارية. فشكراً لهم، ‎إلا أن (الجوكرية) في الناصرية الفيحاء أبوا إلا التعامل مع الوضع وفق أجندات خارجية مشبوهة أدّت إلى تفاقم الوضع لولا رجالات الناصرية الفيحاء الذين أبوا إلا أن ترجع محافظتهم لأهلها ولرونقها الأول، وبالفعل فقد انتهت أفعالهم السيئة من قطع الطرق والحرق والصلب في تلك المحافظة».

إدانات دولية لمقتل وإصابة عشرات المنتفضين… وتعزيزات عسكرية لضبط أمن ذي قار

وأضاف: «اليوم إذ يعودون للتظاهر لسويعات فهذا من حقهم لكن من دون التعدي على الشعب والدولة والشرع والقانون. وإلا فالدولة ملزمة بحماية المحافظة، ‎وإن لم تستطع، فإن للعراق جنوده».
وتابع: «أتمنى من المتظاهرين (التشرينيين) عدم الانجرار خلف شهوات (الجوكرية) فنحن والتشرينيون في خانة الإصلاح ماداموا لا يدعمون الشغب والأعمال الإرهابية».
وحسب مصادر متطابقة (صحافية وشهود) فإن حصيلة الهجوم على ساحة الحبوبي، بلغت 7 قتلى (بينهم امرأة واثنان من أتباع التيار الصدري) وأكثر من 50 جريحاً، بينهم إصابات خطرة.

تحقيق

ووجه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بفتح تحقيق في «أحداث الحبوبي» فيما أمر بإقالة قائد شرطة محافظة ذي قار وإلغاء إجازات حمل السلاح.
وقال يحيى رسول، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، في بيان الجمعة الماضية، إن الكاظمي، «أصدر قراراً بإقالة قائد الشرطة في محافظة ذي قار وتشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث التي جرت في المحافظة، وإعلان حظر التجوال فيها، فضلا عن إلغاء إجازات حمل السلاح، لمنع المزيد من التداعيات التي تضر السلم الأهلي في العراق».
وأكد الكاظمي، حسب البيان أن «توتير الأوضاع في العراق ليس في مصلحة البلد، وأن لا بديل عن القانون والنظام والعدل ومن ضمن ذلك العدل تجاه الدماء التي أريقت في أحداث الناصرية».
وأشار إلى أن «الحكومة العراقية التزمت بتعهداتها وحددت موعداً للانتخابات ليكون صندوق الاقتراع هو الفيصل الوحيد لتحديد المواقف، وأن بديل هذا الصندوق هو الفوضى التي لا يقبلها دين ولا مبدأ ولا منطلق وطني».
ودعا المواطنين إلى «الالتزام بالتعليمات الحكومية لصون الدم العراقي وقطع الطريق على من يريد بهذا البلد وأهله الشر».

خلية لإدارة الأزمة

وتضمنت الإجراءات الحكومية أيضاً، تشكيل الكاظمي، «خلية لإدارة الأزمة» في محافظة ذي قار برئاسة مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، وعضوية كل من رئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي، وقائد عمليات سومر اللواء الركن عماد مجهول صميدع، وقائد شرطة المحافظة (الجديد) اللواء عودة سالم عبود، واللواء الركن سعد نعيم عبدالله من قيادة العمليات المشتركة.
وقال الكاظمي في بيان: «إنطلاقاً من حرصنا على فرض القانون، وترسيخ قيم الدولة، وتقويض كلّ ما من شأنه تصعيد التوترات بين أبناء البلد الواحد، وتهديد الدولة ومؤسساتها، ولأننا نجد من الضروريّ فرض القانون بطريقة تؤمّن وتحمي المتظاهرين السلميين، وفرزهم عن المخرّبين، فإن الأحداث المؤسفة التي جرت في ذي قار أخيراً تستدعي موقفاً مسؤولاً على كل المستويات».
وأضاف: «قررنا تشكيل لجنة عالية المستوى من الحكومة المركزية بعنوان (فريق أزمة الطوارئ) تمنح صلاحيات إدارية ومالية وأمنية لحماية المتظاهرين السلميين، ومؤسسات الدولة، والممتلكات الخاصة، وقطع الطريق أمام كل ما من شأنه زرع الفتنة، وجعل المتظاهرين السلميين في مواجهة مع الدولة التي حرصت منذ أن تولّت الحكومة مسؤوليتها، على نصرة الاحتجاج السلمي، ودعم التوجّهات العادلة التي طالب بها شباب العراق».

