بيروت ـ «القدس العربي»: فيما كانت الأنظار تترقّب نتيجة التجاذب بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري حول ملف التشكيلة الحكومية في ضوء تقديم الرئيس عون طرحاً مقابلاً للتشكيلة التي عرضها عليه الحريري، طرأ موضوع الادعاء على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وزيارة الرئيس المكلّف إلى السراي للتضامن معه ليزيد من حماوة المشهد السياسي، وليضيء على الاستنسابية في الملاحقة القضائية من قبل المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي فادي صوّان الذي استثنى رئيس الجمهورية ووزراء للعدل والدفاع من الادعاء.
وكان الملف الحكومي تحرّك بعد انقطاع نتيجة زيارتين قام بهما الرئيس الحريري إلى قصر بعبدا حيث قدّم تشكيلته الحكومية المؤلفة من 18 وزيراً اختصاصياً من غير الحزبيين قائمة على توزيع متعادل للحقائب والحصص على قاعدة 6+6+6 من دون تخصيص ثلث معطّل لي فريق وتحديداً لفريق رئيس الجمهورية والتيار.
وحسب المعلومات خصّص الحريري في تشكيلته حقائب المال والعمل والأشغال والسياحة والتنمية الإدارية لكل من حزب الله وحركة أمل مضافاً إليها حقيبة الاتصالات لتيار المردة. وأعطى حقائب الدفاع والطاقة والتربية والثقافة والبيئة والغعلام لرئيس الجمهورية والتيار العوني مضافاً إليها الصناعة لحزب الطاشناق. وترك لتيار المستقبل حقائب الداخلية والصحة والعدل والاقتصاد مضافاً إليها حقيبتا الخارجية والزراعة للحزب التقدمي الاشتراكي.
وإذا كانت لرئيس الجمهورية ملاحظات على التشكيلة المقترحة من الحريري بحجة أنه لم تتم استشارة بعض الكتل بشأنها وأنه تدخّل في تسمية وزراء مسيحيين ولم يسمح لسواه بالتدخل في تسمية وزراء آخرين، فإن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط ليس راضياً كما حزب الله على هذه التشكيلة،على الرغم من إسناد حقيبة سيادية للطائفة الدرزية هي الخارجية للمرة الأولى بعد الطائف بعدما كانت الحقائب السيادية الأربع وهي الداخلية والدفاع والخارجية والمالية تذهب إلى الطوائف الكبرى.
ويسأل جنبلاط حسب مقرّبين منه “أي سياسة خارجية سندير ولأي دويلة من الدويلات؟” مبدياً تحفّظه على عدم استشارته في موضوع تسمية وزير الخارجية الدرزي وتفضيله لو حصل الدروز على حقيبة خدماتية وازنة.
وكانت “القدس العربي” علمت أن الزعيم الدرزي لم يكن على علم مسبق بما ستسفر عنه زيارة الرئيس المكلّف إلى قصر بعبدا الأربعاء الفائت، وإذا كانت ستشهد ولادة الحكومة. وهو عبّر أمام البعض عن حالة من الامتعاض من طريقة التعاطي مع المختارة وموقعها ليس فقط من قبل العهد الحالي بل من قبل الشيخ سعد ومحيطه. لكن جنبلاط لن يذهب إلى حد التصعيد السياسي وعرقلة المبادرة الفرنسية التي يرعاها الرئيس إيمانويل ماكرون، وواظب على إطلاق الرسائل التي تعكس رؤيته حول استبعاد صدور الدخان الأبيض حول الحكومة وآخرها قوله إن الحكومة تنتظر المزيد من الاختبارات لاعتماد الـ Vaccine الأفضل لعلاج الأزمة.
ولعلّ الزعيم الدرزي يدرك كما الحريري بأن ميزان القوى السياسي لا يخوّلانهما تحسين شروط المعادلة على الرغم من الدعم المعنوي للمبادرة الفرنسية. ويأتي التباعد الراهن بين كل من بيت الوسط ومعراب ليزيد من حجم الاختلال في موازين القوى، الأمر الذي يستفيد منه العهد بحيث يستفرد هو والثنائي الشيعي بالرئيس المكلّف الذي إضطر بداية إلى التسليم بمنح حقيبة المال للرئيس بري، ولا يقدر على تجاوز عقدة رئيس الجمهورية وصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. وكل ما فعله الحريري لغاية الآن هو تقديم تشكيلته الحكومية من دون التمكّن من فرضها على العهد، لكنه على الأقل رمى الكرة في ملعب قصر بعبدا رافعاً من حجم الضغط على رئيس الجمهورية قبل زيارة الرئيس ماكرون المرتقبة في 21 كانون الاول/ديسمبر الحالي علّ الأخير كراعٍ للمبادرة يضغط على عون للقبول بالتشكيلة التي ستحفظ وجه الاليزيه، وكي تكون زيارة الرئيس الفرنسي الثالثة إلى بيروت ثابتة على الرغم أن لا شيء محسوماً بدليل ما تسرّب عن تعديل في برنامج زيارة الرئيس الفرنسي إلى لبنان الذي اختصر من ثلاثة أيام إلى يومين، يتوجّه في اليوم الأول فور وصوله إلى الجنوب لتفقّد القوات الفرنسية العاملة ضمن قوات اليونيفيل وتوجيه التحية إليها قبل عيدي الميلاد ورأس السنة على أن يمضي الليلة في الناقورة ويعود في اليوم التالي إلى القصر الجمهوري للقاء الرئيس عون ويغادر من دون عقد لقاءات مع القادة السياسيين في قصر الصنوبر.
وإذا لم ينجح ماكرون خلال زيارته الثالثة في الضغط كي تبصر الحكومة النور فهذا يعني أنها قد تبقى مؤجلة إلى ما بعد استلام الرئيس المنتخب جو بادين مقاليد الرئاسة الأمريكية في 20 كانون الثاني/يناير، في وقت ينحدر لبنان بسرعة نحو الانهيار والارتفاع الجنوني الإضافي للدولار في حال رفع الدعم عن بعض السلع الغذائية وترشيده على المحروقات.