ظاهرة الإفلات من العقاب في ليبيا تؤرق مضاجع القانونيين والنشطاء الحقوقيين

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تحولت ليبيا خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر دول العالم التي تنتشر فيها ظاهرة الإفلات من العقاب بالنظر إلى حالة اللاستقرار والفوضى التي تعيشها البلاد منذ سنوات، والتي يطغى عليها تناحر الميليشيات المارقة والخارجة عن القانون والتي لا تعير اهتماما لحقوق الإنسان. كما أن البلد لا يتوفر فيه قضاء مستقل ومؤسسات دولة بكل ما للكلمة من معنى قادرة على ملاحقة الجناة ومرتكبي الانتهاكات وردعهم وجعلهم عبرة لمن تسول له نفسه ارتكاب أفعال شنيعة مماثلة. وهذا ما دفع عديد الحقوقيين والنشطاء الليبيين إلى إطلاق صيحة فزع، بعد ان تزايدت الانتهاكات وجرائم الاعتداء على الآخرين من دون رادع وبدون ان ينال المجرم عقابه بسبب استقوائه بالميليشيات المسلحة وغيرها.
وتجدر الإشارة إلى أن البعض يُعرّف الإفلات من العقاب بأنه النتيجة التي تترتب عن العجز عن مساءلة مرتكبي الانتهاكات والجرائم من خلال عدم القدرة على رفع دعاوى جنائیة أو مدنیة أو إداریة أو تأدیبیة ضدهم، وذلك بالنظر إلى وجود فراغ تشريعي يُمكّن المنتهكين من الهروب من المساءلة والتتبع أو بسبب فساد في أجهزة الدولة أو في المنظومة القضائية يحول دون تتبعهم، أو بسبب تمتعهم بنفوذ واسع يجعل البعض يخشون سطوتهم. كما يحصل الإفلات من العقاب من خلال إجراءات قانونية لا يمكن الطعن في شرعيتها مثل تمتع مرتكب الجرائم والانتهاكات بالعفو سواء بصورة منفردة أو مع مجموعة أو من خلال التسامح مع ما حصل في حقبة زمنية بأسرها من خلال إصدار قوانين ذات مفعول رجعي.

مع فوضى السلاح أصبح كل فرد في ميليشيا مسلحة سلطة

ويشجع الإفلات من العقاب على حصول المزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان وعلى ارتكاب المزید من الجرائم، وبالتالي فإن مكافحته تساهم في منع هذه الانتهاكات وتحد من ارتكاب الجرائم. لذلك تحث أغلب المنظمات الحقوقية في العالم على إیلاء الاهتمام اللازم لمسألة الإفلات من العقاب لما في ذلك من مصلحة جوهریة لهذه الدول وللجماعة الدولیة بأكملها.

آلية تحقيق دولية

وكانت منظمة العفو الدولية قد دعت سابقا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى القيام بالإجراءات اللازمة لمكافحة ظاهرة الإفلات من العقاب في ليبيا، التي استفحلت كثيرا في السنوات الأخيرة. وتبدأ هذه الإجراءات بحسب المنظمة بإنشاء آلية تحقيق دولية في انتهاكات حقوق الإنسان التي يشهدها البلد في ظل التناحر الحاصل بين فرقائه السياسيين والميليشيات والجماعات المسلحة.
وفي هذا الإطار يرى الناشط الحقوقي الليبي جمال المبروك في حديثه لـ “القدس العربي” أن الإفلات من العقاب عن انتهاكات لحقوق الإنسان، أصبح ظاهرة لافتة في ليبيا خصوصا بعد سنة 2011 وهي السنة التي شهدت انفلات الأوضاع في البلد. ففي غياب مؤسسات الدولة وانتشار فوضى السلاح أصبح كل فرد في ميليشيا مسلحة، بحسب محدثنا، سلطة في حد ذاته يمارس كل أشكال العربدة والانتهاكات من دون رقيب أو حسيب خشية من سطوته وممن يقوم بتأجيره.
ويضيف محدثنا قائلا: “إن تواصل ظاهرة الإفلات من العقاب في البلد يهدد السلم الأهلي والتماسك بين مكونات الشعب الليبي ووحدة البلد، ويزيد من زرع الشقاق والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد ويشجع على العنف والعنف المضاد ويحول دون تحقيق الاستقرار. بينما نحن نعيش في مرحلة نبحث فيها عن الاستقرار ونروم الهدوء والسكينة ونتطلع إلى الأفضل بإعادة بناء مجتمع متضامن ومتماسك من خلال ترميم المعنويات والقطع مع مخلفات المرحلة العسيرة التي عاشها الليبيون.
نحن في مجتمع قبلي تركيبته معقدة جدا وله عاداته وتقاليده وأعرافه ونواميسه الموروثة والضاربة في القدم، ولا يمكن أن يبقى فيه المجرم دون قصاص أو محاسبة على ما ارتكبه بحق أبناء عشيرته أو أبناء القبائل الأخرى. وإذا لم تقم الدولة التي تحتكر وحدها ودون سواها العنف الشرعي بملاحقة منتهكي حقوق الإنسان وتتبع الجناة وردعهم، فإن الفوضى ستعم وسيجنح كل متضرر من انتهاكات لحقوق الإنسان أو ضحية أو متضرر في أمواله وممتلكاته أو وظيفته ظلما وزورا وبهتانا، إلى الثأر بنفسه أو من خلال أهله وذويه”.