«العمل الجاد»

وفور تسلمه المنصب، أكد قائد شرطة ذي قار الجديد اللواء عودة الجابري، فرض حظر التجوال الكامل، داعياً إلى العمل الجاد لإعادة الحياة لوضعها الطبيعي في عموم المحافظة.
وقال إعلام شرطة ذي قار في بيان، إن «قائد شرطة محافظة ذي قار والمنشآت اللواء عودة سالم الجابري ترأس مؤتمراً أمنياً موسعاً (أول أمس) حال تسنمه مهام عمله قائدا لشرطة المحافظة، واطلع على الخطط والبرامج الأمنية والية تنفيذ الواجبات».
وأكد الجابري، حسب البيان، على «بسط الأمن وفرض القانون وحماية الأرواح والممتلكات العامة والخاصة» مضيفاً أن «مهمتنا تحتم علينا تحمل المسؤولية القانونية والشرعية والإنسانية ولذلك على الجميع العمل الجاد وبمهنية عالية لإعادة الحياة لوضعها الطبيعي في عموم المحافظة».
كما أكد على «فرض حظر التجوال الكامل والانتشار الأمني وتكثيف عمل المفارز والدوريات الثابتة والمتنقلة وإبداء المساعدة للحالات الإنسانية حفاظا على أمن المحافظة واستقرارها».
ووصل أمس الأحد «فريق أزمة الطوارئ» إلى محافظة ذي قار، واجتمع بالمحافظ وقادة ومسؤولي الحكومة المحلية هناك.
وأكد الأعرجي، رئيس الفريق الحكومي، العمل على إعادة الأمن ودرء الفتنة في محافظة ذي قار.
وأضاف في «تغريدة» على «تويتر» أمس، «أهلنا في ذي قار، أيها السومريون النبلاء، كرامة ورجولة. سنكون بينكم في مهمة وطنية، لنعيد بكم ألأمن والأمان، ودرء الفتنة».
وأضاف، مخاطباً أهالي ذي قار: «كونوا مع الوطن، مع العراق، ملاذنا جميعا، لنعبر المحنة، ونبني بلدنا. سلاما ذي قار، والسلام على شبابها الواعي». وقبل ساعات من «تغريدة» الأعرجي، أصدرت قيادة العمليات المشتركة نداء وجهت من خلاله بتحريك قوات عسكرية وقوات من الشرطة الاتحادية باتجاه محافظة ذي قار بعد موافقة الكاظمي.
جاء ذلك في وثيقة تناقلتها مواقع إخبارية محلّية، «وجهت قيادة العمليات المشتركة (هيئة العمليات) بإرسال كلاً من لواء المشاة الآلي 37 والفرقة المدرعة 9 للجيش العراقي مع لواء المهمات الخاصة في الشرطة الاتحادية من مواقع ومعسكرات في محافظة بغداد باتجاه محافظة ذي قار».

معارك سياسية

وحذر ائتلاف «النصر» بزعامة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، أمس، من جر الشارع لمعارك سياسية تعرّض السلم الأهلي إلى الخطر.

وأعرب الائتلاف في بيان صحافي «عن رفضه لأي صدامات سياسية ومجتمعية نحن في غنى عنها، ولأي إراقة دم بريء أو تخرب يهدد الاستقرار المجتمعي والأمني برمته، محذراً من جر الشارع لمعارك سياسية تعرّض الوحدة والسلم الأهلي إلى الخطر».
وأكد أن «حق التظاهر السلمي، وحق جميع القوى والشرائح السياسية بالتعبير عن رؤاها ومشاريعها دونما فرض إرادة» داعياً الجميع إلى «الاحتكام إلى عملية انتخابية نزيهة وعادلة تفرز نتائج ذات مصداقية لبناء معادلة حكم وطني قادر على إخراج البلاد من أزماتها».
وطالب الحكومة بـ«ممارسة مسؤولياتها بالحفاظ على الأرواح والممتلكات، وبسط الأمن وتطبيق العدالة».

أسف أممي

ردود الفعل لم تقتصر على الداخل العراقي، إذ أعربت بعثة الأمن المتحدة في العراق «يونامي» أمس، عن أسفها لفقدان الأرواح والإصابات بين المتظاهرين العراقيين، داعية الحكومة إلى بذل قصارى جهدها لحماية المتظاهرين السلميين وضمان محاسبة مرتكبي أعمال العنف.
وقالت البعثة في «تغريدة» على «تويتر» «ندين العنف الذي وقع مؤخراً، ونأسف لفقدان الأرواح والإصابات بين المتظاهرين العراقيين».
ودعت إلى «الهدوء ونحث السلطات على بذل قصارى جهدها لحماية المتظاهرين السلميين وضمان محاسبة مرتكبي أعمال العنف».
كذلك، أدانت السفارة الأمريكية في بغداد، الأحداث التي شهدتها ساحة الحبوبي، داعيةً الحكومة العراقية إلى توفير الحماية للمتظاهرين.
وقالت في بيان، «تدين الولايات المتحدة أعمال العنف ضد المتظاهرين السلميين التي وقعت في مدينة الناصرية، محافظة ذي قار».
وأضافت، أنه «لا مكان لأعمال العنف غير المبررة في أي ديمقراطية. تنضم الولايات المتحدة إلى المجتمع الدولي في الدعوة إلى محاسبة المسؤولين، وأن تقوم الحكومة بتوفير الحماية للمتظاهرين وغيرهم من المشاركين في الممارسة المشروعة لحرية التعبير».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية