صلاح جاهين.. الفرح والألم

مرّ الخامس والعشرون من ديسمبر/كانون الأول، بعد أن أشعل في روحي ذكرى حياة مع أعمال الشاعر صلاح جاهين. ولد في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1930. ومثلي عاش صباه وشبابه يستمع إلى «الليلة الكبيرة» في كل مولد يذهب إليه وأغاني المطربين العظام له في الإذاعة ثم التلفزيون، وحكاياته مع العندليب ومع سعاد حسني، وإنتاجه ومساهماته في الإنتاج والتمثيل في بعض الأفلام، ورسومه الكاريكاتيرية في مجلة «روزا اليوسف» و«صباح الخير» ثم جريدة «الأهرام». باختصار كان صلاح جاهين نسيما في الفضاء، يهب بالعواصف الممطرة، مطرا يحلق بنا في السماء، وبالرياح التي تأخذ قلوبنا إلى مدارات الأمل والبهجة والفرح. لكن أحد أصدقاء العمر وهو الفنان أحمد عز العرب، نشر أكثر من رباعية لصلاح جاهين على تويتر. فوجدت نفسي استعيد أياما وليالي مع الرباعايات في نهاية السبعينيات بالضبط عام 1979، حيث قضيت تقريبا عاما كاملا أسمعها بصوت علي الحجار وموسيقى العابر في السماء سيد مكاوي، وهو بالمناسبة الموسيقار الذي لم يفارق صلاح جاهين، فهو ملحن «الليلة الكبيرة « و«على اسم مصر» وغيرها. لا أعرف سببا لقضاء عام كامل في الليل أسمع الرباعيات، غير أني كنت أسكن مع صديقي الراحل المخرج سامي صلاح، في شقة صغيرة في منطقة الهرم، أو فيصل في ما بعد، ولم تكن هناك إلا بنايات قليلة، وحولنا تمتد الأراضي الزراعية.
هل كان الاتساع حولي هو السبب في الهيام مع الرباعيات؟ لكن السبب الآخر هو هيامي بالأفكار الوجودية والاغتراب في هذا العالم، وتجليات ذلك في الأدب العالمي كثيرة، ليس هذا مكانها من قبل ظهور الوجودية كمذهب فلسفي وبعده.
كان السبب الذي جعلني أميل إلى هذا الفكر، أو قل الإحساس وهو تعبير أفضل، قراءتي في سن صغيرة، خمس عشرة سنة، لكتاب للمفكر علي أدهم، رأى في إحدى مقالاته بذورا وجودية في الشعر العربي عند المتبني مثل «يموت راعي الضأن في جهله ميتة جالينوس في طبه» أو عند المعري في «تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد». أو «سر إن استطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رفات العباد» وقبله في العصر الجاهلي عند طرفة بن العبد «أرَى الْعَيْشَ كنزا ناقصا كلّ ليْلَةٍ وَمَا تَنْقُصِ الأيَّامُ وَالدّهرُ يَنفد» أو «لَعَمْرُكَ إِنّ الموَتَ مَا أَخْطأَ الْفَتى لكَالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْيَاهُ في اليَدِ».
لقد وجدت هذه الافكار طريقها بشكل واسع في رباعيات الخيام، التي لا يعرف منها الجمهور ألا أغنية أم كلثوم العظيمة، وحتى في ما اختارته ولحنه رياض السنباطي فبلغ بها فضاء السماء، كان يشير إلى أن هذا العالم زائل، ونحن أول من سيزول فيه. لقد امسكت هذه المعاني بروحي منذ قرأت كتاب علي أدهم الذي نسيت عنوانه، لكنني لم أنسَ كيف تحولت إلى القراءة في الفلسفة، وأمسكت في الاغتراب، أو أمسك بي وليس هنا مجال الكتابة في هذا. وضحكت وأنا أتذكر المرة الوحيدة التي قابلت فيها صلاح جاهين.. كان عام 1971 أو 1972 لا أذكر بالضبط، كنت طالبا في كلية الآداب في الإسكندرية، وكانت قد أقامت ندوة لصلاح جاهين. تكدسنا على المدرج الكبير ننتظره، ووقف له عميد الكلية عبد المعز نصر، وبعض الأساتذة في باب الكلية يستقبلونه، لكنا فوجئنا بشخص نحيل يدخل المدرج، ويجلس على المنصة قائلا «أنا صلاح جاهين ياولاد اطلعوا وقولوا للعميد، إني دخلت من بينهم وماعرفونيش وماقلتش ليهم» كان عائدا وقتها من روسيا، بعد أن تم علاجه من السمنة، وفقد نصف وزنه تقريبا. انطلقنا نضحك وجرى بعضنا إلى الأساتذة. في ذلك اليوم كنت فائزا بالجائزة الأولى في مسابقة أقامتها الكلية في القصة القصيرة، وسلّم هو لي الجائزة وصافحته سعيدا، لكنني لا أنسى كيف ولماذا فعل ذلك، كيف لم يخبرهم، إنه جنون الفنانين الكبار.

كان صلاح جاهين نسيما في الفضاء، يهب بالعواصف الممطرة، مطرا يحلق بنا في السماء، وبالرياح التي تأخذ قلوبنا إلى مدارات الأمل والبهجة والفرح. لكن أحد أصدقاء العمر وهو الفنان أحمد عز العرب، نشر أكثر من رباعية لصلاح جاهين على تويتر.

رباعيات صلاح جاهين نشرت أول مرة عام 1963. بالطبع لم يكتبها في يوم واحد، وجاءت مختلفة عن كل ما كتبه فرحا بالحياة، سواء من أغان وطنية أو عاطفية أو أغان للحياة. هذا المقبل العظيم على الحياة، الذي يتنمر عليه البعض أحيانا، لا أدري لماذا لكتابته أغاني وطنية للدولة في عهد عبد الناصر ـ بالمناسبة أغنية «صورة» كانت من أبرز الأغاني الشائعة في ميدان التحرير إبان ثورة يناير/كانون الثاني، كان قبل وبعد كل شيء إنسانا فائق الإحساس، يسعده طائر يزقزق في الفضاء ويبكيه طائر وحيد، لذلك كانت الرباعيات، وهذا التامل الواسع في الوجود، على عكس ما كان يشاع ويقال في تلك الفترة من الستينيات من حديث عن الإنجازات في الحياة تقوم بها الدولة، وكانت إنجازات حقيقية كما أحب أن أكرر دائما، لكنها ضاعت مع السادات ومن بعده. على عكس ما كان يحدث ويُقال لاذ هو بالفضاء الوجودي وحيرة الإنسان واللاجدوى، التي تنتظره في الطرقات. وكأنه كان يعلق على ما يحدث من الباب الخلفي، أو حتى على ما كتبه تأييدا وتشجيعا لثورة يوليو. هذا أمر سهل قوله، لكن السبب الأكبر لهذه الراحة الوجودية هو، أولا ثقافة صلاح جاهين نفسه من ناحية، ومن ناحية أخرى ما جرى في مصر موازيا لهذا الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي إلخ، من فقد للجانب الروحي للسياسة وهو حرية الرأي. ففي ليلة رأس السنة عام 1958 ومع فجر أول يناير عام 1959 تم القبض على الآلاف من الكتاب والمفكرين والصحافيين والعمال بتهمة الشيوعية. كانت بينهم رموز رائعة في الثقافة والإعلام المصري والحياة، يضيق المقال عن ذكرهم، عرفهم وصادقهم وعمل بينهم. كانت لافتة الشيوعية هي التي يرفعها النظام في وجه معارضيه، وبها قبض على الآلاف من معارضيه وغيرهم، بشبهة المعارضة. هل كان هذا يمكن أن يمرعلى صلاح جاهين، الذي لابد نجا من القبض عليه، لأنه كاتب أغاني الثورة؟ لا يمكن أن يمر.
وبالطبع صارت الوجودية وتجلياتها الإنسانية ملاذا له فترك لنا هذا العمل العابر للزمان، الذي لا تكفي منه أي رباعية، فلابد من قراءتها وتأملها كلها وهنا فقط بعض منها:
«الكون ده كيف موجود من غير حدود
وفيه عقارب ليه وتعابين ودود
عالِم مجرب فات وقال سلامات
ده ياما فيه سؤالات من غير ردود
عجبي».
———
«أمتى الدخول يا باب يا مقفول
صبرت ياما واللي يصبر ينول
دقيت سنين والرد يرجع لي مين؟
لو كنت عارف مين كنت أقول
عجبي».
———
«سهِّير ليالي وياما لفيت وطفت
وفي ليلة راجع في الظلام قمت شفت
الخوف كأنه كلب سد الطريق
وكنت عايز اقتله بس خفت
عجبي».
———
«ليه ياحبيبتي ما بينا دايما سفر
دا البعد ذنب كبير لا يغتفر
ليه يا حبيبتي مابينا دايما بحور
أعدي بحر ألاقي غيره اتحفر
عجبي».
——–
«نوح راح لحاله والطوفان استمر
مركبنا تايهة لسة مش لاقية بر
آه م الطوفان وآهين يا بر الأمان
إزاي تبان والدنيا غرقانة شر
عجبي».

روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية