بغداد ـ «القدس العربي»: بدأت القوى السياسية الشيعية بالتفكير مجدداً بتشكيل «قوة سياسية» على غرار «التحالف الوطني» بهدف «ترميم» البيت الشيعي وترتيب أوراقه لخوض غمار الانتخابات المبكّرة المقررة في 6 حزيران/ يونيو 2021.
«التحالف الشيعي» الذي لم يكتب له النجاح، كان مخططا له، منذ بداية تأسيسه عام 2005 إلى انطفاء نجمه في 2017 أن يكون مؤسسة سياسية تدعم وتراقب نوابها في البرلمان ووزرائها في الحكومة. ومع احتدام الصراع بين القوى والتيارات المدنية الرافضة لسطوة الأحزاب و«فسادها» وما رافق «ثورة تشرين» من متغيرات أدت بالإطاحة برئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي وتولي خلفه مصطفى الكاظمي دفّة الحكم في العراق، بدأت معها القوى السياسية الشيعية تفكّر بلملمة شتاتها.
الدعوة لـ«وحدة البيت الشيعي» جاءت هذه المرة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بعد أن كانت مثيلتها عام 2005 بدعوة زعيم المجلس الأعلى الإسلامي، عبد العزيز الحكيم.
ولم يكن النجاح حليف التحالف الذي تزعمه الصدر عام 2018 تحت اسم «الإصلاح الإعمار» الذي ضمّ حينها كلا من عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة، وإياد علاوي، زعيم ائتلاف الوطنية، وحيدر العبادي، زعيم ائتلاف النصر، وأسامة النجيفي، زعيم تحالف القرار، وإبراهيم الجعفري، زعيم تيار الإصلاح، وشخصيات سياسية أخرى.
وقابل تحالف الصدر آنذاك، تحالف مقابل «البناء» برئاسة الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، وزعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، والأمين العام لحركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، فضلاً عن شخصيات سياسية شيعية لها تمثيل مسلح في «الحشد» وشخصيات سياسية سنّية كمحمد الحلبوسي، زعيم اتحاد القوى، وخميس الخنجر، رئيس المشروع العربي.
ولا يزال التحالف الأخير صامداً بوجه المتغيرات التي شهدتها الساحة السياسية العراقية قبل عامين، فيما فشل تحالف الصدر، خصوصاً بعد توافقه مع العامري «بشكل شخصي» على اختيار عبد المهدي لتولي رئاسة الوزراء حينها.
ويعود الصدر اليوم لتبني مشروع سياسي جديد هدفه توحيد القوى السياسية الشيعية المُختلفة فيما بينها، بتحالف يخوض غمار العملية الانتخابية.
وفي وقتٍ سابق من الأسبوع الماضي، «غرّد» الصدر قائلاً: «في خضم التعدي الواضح والوقح ضد الله ودينه ورسوله وأوليائه من قبل ثلة صبيان لا وعي لهم ولا ورع تحاول من خلاله تشويه سمعة الثوار والإصلاح والدين والمذهب، مدعومة من قوى الشر الخارجية ومن بعض الشخصيات في الداخل، أجد من المصلحة الملحة الإسراع بترميم البيت الشيعي من خلال اجتماعات مكثفة لكتابة ميثاق شرف عقائدي وآخر سياسي نرفع فيه راية لا إله إلا الله. محمد رسول الله. علي ولي لله. بمنهج إصلاحي وحدودي نزيه بلا فاسدين ولا تبعيين». واختتم الصدر بالقول: «فهل من مجيب؟».
ميثاق شرف
دعوة الصدر لاقت رواجاً لدى الأوساط السياسية الشيعية» تحديداً، آخرها ما دعا إليه ائتلاف النصر، بالبدء بحراك ممنهج لاعتماد «ميثاق شرف» كإطار مبادئ وطني ملزم لجميع القوى والفاعليات العراقية.
«الكتائب» و«العصائب» أبرز الداعمين لوحدة البيت الشيعي
وقال الائتلاف في بيان صحافي أمس الإثنين، إن «استناداً إلى الدعوة الكريمة لسماحة السيد مقتدى الصدر، وانسجاماً مع مطالب الإصلاح والتغيير التي عبّرت عنها انتفاضة تشرين الشجاعة، وإيماناً بضرورة وجود التزامات ضامنة لصلاح المجتمع والدولة، ولضمان مبدأ التكامل بين القوى والفاعليات والشرائح السياسية والمجتمعية، ندعو للبدء بحراك ممنهج لاعتماد (ميثاق شرف) كإطار مبادئ وطني ملزم لجميع القوى والفاعليات العراقية».
ستة بنود
وفصّل الائتلاف «الميثاق» إلى ستة بنود، الأول تحت اسم (طبيعة الميثاق) كونه «ميثاق شرف وطني يتضمن التزامات سياسية وقيمية حافظة للهوية العراقية وقيمها وأخلاقياتها، وضامنة لسلامة النظام العام، وصلاح الحكم ونزاهته، وأداء وممارسات القوى والفاعليات السياسية والمجتمعية في الدولة».
وأشار البيان إلى «(جوهر الميثاق) إطار مبادئ يحترم ثوابت المجتمع والدولة ويحافظ عليها ويحرسها تحت أي ظرف، ووضع آليات واقعية وعملية لتنفيذه» منوها إلى «(وطنية الميثاق) بعيداً عن أي اصطفافات إثنية أو طائفية على مستوى الهوية المجتمعية أو الحياة السياسية أو النظام السياسي أو الجبهات السياسية والعمل الانتخابي. مع الاحترام الكامل للتنوع الاثني والديني والقيمي في مجتمعنا».
حفظ النظام
وشدد بيان ائتلاف العبادي على أهمية «(سلمية الميثاق) وأبويته الراعية للجميع وعدم جنوحه للعنف تحت أي ظرف» معتبراً أن «(التزامات الميثاق) هي «التزام القوى السياسية والمجتميعة الفاعلة بحفظ قيم العراق وأخلاقيات مجتمعه، وحفظ الوحدة والنظام والمصالح العامة، بما فيها محاربة الفساد والانحراف والفوضى والتبعية للاجنبي والسلاح والجماعات المنفلتة، ومحاسبة المتجاوزين على الدم والعرض والحرمة والسيادة العراقية».
وبشأن (أهداف الميثاق) حدد الائتلاف ثلاث نقاط تتضمن «ضبط المسار والأداء العام لجميع القوى والفاعليات بما يحقق صلاح المجتمع والدولة» بالإضافة إلى «فرز ومواجهة القوى والفاعليات المشتغلة بالضد من أخلاقيات المجتمع وصلاح الحكم وسلامة الدولة» فضلاً عن «إلزام القوى والفاعليات بأسس الحكم الرشيد، وخصوصية الهوية والقيم والأخلاقيات العراقية، وتحميلها مسؤولية الالتزام بسلامة وصلاح وتطوير النظام السياسي ليكون قادراً على تحقيق تطلعات الشعب وتأمين حقوقه ومصالحه بعيداً عن أي فرض أو تزوير إرادة أو وصاية أو استلاب أو تبعية أجنبية».
ويعدّ ائتلاف النصر أحد الأركان الأساسية لتحالف «الإصلاح والبناء» المُنهار، ويبدو أنه مستعد لخوض غمار تجربة جديدة تتوافق ودعوة الصدر، غير أن شريكهم الأساسي في «الإصلاح» عمار الحكيم، يحثّ الخطى نحو تشكيل تحالف «عابر» للمكونات، وهو ما يخالف فكّر الصدر الجديد.
«التصدي للانحراف»
التأييد لمشروع الصدر الجديد، لاقى قبولاً لدى «كتائب حزب الله/ العراق» التي أعلنت «دعم» دعوة الصدر لترميم البيت الشيعي و«التصدي للانحراف».
وقالت الكتائب، في بيان صحافي أول أمس، إن «بعض الجهات المشبوهة عمدت إلى التغرير بشبابنا ودفعهم نحو تبني مظاهر فيها كثيرٌ من التجاوز على القيم الإسلاميّة، والإساءة للذات الإلهيّة، وثوابت الدين الإسلامي المحمديّ وقِيَمه الأصيلة، بما يلقي على عاتق القوى السياسية والدينية والاجتماعية مسؤولية كبيرة للتصدي لها وقطع دابرها».
وأضافت: «لا شكّ في أن مواقف السيد مقتدى الصدر في مواجهة محاولات تشويه الدين المدعومة من قوى الشرّ الخارجية وقوى الفساد الداخليّة هي امتداد طبيعي لثورة التصدّي لأعداء الله وترسيخ مبادئ دينه الحنيف التي جاهد من أجلها السيد الشهيد محمد صادق الصدر (والد مقتدى الصدر) قُدّس سرّه، بكل شجاعة عندما كان العراق يرزح تحت نِير الحكم الصداميّ البعثيّ البغيض».
وتابع بيان الكتائب: «نحن إذ نشيد بمواقفَ سماحة السيد مقتدى الصدر بالتصدي للانحرافات والدعوة إلى الدفاع عن ثوابتنا الإسلاميّة وترميم وضعنا الداخلي وإصلاح واقعنا المرير وقطع دابر الفاسدين والمنتفعين وسراق مال شعبنا المظلوم، نؤكد أننا مع كل منهج إصلاحيّ وحدويّ يرفع راية الإسلام ويدافع عن قيمه ومُثُلِهِ العليا».
فرصة لا تعوّض
على المستوى ذاته، اعتبرت كتلة «صادقون» البرلمانية، الجناح السياسي لحركة «عصائب أهل الحق» دعوة الصدر إلى ترميم البيت الشيعي «فرصة» لا يجب تضييعها.
النائب عن الكتلة، نعيم العباودي، قال في «تدوينة» له، «نعتبر التغريدة التي نشرها مؤخرًا سماحة السيد مقتدى الصدر غاية في الأهمّية، لأنّها لا تنطلق من منطلق طائفيّ إنما من مصلحة وطنية جامعة» مبينا أن «قوّة البيت الشيعي ووحدته تنعكس إيجابًا على قوّة العراق ووحدته».
وأضاف: «من هنا يجب استثمار هذه الفرصة، وعدم تضييعها تحت أي اعتبار».