في بعض الأحيان تختلف أهمية أحد الكتب السياسية الطابع بالنسبة للقراء في منطقة من العالم بالمقارنة مع أهميته بالنسبة إلى منطقة أخرى.
إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على كتاب صدر مؤخراً بالفرنسية بعنوان “جو بايدن، الرهان على أمريكا المُعارضة لترامب” كتبته الخبيرة صونيا دريدي، المراسلة في واشنطن لعدة مؤسسات إعلامية فرنسية، والذي اعتمدت فيه على مقابلات مع كبار معاوني الرئيس الأمريكي المنتخب والذي يتسلم منصبه في 20 كانون الثاني (يناير) الجاري.
سبب الاهتمام الكبير بهذا الكتاب هو أن معظم سكان وقادة العالم (في قاراته المختلفة) يودون معرفة كيف سيتعامل بايدن مع ما “ارتكبه” الرئيس السابق الخاسر دونالد ترامب من تعقيدات سياسية واقتصادية وإنسانية في أمريكا والعالم، وهل سيعيد الرئيس الجديد بلاده إلى اتفاقيات سياسية وغير سياسية انسحبت منها الولايات المتحدة في عهد ترامب أو يبقيها كما كانت أو يعدلها؟ وهل ستكون سياسات بايدن نسخةً طبق الأصل عن سياساته عندما كان نائباً للرئيس السابق باراك أوباما في رئاستيه بين عامي 2008 و2016؟
الأمر اللافت هو أن بايدن، وقبل اختيار أوباما له كنائب للرئيس، عمل كسيناتور في مجلس الشيوخ ممثلاً ولاية ديلاوير (تقع في وسط البلاد) منذ أن كان في الثلاثين من عمره، وهو الآن في الثامنة والسبعين. وتسلَم مناصب هامة جداً في قطاعي العدل والسياسة الخارجية في الكونغرس ممثلا الحزب الديمقراطي الأمريكي قبل أن يوكل أوباما إليه التركيز على الشؤون الخارجية، بما في ذلك قضايا الشرق الأوسط كنائب للرئيس، علماً ان أحد أسباب فوز أوباما بالرئاسة للمرة الأولى عام 2008 كان دوره في معارضة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بقيادة الرئيس جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني وأعوانهما من المحافظين الجدد.

وبالتالي، أعطى أوباما لنائبه مهمة من أصعب المهمات، لم يكن من السهل عليه تنفيذها بنجاح كامل، حسب المؤلفة، وهي مهمة ترتيب الأوضاع في العراق بعد فوضى الغزو الأمريكي له.
تقول دريدي، في الفصل السابع عشر من الكتاب، إن بايدن الذي يمثل الجناح المحافظ في الحزب الديمقراطي الأمريكي صوّت في عام 2002 كسيناتور في مجلس الشيوخ مع شن الحملة العسكرية الأمريكية ضد العراق مقتنعاً بأن العراق (بقيادة لرئيس صدام حسين) كان يملك أسلحة الدمار الشامل ولكنه بدأ بالتحفظ إزاء هذا الموقف في عام 2004 واقترح في عام 2006 تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات مستقلة، أحدها سني الأكثرية والثاني شيعي والثالث كردي. ولكن معاوني باراك أوباما الآخرين تحفظوا إزاء هذا المشروع بعد وصول الحزب الديمقراطي إلى الرئاسة في عام 2008 بقيادة الرئيس أوباما لصعوبة تحديد تلك الكيانات جغرافياً وإنسانياً ولمشكلة اختيار الجهة التي ستقوم بمثل هذا التقسيم المعقد بعدالة وخبرة وتوازن.
وقد قام بايدن بزيارات عديدة إلى العراق منذ عام 2009 والتقى القادة هناك بصفته نائبا للرئيس، لكن مساعد السفير الأمريكي في بغداد آنذاك (بين 2008 و2010) روبرت فورد انتقد دعم بايدن بقاء المسؤول العراقي نوري المالكي في منصبه كرئيس للحكومة حتى بعد خسارته (أي المالكي) للانتخابات التشريعية لعام 2010. وبقي المالكي في هذا المنصب حتى عام 2014.
كما تعرض بايدن للانتقاد على اقتراحه لأوباما بسحب 45 ألف جندي أمريكي من العراق عام 2011 مما اعتبرته بعض الجهات تسهيلاً لعمليات المنظمات الجهادية الإسلامية المتطرفة المسلحة في توسيع سيطرتها في العراق وسوريا (ص 289 ـ 291).
وقد عارضَ وتحفظ على خطوات بايدن في العراق سياسيون أمريكيون مخضرمون كوزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت غيتس، وأشاروا إلى أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في العراق يشكل خطراً على المنطقة برمتها. وهذا أمر لم تتفق عليه حتى الساعة جميع القيادات العراقية والإقليمية ولا كل الجهات الأمريكية والدولية.
وحالياً، يتساءل كثيرون كيف سيتصرف بايدن في سياساته الخارجية في العراق وسوريا وفلسطين إسرائيل ومع إيران؟
تقول المؤلفة إن كبار معاوني بايدن السابقين في فترة رئاسة أوباما ونيابته للرئاسة تم تعيينهم في الفريق الرئاسي الديمقراطي الجديد: وأبرزهم طوني بلينكن الذي عينه بايدن وزيراً للخارجية بعدما كان مستشاره للشؤون الخارجية عندما كان نائباً للرئيس وبعدما كان الرجل الثاني في “مجلس الأمن القومي” في عهد أوباما. وهناك أيضاً جايك ساليفان الذي شارك هو وبلينكن ووليام بيرنز (نائب وزير الخارجية السابق) في المفاوضات النووية مع إيران التي تمخضت عنها اتفاقية “الدول الخمس + واحد” في صيف عام 2015 والتي انسحبت الولايات المتحدة (بقيادة ترامب) منها عام 2018.
حسب ما قاله طوني بلينكن للمؤلفة في مقابلة معها جرت في صيف عام 2020 فإن بايدن سيعيد الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران ولكن ذلك لن يزيل حذر أمريكا إزاء التعامل الخشن للنظام الإيراني مع خصومه في الداخل وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً وخلقه حالة من عدم الاستقرار فيها. وأضاف بلينكن “إذا إمتثلت إيران لتعهداتها في شأن الاتفاق النووي سنمتثل بدورنا لذلك” (ص 298).
أما بالنسبة إلى العلاقة مع إسرائيل لن يقوم بايدن بتغييرات راديكالية، ولكنه سيكون أكثر انتقاداً لبعض سياساتها. ومع أنه سيتبع السياسة التقليدية للحزب الديمقراطي الأمريكي المؤيدة لحل الدولتين في فلسطين وإسرائيل، فانه سيُطعّم هذه السياسة بمواقف الجناح الشبابي اليساري للحزب إزاء فلسطين وبطروحات عضوات عربيات الأصل في الكونغرس حول هذا الموضوع كإلهان عمر ورشيده طليب. وأضاف: “كان بايدن صديقاً لنتنياهو في السنوات الماضية، ولكنه الآن، وفي عام 2020 شعر بخيبة أمل بسبب تصاعد سياسات رئيس الحكومة الإسرائيلية اليمينية التوجه في كل المجالات وانتقد التأييد الأعمى والمتسرع وغير المشروع من ترامب لنتنياهو وسعي ترامب المبالغ فيه لجذب العدد الضخم من الناخبين الإنجيليين الأمريكيين المتعاطفين مع إسرائيل لتأييده في الانتخابات الرئاسية. وهذا الأمر يضر (برأي بايدن) بمصلحة أمريكا” (ص 299).
وأضاف بلينكن: “كان بايدن يفضل عدم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، من دون اتفاقية سلام شاملة، ولكنه لن يلغي خطوة النقل تلك بل سيركز على أهمية إعادة إحياء مشروع الدولتين وإزالة ما يجعل ذلك صعب التحقيق وسيفتح قنصلية أمريكية في القدس الشرقية وسيعارض توسيع وزيادة الاستيطان خصوصاً في مناطق حساسة ومرتبطة بالأردن” (ص 299 و300).
أما بالنسبة إلى العلاقة مع المملكة العربية السعودية، فأكد بلينكن بأن نظام بايدن: “لن يتصرف وكأن شيئاً لم يحصل ضد حقوق الإنسان في منطقة الخليج، فبايدن نجح بدعم من بيرني ساندرز واليزابيث وارن وغيرهما من يساريي الحزب الديمقراطي، وهؤلاء يشجبون التعديات على الشعب اليمني واغتيالات أصحاب الرأي الآخر كاغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول في خريف عام 2018. وسيُضبطُ تسليح بعض الدول الخليجية بأسلحة أمريكية عندما ترتكب هذه الدول سياسات قمعية في اليمن وغيرها مما قد يغير علاقة الحماية التقليدية للسعودية وبعض الدول الخليجية التي قدمتها الولايات المتحدة لها منذ أيام الرئيس فرانكلين روزفلت بعد الحرب العالمية الثانية (ص 295).
وأكد بلينكن للمؤلفة بأن بايدن سيعيد مصداقية أمريكا في العالم وسيتحفظ إزاء التعاون مع قادة عالميين وشرق أوسطيين ديكتاتوريين على حساب القادة الديمقراطيين، وسيتجنب التخلي عن الحلفاء من بين القادة الملتزمين حقوق الإنسان وسيحاول عدم إضعاف هؤلاء بعدما قوّى ترامب خصومهم. وقبل ذلك سيحاول بايدن إعادة الديمقراطية إلى بلدنا (أمريكا) التي تلاشت نسبياً مع ترامب” (ص 297).
عن سوريا، قال بلينكن “من الخطر اعتماد سياسات متقلبة إزاء الوجود العسكري الأمريكي في شرق البلد بحسب أهواء الرئيس (كما في عهد ترامب) ومن الأفضل دعم مصالح جميع الفئات السياسية والاثنية والدينية هناك لكي لا تنشأ الصراعات الميدانية الحادة فيما بينها” (ص 298). وشدد على ضرورة إعادة تعزيز الروابط مع أوروبا وعلى العودة إلى المنظمات الإنسانية الدولية التي انسحب ترامب منها. أي ان بايدن، في رأي بلينكن، سيعتمد الحلول الدبلوماسية لمعالجة مشاكل الشرق الأوسط والعالم.
من المفيد لدى مراجعة هذا الكتاب العودة إلى فصوله الأولى، التي تناولت الحياة الشخصية لبايدن. فقد واجه صدمات إنسانية موجعة وهو في قمة عمله إذ فقد زوجته الأولى نيليا وابنته ناعومي (13 شهرا) في حادث سير مروع في الفترة التي انتُخب فيها سيناتوراً للمرة الأولى وهو في الثلاثين من عمره. وقرر آنذاك الانسحاب من السياسة لولا دعم عائلته الكاثوليكية الوثيقة الروابط وبعض رفاقه في الحزب الديمقراطي كالسيناتور تيد كينيدي. وبعد ذلك، وفي مرحلة تالية، فُجعَ بفقدان ابنه المفضل “بو” بعد إصابته بسرطان دماغي. ولكنه عاد واستمر في عمله ممثلا الرجل الأمريكي العادي المعتدل من الطبقة الوسطى.
وقد ساهم دعم باراك أوباما له في استقطاب الأكثرية الساحقة من الناخبين الأفارقة الأمريكيين. ولولا دعم أوباما لما اختير لتمثيل الحزب الديمقراطي، إذ لو اختار الحزب مرشحاً أكثر راديكالية لربما خسر أمام ترامب، فمؤيدوه من الطبقة الوسطى صوتوا ضد ترامب ولإسقاط ترامب وليس مع اعتدال بايدن فحسب.
صونيا دريدي: “جو بايدن، الرهان على أمريكا المعارضة لترامب”.
دار نشر “روشيه” (ROCHER)
مجموعة “إليديا” (Elidia)
إمارة موناكو، عام 2020
324 صفحة.