يشجع الإفلات من العقاب على حصول المزيد من الانتهاكات والجرائم

ولعل المعضلة الرئيسية في ليبيا اليوم تتمثل، وللأسف، في غياب الدولة ومؤسساتها وسيطرة أطراف سياسية متنفذة على القضاء، يخشى القضاة جبروتهم وسطوتهم وهم من بين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان الحاصلة والمنتفعين بالإفلات من العقاب. كما أن السلطة مشتتة بين شرق وغرب متناحرين، أنهكتهما الحروب، ولا توجد سلطة مركزية موحدة قادرة على بسط نفوذها على كامل الأقاليم وقادرة على حماية المواطنين العزل وفرض النظام في البلد الجريح، وتتبع مرتكبي الانتهاكات والجرائم البشعة من هنا أو من هناك.
وأضاف “في الحقيقة لا توجد حلول ناجعة في الوقت الراهن للقضاء على ظاهرة الإفلات من العقاب سوى إيجاد حل للأزمة السياسية وتركيز نظام قوي منتخب وشرعي قادر على فرض الانضباط وبسط نفوذه على كل أنحاء ليبيا. أما فتح المجال للمنظمات الحقوقية الدولية لتتدخل في الشأن الليبي واقتياد الليبيين إلى المحاكم الدولية فإنني شخصيا لا أسانده، لأن العدالة الدولية وفي رأيي المتواضع عرجاء وتكيل بمكيالين وتصفي حسابات مع أطراف لا تخدم مصالح القوى الكبرى فقط في حين تتغاضى عن خادمي أجندات هذه القوى وعلى انتهاكاتهم لحقوق الإنسان”.

جهد حقوقي

ويعتبر الناشط الحقوقي الليبي عبد المنعم ورفلي في حديثه لـ “القدس العربي” أن أهم ما يميز “الساحة” الليبية في الوقت الراهن هو تفشي الإفلات من العقاب بشكل لافت رغم كثرة الانتهاكات التي تنال من المواطنين وتنغّص عليهم عيشهم والتي تتطلب وقفة حازمة من السلطات، لا ترك المجرمين ينتهكون ويرتعون. ولا توجد إحصائيات رسمية في هذا المجال، حسب محدثنا، لكن تقارير المنظمات الحقوقية تؤكد على خطورة هذه الظاهرة والتي دفعت بأطراف من خارج النسيج الاجتماعي الليبي إلى دق ناقوس الخطر بسبب انتشار الظاهرتين، أي كثرة الجرائم من جهة، والإفلات من العقاب من جهة أخرى.
ويضيف الناشط الحقوقي قائلا: “تنتشر في ليبيا معتقلات ومحتشدات كثيرة تابعة للميليشيات المتناحرة ترتكب فيها يوميا أبشع الانتهاكات لحقوق الإنسان، وبعضها معروف من قبل الليبيين والبعض الآخر سري ولا يعلم مكانه إلا أفراد الميليشيا. وفي هذه المعتقلات يتم الإعتداء على حرية الإنسان في التنقل ويحبس دون وجه حق ويعتدى عليه بالعنف والتعذيب وبكل أشكال المعاملات القاسية والمهينة واللاإنسانية بما في ذلك الإعتداءات الجنسية.

معتقلات تابعة للميليشيات ترتكب فيها يوميا أبشع الانتهاكات

وفي نهاية المطاف لم يتحرك القضاء الليبي “الأسير” الذي يخشى بطش حملة السلاح بطريقة غير شرعية، لأن القاضي في نهاية المطاف هو إنسان له عائلة ويخشى على سلامته الجسدية وسلامة أفراد أسرته. وإذا لم تتوفر الحماية اللازمة للقضاة الليبيين فإنه لا يمكن مطالبتهم بما لا طاقة لهم به، أي ملاحقة مجرمي حقوق الإنسان من ذوي النفوذ الواسع والذين لديهم يد طولى قادرة على الخطف والقتل والترويع دون الخشية من لومة لائم ما”.
ويبدو أن الأوضاع في ليبيا المكلومة مرشحة لمزيد التعفن في هذا المجال باعتبار أن الأطراف المتناحرة لا تعير هذا الملف أي اهتمام لأنها متورطة في انتهاكات لحقوق الإنسان ومنتفعة بالإفلات من العقاب، وليس من مصلحتها أن تتغير الأوضاع. والمصيبة أن هذه الأطراف قد تكون مستقبلا شريكة في حكم ليبيا الموحدة إذا ما تحقق الحل السياسي خلال الفترة المقبلة وسيتم دفن الحقائق وتجاوز مسألة تتبع المسؤولين على الانتهاكات على غرار ما حصل ويحصل في عديد من دول العالم التي شهدت أزمات سياسية وحروبا أهلية تنتهي بتفاهمات تسقط المسؤولية الجزائية عن مجرمي الميليشيات المتناحرة.
ولعل نقطة الضوء الوحيدة في هذا الظلام الدامس هو عملية التوثيق للجرائم الذي تقوم به المنظمات الحقوقية سواء العالمية أو المحلية التي يتعرض أفرادها للمضايقات باستمرار كلما فضحوا بعض الممارسات. فقد تم خطف عديد النشطاء وتهديدهم بالويل والثبور في حال عادوا إلى ممارساتهم في فضح هذه الانتهاكات والمطالبة بتعقب المجرمين وعدم تركهم يفلتون من العقاب حتى يتم القطع مع هذه الممارسات”.

غطاء قبلي

وتروي القاضية الليبية السابقة أميرة المجبري لـ “القدس العربي” قصة هروبها من ليبيا إلى تونس قبل سنوات، مشيرة إلى أنها تعرضت لضغوط كبيرة من أجل عدم معاقبة أحد المجرمين وعدم إصدار حكم بالسجن عليه. وهذا ما دفعها إلى الفرار بعد ان تعرضت هي وعائلتها إلى تهديدات بالقتل. وتضيف محدثتنا: “أن أكثر ما يزعج في تفشي ظاهرة الإفلات من العقاب في ليبيا هو تمتّع المجرمين بغطاء اجتماعي وقبلي ومناطقي يحتمون به ويحول دونهم والملاحقات. ونتيجة لذلك يتم الضرب بأوامر القبض الصادرة عن النائب العام وعن المحكمة الجنائية الدولية عرض الحائط، ولا تتم الاستجابة لها بعد أن تحولت الروابط القبلية إلى عنصر من عناصر الإفلات من العقاب.
وتضيف محدثتنا قائلة: “ومن نتائج هذا الغطاء القبلي أيضا تشجيع ضعاف النفوس ممن يتمتعون بدورهم بغطاء عشائري على ارتكاب المزيد من الجرائم والانتهاكات وهو ما يؤدي بدوره إلى الزيادة في معدل الجريمة في المجتمع. فتنتشر نتيجة لذلك ظواهر أخرى أشد فتكا بالمجتمع ومنها استيفاء الحق بالثأر والانتقام لا من خلال القضاء العادل وبتطبيق نصوص القانون التي تصبح بلا معنى ويتجاوزها الجميع ويستهينون بها ولا يقيمون لها أي اعتبار فتطغى شريعة الغاب.

الروابط القبلية من عناصر الإفلات من العقاب

ويؤدي تزعزع الثقة في القضاء والاستهانة بالنصوص القانونية إلى خلق بيئة جديدة للنشاطات غير القانونية والممنوعة والخطيرة على غرار التجارة بالبشر والمخدرات والإرهاب والجريمة المنظمة. وتنتهي الدولة نهائيا وتندثر ونعود إلى الأشكال البدائية للحكم، وهذا السيناريو خطير إلى أبعد الحدود ويبدو قريبا إذا ما استمر الحال على ما هو عليه في ليبيا اليوم”.
وبالتالي لا مفرّ من أن تتكاتف جهود جميع الليبيين بما في ذلك السلطات وأجهزة الدولة المقسمة، وذلك للقضاء على ظاهرة الإفلات من العقاب وعدم إنفاذ القانون، ويلعب المجتمع المدني في هذا الإطار دورا هاما ورئيسيا من خلال التقصي والرصد والتوثيق. كما يجب الدفع باتجاه انضمام ليبيا إلى المعاهدات الدولية التي تعزز عدم الإفلات من العقاب وملاحقة المجرمين خاصة وأن هذه الانتهاكات ترتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية ولا تسقط بمرور الزمن.
وتدعو عديد المنظمات الحقوقية الليبية اليوم وفي إطار دفعها باتجاه الحد من ظاهرة الإفلات من العقاب إلى استحداث وزارة لحقوق الإنسان وإلى إعادة المجلس الأعلى للحريات وحقوق الإنسان وتعيين مقررين دوليين للجرائم المرتكبة كما هو حاصل في سوريا واليمن. هذا بالإضافة إلى ضرورة إصدار تقارير بشكل دوري حول الانتهاكات والجرائم المرتكبة مع تمكين المنظمات الحقوقية الليبية والدولية من زيارة السجون والموقوفين من دون إذن مسبق من السلطات الليبية للإطلاع على أوضاعهم ولتوفير المساندة والدعم القانوني لهم.
فاستمرار الحال على ما هو عليه سيعود بالوبال على الجميع وسيؤدي إلى كارثة لا يحمد عقباها قد تصل إلى حد انهيار الدولة نهائيا وتحولها إلى قبائل وأقاليم متصارعة فيما بينها. لذلك تتصاعد اليوم الدعوات لكي يتحمل كل طرف وطني في ليبيا واجباته وان يقوم بما يلزم للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة والمستفحلة في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص والتي تجد في المناخ السياسي المتعفن بيئة خصبة لها وحولت بلد عمر المختار إلى “دولة فاشلة” على جميع المستويات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية