بغداد ـ «القدس العربي»: دخل قرار وزارة المالية ومؤسسة البنك المركزي العراقي، أمس الأحد، القاضي برفع قيمة العملة الأجنبية (الدولار) مقابل الدينار العراقي، حيز التنفيذ، وسط موجة انتقادات سياسية وشعبية شديدة، لتأثيرات الخطوة، على الفئات «الفقيرة» ومتوسطة الدخل في العراق، مذكّرين بفترة الحصار الاقتصادي التي عانى منها الشعب في تسعينيات القرن الماضي، ملوحين باستجواب وزير المالية علي علاوي في البرلمان، على خلفية «تدهور» سعر العملة العراقية، و«فشله» في إدارة الوزارة.
ويتبنى النائب عدي عواد، عن كتلة «صادقون» بزعامة قيس الخزعلي، حملة لجمع تواقيع برلمانية لاستجواب الوزير.
ودعا في كتابٍ رسمي أمس، رئاسة مجلس النواب إلى «تحديد موعد عاجل لجلسة الاستجواب، وأن تكون في أول جلسة بعد استئناف مجلس النواب جلساته، وأن يكون قبل انزلاق سوق صرف العملة إلى مراحل لا يمكن السيّطرة عليها».
وبين أن «طلب الاستجواب جاء لإخفاق وزير المالية في إيجاد الحلول للأزمة المالية، ولجوئه إلى أساليب تمس أبناء الشعب العراقي المظلومين بالتلاعب بسعر صرف العملة العراقية، وكأنه وزير مَالية لدولة أخرى، وكذلك محاسبته على فشله في أداء مهامه كوزير مالية والتي تسببت في هدر بالمال العام» وفقاً لتعبيره.
وبالإضافة إلى رفع قيمة الدولار أمام الدينار العراقي، وما ستلقيه من نتائج سلبية تسهم في رفع أسعار السلع والمواد الأساسية في الأسواق، تعتزم الحكومة أيضاً تقليل مخصصات الموظفين، كإجراء من شأنه تقليل العجز المالي الكبير في موازنة 2021، المقرر إرسالها إلى البرلمان قريباً.
وحسب، النائب عن كتلة «العصائب» فاضل الفتلاوي، فإن «عملية تسريب ارتفاع أسعار الدولار مقابل الدينار مخطط له لجس نبض الشارع العراقي».
وأضاف، في بيان صحافي أمس، أن «الهدف من وراء ارتفاع الدولار التأثير سلبا على واقع ذوي الدخل المحدود وشريحة الفقراء».
ووفقاً للفتلاوي فإن «تحديد سعر الصرف بـ 1450 (ديناراً مقابل الدولار الواحد، بعد أن كان 1200 دينار) طريقة غير مدروس من قبل الجهات المختصة ويراد منها تجويع الشرائح الفقيرة» داعيا السلطة التشريعية إلى «الوقوف بوجه أي محاولات من شأنها إعادة العراقيين إلى فترة الحصار الاقتصادي إبان تسعينيات القرن الماضي».
وطالب بـ«استدعاء ومحاسبة الجهات التي عملت على تسريب موازنة 2021 قبل إقرارها وإرسالها إلى مجلس النواب».
حربٌ على الفقراء
كذلك، أعلن ائتلاف «النصر» برئاسة حيدر العبادي، رفضه لإجراء تخفيض قيمة الدينار العراقي وتقليل دخل المواطن، والذي لن يعالج الأزمة على المستوى المنظور، معتبراً أن الإجراء الحكومي، «حرب» على الفقراء وذوي الدخل المحدود، وسيفتح الباب واسعاً أمام التضخم، وقد لا يمكن الحفاظ على استقرار العملة.
«نتائج غير محمودة»
وقال الائتلاف في بيان صحافي أمس، إن «هذه الإجراءات واستمرار الانفاق غير المسؤول في بيئة بيروقراطية فاسدة ومترهلة وفوضوية، ووسط تواضع البنى التحتية والخدمات التي تعتبر عماد الأنشطة الاقتصادية والصناعية والزراعية ستؤدي إلى نتائج غير محمودة. ونخشى من عدم القدرة على التحكّم بسعر صرف الدينار وسط هذه الظروف، فكما هو معروف فإنَّ سياسة سعر الصرف سياسة تعمل بجانب سياسة نقدية ناجحة، ووجود ميدان فعّال للأسواق المالية، وهذا غير متوفر حاليا مما يضطر البنك المركزي إلى استخدام العملة الأجنبية للسيطرة على السيولة وعلى مستويات عرض النقد بدل الاعتماد على سياسة حكومية فعالة في ضبط الانفاق وتحفيز الاقتصاد».
وأضاف أنه «كان يمكن للحكومة اتباع إجراءات أفضل وأقل تكلفة لتجاوز الأزمة المالية، منها: تحفيز الاقتصاد وتشجيع الاستثمار وخلق فرص عمل، بدل ما يحصل حاليا، وتقديم موازنة تضغط فيها الانفاق غير الضروري كالتي قدّمتها حكومة العبادي للأعوام 2015 ـ 2018 والتي قامت على تحديد الأولويات وضغط النفقات ومنع الهدر. لقد استطاعت حكومة العبادي وقتها ورغم ظروف الحرب وانهيار أسعار النفط لأكثر من ثلاث سنوات متتالية من تجاوز الأزمة بأقل الخسائر، وأثبتت سياسة هيكلة الأولويات، وضغط الإنفاق، ومنع الإنفاق غير الضروري، وضبط نافذة بيع العملة، والتحكم بالمضاربات، وتعظيم الواردات الداخلية للدولة، وتقليل رواتب وامتيازات المسؤولين، أثبتت نجاعتها بتجاوز الأزمة، وقد حافظت على سعر صرف الدينار، وأمّنت الرواتب، حمت الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل، وحافظت على الانفاق الأساسي والضروري وأنجزت مهامها بالتحرير، وباشرت بأعمال إعادة الاستقرار والبناء، وسلّمت الحكومة التي تلتها قرابة 14 مليار دولار كفائض ورفعت التصنيف الائتماني للعراق عالميا رغم أن الأزمة المالية الخانقة استمرت لاكثر من ثلاث سنوات متتالية وكانت معدلات سعر البرميل أقل من السعر الحالي».
«العصائب» تذكّر الحكومة بفترة حصار التسعينيات وتسعى لاستجواب وزير المالية
ودعا، إلى «إعادة العمل بإجراءات حكومة العبادي لتفادي الأزمة المالية الحالية، فهي تجربة ناجحة وممكنة وقابلة للتوظيف، بدل اعتماد سياسة إنفاق هدري وخفض سعر الصرف أو اللجوء لسياسة الاقتراض المفتوح أو تقليل الرواتب ورفع غطاء الحماية عن الطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود».
«حكم فعال»
وأشار إلى أن «التأسيس للإصلاح وتجاوز الأزمة الحالية لا يمكن أن يتحقق إلاّ بحكم فعّال متحرر من التخادم السياسي المصالحي، والاقتصاد كما الخدمات والأمن والسيادة، لن ينهض في ظل تشظي الحكم وتنازع مراكز القرار وتسيد الأطراف على المركز، وفي ظل استقواء الكل على الدولة ووحدة وإلزامية سياساتها وقراراتها، ولن يتنفس الاصلاح الصعداء في ظل الإقطاعيات السياسية وابتلاع الدولة حزبياً تحت عناوين المحاصصة».
وضمن موجة الرفض لإجراءات حكومة الكاظمي، أكد حزب «الدعوة الإسلامية» بزعامة نوري المالكي، أن «تغيير سعر صرف الدولار لن توصل البلد إلى بر الأمان» داعيا الوزراء المعنيين بالملف الاقتصادي والمالي إلى «تحمل مسؤولياتهم والتعامل بوضوح مع الأزمات التي يواجهها البلد». وقال الحزب في بيان صحافي، إن «إجراءات وزارة المالية والبنك المركزي بتغيير سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار، يؤثر سلبيا على الموظفين والفقراء وغيرهم» معتبرا أن «هذه السياسة الاقتصادية لن توصل البلد إلى بر الأمان، أو تفكك الأزمة الاقتصادية الخانقة التي باتت تسحق شرائح عدة من المجتمع، وسينجم عنها اختلالات على الأصعدة كافة».
حلول ترقيعية
ودعا الحزب، الحكومة إلى «البحث عن وسائل أخرى أكثر نجاعة وأقل ضرر في معالجة نقص الإيرادات وخفض العجز في الموازنة واللجوء إلى الاستدانة المستمرة» مشيرا إلى أن «تجربة الحلول الترقيعية، والتمسك بمنهج عقيم غير مجدي في مقاربة الأزمات التي تنذر بردود فعل شعبية غاضبة».
وأكد أن «إفراغ جيوب المواطنين لن تحرك عجلة الإصلاح الاقتصادي، وندرك أن البلد يمر بظروف اقتصادية صعبة لأسباب كثيرة» موضحا أن «الطريق الصحيح للتعاطي مع هذه الأزمة ينبغي أن يكون بعيدا عن التأثير الاقتصادي على المواطنين». وطالب الحزب، الوزراء المعنيين بالملف الاقتصادي والمالي بـ«تحمل مسؤولياتهم والتعامل بوضوح مع الأزمات التي يواجهها البلد، لاسيما أن مهام الحكومة توفير الحياة الكريمة للمواطنين وعدم المساس برواتب الموظفين حتى لا يكونوا ضحية للإدارة السيئة للملفات الاقتصادية» مشددا على ضرورة «البحث عن مخارج واقعية للأزمة الحالية تتناسب مع وضع العراق وظروف شعبه».
ودعا الحزب، الحكومة والقوى السياسية الوطنية، إلى «التعاون وتكثيف حواراتها الجدية من أجل دعم مسارات جديدة لتطويق الأزمة الاقتصادية وعبور هذه المرحلة الحرجة وبأقل الخسائر».
قرار «غبي»
في الأثناء، وصف النائب ظافر العاني، قرار الحكومة بتخفيض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار بـ«الغبي» مؤكدا أن على الموظفين أن يتعايشوا مع ربع قيمة دخلهم الشهري السابق.
وقال، في «تغريدة» له على «تويتر» أمس، إن «بقرار واحد خفضت الحكومة ربع قيمة الدينار وقلصت المرتبات إلى أكثر من 25 ٪ وستزداد قيمة البضائع بأكثر من 25 ٪».
وأضاف: «هذا يعني أن على الموظفين أن يتعايشوا مع ربع قيمة دخلهم الشهري السابق، لذا على الجميع التصدي لهذا القرار الغبي وإلغاءه وإلا فسيشهد العراق موجة اضطرابات شعبية ومشاكل جمة».
«سرقة علنية»
فيما اعتبر السياسي ليث شبر، قرار تخفيض قيمة الدينار «سرقة علنية للعراقيين بطريقة قذرة».
وقال إن «خفض الدينار العراقي بهذه الطريقة القذرة هو سرقة علنية من العراقيين بل هو أكثر من ذلك إنه استخفاف بهم وبحياتهم وبالتزاماتهم وفي الوقت نفسه هو محاولة جديدة لإذلالهم وأهانتهم وانتهاك كرامتهم وهو فعل لا يمكن السكوت عليه». في حين، أكد النائب السابق مشعان الجبوري، أن الشعب العراقي يدفع ثمن تجاهله للسياسات المالية الغبية للحكومات المتعاقبة.
وقال في حسابه على «تويتر» إن «على من يعارضون القرارات الجديدة التي اتخذتها الحكومة سواء تخفيض قيمة الدينار ومخصصات منتسبي الدولة أن يقدموا خطة لإجراءات بديلة تضمن دفع الرواتب وتلبية حاجات الدولة التي لا غنى عنها». وتابع: «أعتقد أن الشعب يدفع ثمن تجاهله للسياسات المالية الغبية للحكومات المتعاقبة والفساد الذي استشرى فيها».
ويصرّ نواب في البرلمان العراقي، على الوقوف بوجه مشروع قانون موازنة 2021 المقرر وصوله من الحكومة إلى مجلس النواب قريباً، ورفض الفقرات «المسربة» منه المتعلقة بخفض مخصصات الموظفين.
المواطن كبش فداء
النائب عن ائتلاف «دولة القانون» منصور البعيجي، قال في بيان له، أمس، إن «من غير المعقول أن يتم استقطاع رواتب الموظفين ويكونوا كبش فداء لقرارات متخبطة. كان الأجدر بمن أصدرها أن يتحرك لقطاعات أخرى يصلح بها الوضع الاقتصادي للبلد وليس التوجه الى رواتب الموظفين الشريحة الأضعف في البلد».
وأوضح أن «الحكومة توجهت إلى أبسط وأسهل الحلول بعملية الإصلاح، وهي رفع سعر الدولار واستقطاع رواتب الموظفين في موازنة العام المقبل».
وأضاف أن «مجلس النواب لن يمرر الموازنة إذا كان فيها استهداف للموظفين واستقطاع لرواتبهم بهكذا طريقة تعسفية».
وأشار إلى أن «أغلب الموظفين في البلد رواتبهم متدنية جدا ولا تتجاوز 500 ألف دينار (نحو 350 دولاراً بعد القرار الأخير) شهريا، وفي حال استقطاع أي مبلغ منها يتعرض الموظف البسيط إلى كارثة إقتصادية».
حل آخر
ودعا عضو لجنة الزراعة النيابية، الحكومة إلى «مراجعة قراراتها فيما يخص استقطاع الرواتب، وأن تجد حلاً آخر لأننا لن نمرر فقرة استقطاع الرواتب بالموازنة مهما كان السبب».
ويتفق مع البعيجي، النائب عن كتلة «الاتحاد الوطني الكردستاني» طه حمه أمين، الذي أكد لإعلام حزبه، أن ارتفاع سعر الدولار وأنباء تخفيض رواتب أو مخصصات الموظفين «قرارات لن يقبل بها مجلس النواب وسيرفضها بالتأكيد».
وأضاف أن «قرار رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار من قبل البنك المركزي خطوة كارثية، وتضر كثيرا بأصحاب الدخل المحدود، وستكون له تاثيرات سلبية كبيرة جدا على المواطنين».
وأوضح أن «أغلب الكتل النيابية ترفض هذا القرار، كما ترفض أي محاولة لتخفيض رواتب الموظفين، كما أن بعض الكتل النيابية طلبت خلال جلس يوم (السبت) بإقالة حكومة الكاظمي على خلفية قرار رفع سعر صرف الدولار».
وناقش مجلس النواب خلال جلسته التي عقدها أول أمس، المطالبة بعقد مؤتمر اقتصادي موسع يحضره خبراء ومختصين في الشأن الاقتصادي يسهم في إيجاد الحلول والبدائل لسياسة مالية رصينة وتخفف العبء على المواطنين، والدعوة الى استضافة رئيس الوزراء ووزير المالية ومحافظ البنك المركزي في جلسة خاصة للوقوف على أسباب صعود سعر صرف العملة الرسمي وتداعياته على معيشة المواطن العراقي، والمطالبة بعدم المساس برواتب الموظفين والمتقاعدين.
عملية قيصرية
ويعدّ رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الإجراءات الحكومية الأخيرة أنها «عملية قيصرية للإصلاح» محذّراً من خيار دخول العراق في فوضى عارمة.
وأوضح الكاظمي خلال ترؤسه جلسة مجلس الوزراء الاستثنائية، أول أمس، لمناقشة الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية / 2021 أنه «منذ عام 2003 نعاني من التأسيس الخطأ الذي يهدد النظام السياسي والاجتماعي بالانهيار الكامل».
وتابع: «إما انهيار النظام والدخول في فوضى عارمة، أو ندخل في عملية قيصرية للإصلاح» لافتا إلى أن «من غير المعقول أن نخضع لمعادلة الفساد السابقة».
وقال: «إما أن نصحح الأوضاع أو نضحك على الناس» موضحا: «الأزمة السياسية في العراق مرتبطة بثلاث قضايا، هي السلطة والمال والفساد، ونعمل على معالجة الأزمة من منطلق اقتصادي، وبقرار جريء لتذليل عقبتي الفساد والمال».
وأكد: «أنا أول المتضررين من الموازنة المقبلة، حيث سأتعرض الى انتقادات عديدة» مبينا أن «كان من الممكن أن أدخل للانتخابات وأخدع الناس، لكن ضميري لا يسمح لي فعل ذلك».
وأوضح أن «ليس مسموحا أن يتردد أحد، والذي يخاف مكانه ليس في مجلس الوزراء، وعلينا أن نكون على قدر المسؤولية، كونها قضية تاريخية ومفصلية».
وفي رد على انتقادات الكتل السياسية وبعض البرلمانيين بشأن قرار وزارة المالية برفع سعر صرف الدولار، دافع الوزير علي علاوي عن القرار معتبراً أن القرار «يحظى بتأييد القوى السياسية والبرلمانية والفعاليات الاقتصادية التي شاركت مع الحكومة في نقاشات مطولة للتوصل إلى هذا الإجراء».
علاوي في بيان صادر عن مكتبه الاعلامي، اعتبر ايضا أن هذه القرار «يحظى بتأييد الجهات الدولية المختصة ومنها صندوق النقد الدولي الذي وعد بتخصيص مبالغ كبيرة لمواجهة انعكاسات الجائحة على الفئات الهشة».