«كافكا» الذي يُقيم في الجزائر

حجم الخط
8

قد لا نجد توصيفا يليق بسنة 2020، في الجزائر، سوى أنها كانت سنة كافكاوية. انقضى عام من الترقب، الانتظار، القلق، الوساوس، البلبلة، التكهن، والترصد، ترصد ما لا يحصل. عام آخر من الآمال المُرجأة، كانت سنة بلغت فيها معدلات الخوف أقصاها، خوفا من الجائحة التي تزحف أمام أعيننا، خوفا من انتكاسة الحريات. صارت الحرية قضية ثانوية، بات السجن أمرا مبتذلا، ساءت صحة الحق في الرأي، زاد عدد المعتقلين، شبابا وكهولا، من يكتب كلمة على «فيسبوك» أو ينشر رسما كاريكاتيريا فليتحمل مسؤوليته، صار كل شخص يشعر بأنه مهدد، بحبس جسدي أو آخر معنوي، تواطأنا مع ذلك الخوف، سايرناه، طاوعنا الرقيب في تجبره، صمتنا، مرغمين، لم نعد متحمسين للتعليق عما يحدث، أو عما نرجو حدوثه، نرجو خلاصا بالصمت وفقط، نتحمل عتاب الآخرين: «أين هم مثقفو هذا البلد؟ لماذا سكتوا؟» لم يسكتوا، ولم يهنأ لهم نوم، إنهم فقط محتجزون في صمتهم، إنهم أسرى ولا يعلمون، يُراودهم توجس من مصير خالد درارني، إنهم أيضا يتجرعون مرارة اللحظة، لكن لا سلطان لهم، يتعاطفون مع مصائر منبوذي 2020 بقلوبهم «وذلك أرفع درجات الإيمان هذا العام».
اضطررنا لهجرة قضايانا الأثيرة، تركنا إيدير يوارى الثرى في منفاه، ولم نُجاهر باعتراضنا، لأن الرقيب لا يفرق بين الرأي والشتيمة، تحملنا ما رافق وفاة راعي الكنيسة الكاثوليكية هنري تيسيي من معاداة لكل ما هو غير إسلامي، مما يخل بتاريخ البلد في تعدده الديني، لأن التعصب بات عملة وطنية، ترد على واحد فتجد نفسك في مواجهة عشرة آخرين. كان عاما خرجت فيه الغيلان من جحورها، بقينا مكبلين بين جائحة ومُستغلين لها.

في مثل هذا الوقت، قبل عام، اتسعت ابتسامات بعض الكتّاب وهم ينشرون صورهم أو صور أغلفة كتبهم الجديدة، على مواقع السوشيال ميديا، يعدون المعلقين بأن يتيحوا لهم الكتاب، أن يزوروهم، يتناقشوا معهم ما جاء في نصوصهم، كانت أوجههم مفعمة بهجة ورجاء، لكن لم يطل الأمر أن عاجلنا الحجر المنزلي، وجدنا أنفسنا مجبرين على المكوث في بيوتنا، نراقب أرقام صعود ونزول الإصابات بكورونا، مثل تاجر يراقب صعود ونزول أسعار السلع، وقد ساورنا في البدء أن الأمر لن يطول، لكن حصل العكس، فماذا ننتظر من جزائري أن يفعل في بيته؟ أن يقرأ كتابا، ذلك أمر نادر، وفي الغالب لن يكون كتابا اقتناه بل حمله من مواقع القرصنة، ولن يكون كتابا جزائريا، فالكتب الجزائرية لا تغري كثيرا سوق القرصنة، سيقرأ ما توافر له من كتب أجنبية في الغالب دينية، وبات مصير إصدارات 2019 في مخازن التكديس. هل فكرنا في إغاثة الكتاب قبل الحجر المنزلي؟ قد تبدو الثقافة من الرفاهيات في هذه المحنة التي نتقاسمها بالعدل، لكن إذا عدنا قليلا إلى الوراء سوف ندرك أن من إرهاصات عشرية الدم في التسعينيات هي استخلاف الكتاب الأدبي بكتب الشريعة.

تعودنا أن ننسى ماضينا، أن نسعى لمحوه، لكن هذا العام لا خيار لنا سوى العودة إليه، إلى استحضاره، فنحن نحيا حياة مع وقف التنفيذ، حياة مرجأة، ماضينا يحيا وحاضرنا يضمر، صار للماضي لذة، طعم، رغبة ملحة في العودة إليه، كي نثبت أننا ما زلنا على قيد الحياة.

لقد زاد التدين في الجزائر ويتعسر كبحه، لذلك لم نتفاجأ أن شاهدنا إماما، قبل أيام، يتهجم من منبر مسجد، على أساتذة المدارس، إمام بمستوى تعليمي ضئيل، ينعت أساتذة بكلام مسيء، ففي الجزائر، في كل حي سكني، في كل قرية، في كل زاوية من مدينة، صار الإمام رجل حكمة، في نظر الناس، يلجؤون إليه طلبا للرأي وللاستشارة وللدواء أيضا، قناعة منهم أن من يفقه في الدين فهو يفقه في شؤون الحياة كافة، بينما من يحمل شهادات، مهما علت، يظل ناقصا ما لم يتمها بالدين. جزائر كافكاوية تؤمن بالغيبيات أكثر من إيمانها بالملموس، لا يزال فيها من يؤمن بأن الجائحة ليست سوى مؤامرة، لكنه يرجو معونة من مخابر الصيدلة في الغرب.
لم يخفف عنا وطأة الحجر سوى مواقع التواصل الاجتماعي، كنت في ما مضى أتصفح حسابات رياضية، أخبار الكرة، أخبارا عامة، فيديوهات مسلية، لكن هذا العام أدمنت صفحات معتقلي الرأي، صرت أعرف أسماء كل المعتقلين، أتابع أسماء وصور الواصلين إلى السجون، يوما بيوم، أتابع أخبارهم، تعليقات عنهم، صرت صديقا لهم، صرت صديقا لشباب سيقوا إلى السجون، بحجة أنهم عبروا عن رأيهم. زهير، محمد، العيد، طارق، يوسف وآخرون، انضموا إلى قبيلة أصدقائي وأنا لم ألتقهم يوما، التقيت فقط صورهم، صور أمهاتهم أو اخوتهم وحزنا لا يفارق أعينهم، صرت صديقا للعالقين في السجون، أتخيل حياة لهم في عزلتهم، أتخيلهم وهم يستفيقون صباحا، يقضون أيامهم في ملل، أقتفي أثر صبرهم من تصريحات محامين، ومن خفة دمهم في تناسي المحن بمجرد خروجهم من المحاكم. المحامون أيضا صاروا أشهر من لاعبي المنتخب، أكثر حضورا من حضور رياض محرز في مباريات مانشستر سيتي، يراوغون ويسعون إلى الإفراج عن المعتقلين أفضل من مراوغاته، التي تكاد أن تكون من الماضي. هكذا كان عامنا في عبثية كافكاوية، في خروجه عن المألوف، في بطئه، نشعر كما لو أنه أطول عام في هذه الألفية الجديدة، نعد الأيام كي ينتهي، مع علمنا أن 2020 قد تمتد بلا خجل إلى العام المقبل، أن 2020 صورة أصلية سوف نعيش سنوات مُطابقة لها في المستقبل، نعيشها متسمرين في أمكنتنا، ممنوعين من الحركة، نعيشها مستأنسين بأرشيفنا وماضينا، نقلب في صور وذكريات من سنوات كان فيها الإنسان حرا في كلامه، لا يسحبه إلى سجن، وحرا في صعلكته، غير محكوم بقوانين الجائحة.
تعودنا أن ننسى ماضينا، أن نسعى لمحوه، لكن هذا العام لا خيار لنا سوى العودة إليه، إلى استحضاره، فنحن نحيا حياة مع وقف التنفيذ، حياة مرجأة، ماضينا يحيا وحاضرنا يضمر، صار للماضي لذة، طعم، رغبة ملحة في العودة إليه، كي نثبت أننا ما زلنا على قيد الحياة. ننتظر 2021 ونحن ننبش الأرشيف ونشطب الوقت الضائع الذي قضيناه في 2020.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية