الفنون في البلاد المغاربية: غياب المهرجانات الكبرى في عام الأوبئة والحروب

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس-“القدس العربي”: لم تعرف الساحة الثقافية المغاربية ركودا كالذي شهدته هذا العام بعد أن تأجلت أغلب الأنشطة والتجمعات الثقافية من قبل الحكومات المغاربية بسبب استفحال فيروس كورونا في كل بلدان المنطقة. وعانى المثقفون والفنانون الأمرين خلال سنة 2020 نتيجة لتوقف أنشطتهم وعروضهم على مدار السنة، خاصة وأن غالبيتهم لا مورد لهم سوى ما يجنونه كمقابل لهذه العروض الثقافية والفنية.

مهرجان قرطاج الدولي

ففي تونس، التي تعرف من قبل البعض بأنها قطب رحى الثقافة في المغرب العربي وعاصمتها، تأجل المعرض الدولي للكتاب مرتين ولم تنجح وزارة الثقافة في تنظيمه ولا في تنظيم المعرض الوطني المخصص لدور النشر المحلية. وزاد هذا التأجيل من أزمة النشر والناشرين في البلاد خاصة وأن عديد دور النشر لم تتلق هذا العام دعم وزارة الثقافة المعتاد ولم تتمكن من إصدار كتبها في الآجال رغم ارتباطها بعقود للنشر مع الكتاب والمفكرين.

وعلى غير العادة لم يعرف شهر رمضان تنظيم مهرجان المدينة الذي كان يؤثث في السابق سهرات هذا الشهر الفضيل بالعروض الفنية والموسيقى الراقية وخاصة الفن الصوفي الذي يتلاءم مع قداسة شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن. فقد حل رمضان هذا العام في ذروة الحجر الصحي الإجباري وحظر التجول الذي عاشته الخضراء بمعية بلدان أخرى خلال أشهر آذار/مارس ونيسان/أبريل وآيار/مايو، وذلك للتوقي من فيروس كورونا.

وتميزت سنة 2020 في تونس بإلغاء أعرق المهرجانات الثقافية في أفريقيا والعالم العربي، مهرجان قرطاج الدولي، وذلك لأول مرة في تاريخ هذا المهرجان الذي يقام على المسرح الأثري بقرطاج والذي استقطب أشهر نجوم العرب والعالم. وطال الإلغاء أيضا مهرجان الحمامات وهو ثاني أهم المهرجانات الصيفية في تونس والذي يقام بالمركز الثقافي بمدينة الحمامات السياحية ويستقطب سكان المدينة ومحيطها بالإضافة لجماهير المصطافين في هذا المنتجع السياحي المتوسطي.

واستأنفت بقية المهرجانات نشاطها خلال فصل الصيف مع رفع الحجر الصحي تدريجيا بالبلاد على أن لا يتجاوز عدد الحضور في كل عرض الثلاثين شخصا في الفضاءات المغلقة والألف شخص في الفضاءات المفتوحة والمهرجانات الكبرى، وذلك للوقاية من خطر عودة فيروس كوفيد-19 بعد أن نجحت البلاد في تسجيل الصفر حالة مع بداية فصل الصيف. لكن جمهور المهرجانات لم يحترم القواعد الصحية التي أقرتها الوزارة، وتوافد على المسارح ودور العرض بأعداد مهولة غير عابئ بخطر استفحال الفيروس الذي عاد بقوة بسبب الإستهتار في مختلف المجالات وليس فقط في المجال الثقافي.

وينتظم هذا العام مهرجان أيام قرطاج السينمائية، أعرق المهرجانات السينمائية التونسية والعربية والأفريقية، تحت شعار “مهرجان استثنائي يتحدى كوفيد-19 بدورة استثنائية” وهي فعلا دورة استثنائية بكل المقاييس بسبب الوضع الوبائي والإجراءات التي اتخذت من باب الوقاية. وقد حرصت الهيئة المديرة على تنظيم الدورة في موعدها لكن تأكيد السلطات الصحية التونسية على أن الفيروس سيشهد ذروته المتعلقة بالموجة الثانية خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر جعل الإدارة تؤجل المهرجان إلى موعد جديد، أي خلال الفترة المتراوحة بين 18 و 23 كانون الأول/ديسمبر.

وللإشارة فقد تم التخلي هذا العام في مهرجان أيام قرطاج السينمائية عن المسابقات والجوائز تجنبا للاحتكاك بين مختلف المشاركين، ويقتصر الأمر على العروض التي يحضرها عدد محدود من محبي السينما مع احترام التباعد الجسدي والبروتوكولات الصحية التي أقرتها وزارة الصحة التونسية. وحتى تذاكر الدخول إلى دور العرض والقاعات تم الاستغناء عنها خشية من لمسها من قبل عدد من الأشخاص وهو ما يضاعف من خطر الإصابة بكورونا، وبالتالي سيكون الدخول إلى قاعات السينما مجانا مع الحفاظ على العدد المحدود للحضور.

الموسيقى الأندلسية في الجزائر

أما في الجزائر فقد سارعت السلطات في البلاد إلى تأجيل كل النشاطات واللقاءات والتظاهرات الثقافية في إطار الإجراءات الوقائية التي تم اتخاذها بعد ظهور فيروس كورونا بداية هذا العام. وتم أيضا تأجيل الفعاليات والنشاطات المبرمجة من قبل الجمعيات والمتعاملين الخواص في المرافق التابعة لقطاع الثقافة، وقد تم تأجيل هذه الأنشطة إلى أجل غير معلوم.

وبالتالي فقد حرم جمهور الثقافة في الجزائر من مهرجانات هامة على غرار المهرجان المغاربي للموسيقى الأندلسية بقسنطينة والمهرجان الدولي للمالوف بنفس المدينة، ومهرجان السينما العربية في وهران ومهرجان الجزائر الدولي للسينما وغيرها. كما تأجل أيضا معرض الجزائر الدولي للكتاب خاصة الذي تزامن مع تفشي فيروس كورونا في البلاد.

إلا ان إيقاف أهم التظاهرات الثقافية لم يمنع من تنظيم بعض الأنشطة الافتراضية أو الأنشطة التي تتم بحضور جماهيري محدود من حيث العدد على غرار لقاء نظم في الجزائر العاصمة حول أعمال الكاتب الجزائري الكبير محمد ديب بمناسبة مئوية ميلاد هذا الكاتب، وكان اللقاء في إطار تظاهرة ثقافية تمت بحضور جماهيري محدود العدد توقيا من فيروس كورونا. كما تم على سبيل المثال أيضا تنظيم صالون دولي افتراضي إلكتروني للصورة الفوتوغرافية بمدينة تلمسان وتم خلال هذه التظاهرة عرض مختلف الصور الفوتوغرافية التي تخص التراث اللامادي والمعالم الأثرية والفنون التشكيلية. وشارك في هذه التظاهرة قرابة 600 مصور من محترفين وهواة من 26 بلدا وغيرها.

وبالتالي يمكن القول إن الجزائر عرفت هذا العام سنة ثقافية استثنائية خالية أو تكاد من العروض والتظاهرات الكبرى المعروفة والمألوفة والتي ذاع صيتها خلال السنوات الماضية، واقتصر الأمر على أنشطة محدودة العدد والحضور الجماهيري، وكذا بعض التظاهرات الافتراضية، التي مثلت متنفسا للمثقفين في بلد المليون شهيد في غياب الأنشطة الأصلية التي من المرجح أن تستأنف خلال سنة 2021.

المهرجان الدولي للفيلم في مراكش

وألغيت في المغرب أيضا سنة 2020 أهم التظاهرات الثقافية التي ذاع صيتها عبر العالم، على غرار المهرجان الدولي للفيلم بمراكش الذي كان مقررا منذ البداية أن ينعقد خلال الفترة المتراوحة بين 13 و21 تشرين الثاني/نوفمبر، إلا أن استفحال فيروس كورونا وانتشاره في ربوع المملكة المغربية حتم إلغاء الدورة 19 من هذا المهرجان الفني، وكانت دورة 2019 قد ألغيت بدورها لأسباب مادية بحتة. كما تم إلغاء مهرجان موازين إيقاعات العالم، وهو المهرجان الموسيقي الذي يقام في مدينة الرباط، العاصمة السياسية للمغرب، وقد كان مقررا ان يقام فيها خلال الفترة المتراوحة 19 و27 حزيران/يونيو 2020.

التراث الليبي

وفي ليبيا فإن الأنشطة الثقافية تكاد تكون منعدمة منذ عشر سنوات فما بالك بهذا العام الذي شهد انتشار فيروس كورونا من جهة والحرب وما صاحبها من تدخلات خارجية. فقد عرفت ليبيا سابقا بشعرائها الفطاحل وموسيقييها الأفذاذ ومغنييها الذين أبدعوا في إنشاد التراث الليبي وكذا فرسانها وعروضهم اللافتة من على ظهور الخيول في مختلف المهرجانات المحلية. لكن هؤلاء غابوا اليوم عن الساحة وأصبحت لغة البارود والقتل والدمار هي الطاغية اليوم على المشهد العام في انتظار أن تستقر الأوضاع وتعود ليبيا إلى سالف عهدها.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية