بيروت ـ «القدس العربي»: في ظل الجدل اللبناني المتصاعد حول تحوّل لبنان إلى منصّة لصواريخ حزب الله وإيران، يستمر ملف التشكيلة الحكومية معلّقاً على حبال التجاذب السياسي حول الحصص بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل ومن خلفهما حزب الله من جهة وبين الرئيس المكلّف سعد الحريري من جهة أخرى مع بروز تطور جديد هو دعوة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط زعيم بيت الوسط إلى الاعتذار عن عدم التأليف وترك مسؤولية الحكم لفريق الممانعة طالما لا قرار لنا بشيء، وطالما تحوّل لبنان إلى منصّة صواريخ.
ومع استبعاد تخلّي الحريري عن تكليفه لغاية تاريخه لاعتبارات عديدة يتعلق أبرزها باسترجاع حقّه في تمثيل الطائفة السنّية والدفاع عن صلاحيات الرئيس المكلف في تأليف الحكومة وعدم اعتبار رئاسة الحكومة مكسر عصا لأحد، فإن أي قرار بالاعتذار سيقلب المشهد من جديد وسيثير الارتباك لدى حزب الله الذي ينظر إلى وجود الحريري في رئاسة الحكومة كحاجة ظرفية للحد من ذهاب الوضع بسرعة نحو الانهيار التام اقتصادياً ومالياً نظراً لعلاقاته العربية والدولية والثقة التي تجعله يستقطب الدعم للبنان ولكن المشروط بتطبيق الإصلاحات وخريطة الطريق التي رسمتها مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ومن العوامل التي تدفع حزب الله إلى التمسّك بالحريري على الرغم من امتناعه عن تسميته أخيراً إرضاء لحليفه التيار الوطني الحر، هو تهدئة الشارعين السنّي والشيعي بعدما شهدته الأشهر الفائتة من توترات بالتزامن مع صدور الحكم في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإدانة المتهم في الحزب سليم عيّاش، وما تخللها في أحيان أخرى من اشكالات أمنية في بعض أحياء العاصمة وتمثّلت بترسيم خطوط تماس بين الأحياء السنية والشيعية، كادت تأخذ البلد إلى فتنة مذهبية لولا مسارعة القيادات المعنية إلى سحب الفتيل من الشارع وتهدئة أنصارهم.
وما يلفت في هذا الإطار، هو عدم صدور موقف عن الرئيس الحريري رداً على تصريحات قائد سلاح الجو في الحرس الثوري الإيراني واقتصار الرد على مستشاره الإعلامي حسين الوجه الذي رفض التعاطي مع لبنان كمقاطعة إيرانية. وليست هذه المرة الأولى التي يمتنع فيها الحريري عن الرد، بل سبق له أن تجاهل إتهام السيّد نصر الله لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتحريض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على اغتياله شخصياً ولم يلجأ إلى أي رد أو تعليق، خلافاً لما فعله رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي هاجم بقسوة الأمين العام لحزب الله، منتقداً مقاومته وصواريخه، وكما فعل كذلك زعيم المختارة وليد جنبلاط.
وفي حال تبدّل اعتبارات الحريري وعدم تمسكّه بالتكليف فإن الأسماء التي ستخلفه لن تكون من نادي رؤساء الحكومات. فالرئيس تمام سلام سبق وأعلن رفضه تولّي أي مسؤولية في هذا العهد، والرئيس فؤاد السنيورة يذهب أبعد منه بإتهامه الرئيس عون بالتصرّف كرئيس للتيار الوطني الحر، فيما الرئيس نجيب ميقاتي يتهم العهد أيضاً بمحاولة فتح ملفات قضائية كيدية وسياسية في وجهه. وعليه لن يكون أمام الأكثرية النيابية المتمثلة بفريق 8 آذار إلا بضعة اسماء على غرار رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وأسماء مثل النائبين عبد الرحيم مراد أو فيصل كرامي فيما يبقى إسم النائب فؤاد مخزومي كمرشح وسطي مستقل مطروحاً.
إلا أن تسمية أي من الشخصيات القريبة من حزب الله تعني الإبقاء على اقتراب لبنان من محور الممانعة وابتعاده عن محيطه العربي وعدم الاستفادة من أي دعم عربي محتمل، في وقت تُعتبر المبالغ المالية المحوّلة من اللبنانيين العاملين في دول الخليج السند الوحيد المتبقّي لبعض العائلات اللبنانية لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي يمرّ فيها البلد.
ووسط كل هذا الجدل، لفتت زيارة الحريري إلى اسطنبول ولقاؤه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الأمر الذي طرح علامات استفهام حول أبعاد هذه الزيارة في هذا التوقيت ومدى إنزعاج أولاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صديق الحريري منها وهو الذي يرعى المبادرة الفرنسية للحل في بيروت، وثانياً ماهية موقف كل من السعودية والإمارات من هذه الزيارة خصوصاً أن الحريري سبق له أن أمضى أياماً من إجازته في الخليج؟ وهل يمكن للحريري أن يخاطر بعلاقته مع هاتين الدولتين الخليجيتين أم أنه يلعب دوراً معيناً يتكامل مع المصالحة الخليجية التي تجسّدت في قمة العُلا؟ وهل يمكن للحريري التوفيق بين عودة تقاربه مع السعودية والإمارات وبين تطبيعه للعلاقة مع حزب الله؟