القاهرة ـ «القدس العربي»: أثار قرار تصفية إحدى أهم قلاع الصناعة المصرية «شركة حلوان للحديد والصلب» بعد 67 عاما على إنشائها، غضبا شعبيا وحزبيا في مصر. وكانت الجمعية العامة للشركة، برئاسة المهندس محمد السعداوي رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية، إحدى شركات وزارة قطاع الأعمال العام، قررت تصفية شركة الحديد والصلب.
وقررت الجمعية العامة غير العادية الموافقة على تقسيم الشركة إلى شركتين شركة الحديد والصلب التي تمت تصفيتها، وشركة المناجم والمحاجر، ومن المنتظر أن يدخل القطاع الخاص شريكا فيها لتشغيلها خلال المرحلة المقبلة.
أسباب التقسيم والتصفية
وقال المساهمون أثناء الجمعية العمومية غير العادية لشركة الحديد والصلب في أسباب موافقتهم على قرار التقسيم وتصفية شركة الحديد والصلب، إن هناك عدة أسباب للتقسيم، من بينها زيادة فرص استغلال الخام المصري، ما يؤدي إلى رفع قيمته الاقتصادية في ظل تزايد الطلب على خام الحديد المصري، وفصل نشاط المناجم والمحاجر بشركة منفصلة يعتبر ركيزة لأي استثمار قادم في مجال استخراج واستغلال وتركيز انتاج خام الحديد، فضلاً عن توفير اختيارات عدة للمستثمرين للاستثمار مما قد يجذب استثمارات أكثر من داخل وخارج مصر، وإتاحة المزيد من الفرص للشركة القاسمة والمنقسمة للنمو، والمشاركة في استثمارات جديدة في مجالها، وإتاحة الفرصة للإدارة على زيادة التركيز على أنشطة كل مجال للوصول لمستويات أعلى، وغيرها من الأسباب.
ودفع القرار محامين إلى رفع دعاوى قضائية مستعجلة، فيما أقدم مواطنون على إطلاق مبادرات شعبية لشراء أسهم الشركة لوقف عملية التصفية.
الكاتب المصري على الخميسي، دشن مبادرة من خلال صفحته على «فيسبوك» لشراء المصريين أسهم الشركة ووقف تصفيتها.
وكتب: «لكي نقف فعليا ضد بيع الحديد والصلب اقترح فتح اكتتاب الأسهم، السهم بمئة جنيه، على مستوى مصر كلها. ونحاول أن نكون نحن المشترين. إذ لم يفلح هذا، فسنكون قد نجحنا في تجميع عدد ضخم من الأصوات يظهر اعتراض الشعب على بيع المصنع، ويظهر لنا ما الذي يمكننا عمله معا».
وناشد الأحزاب أن «تحشد قواها وراء الاقتراح».
«كارثة»
الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار رئيس مجلس إدارة الأهرام السابق، كتب عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»: «عمل أخي الأكبر مهندسا في هذه الشركة، وزرتها عدة مرات، ولها في قلبي مكانة خاصة، فقد كانت رافعة جبارة في نهضة مصر لسنوات طويلة، وأقول قولا واحدا إن تصفية هذه الشركة بدلا من إصلاحها هي كارثة بكل المعايير».
مبادرات شعبية لإنقاذها… ودعوى قضائية ضد القرار
وتابع «كان من الممكن إعادة هيكلة واستغلال أصول الشركة في الغرض الذي تأسست من أجله وفي أغراض أخرى. كان من الممكن استخدام جزء من الأرض في بناء مشروع إسكان متوسط وشعبي ومدرسة محترمة ومتعددة المراحل ومتنوعة ومركز للتدريب المهني ومستشفى خاص ومركز تجاري لعرض منتجات القطاع العام، التي يقتلها التجاهل الإعلامي، وعرض منتجات القطاع الخاص أيضا ومدينة ترفيهية ومطاعم».
دخل هائل
وزاد: «هذا الاستغلال الجزئي للأرض، كان سيدر دخلا هائلا على الشركة من مقدمات حجز الوحدات السكنية وحدها. ومن عائد كل تلك المشروعات يتم تحديث الشركة على أعلى مستوى في جزء من الأرض في نفس الموقع أو في أرض عامة مجانية في موقع أبعد قليلا».
وهذا الخيار تبعاً للنجار « كان سيؤدي إلى الحفاظ على العمالة الماهرة وأسس حياتها، ويضيف طاقة جديدة للاقتصاد المصري عامة وللقطاع العام الذي دمرته قوانين ألزمته باعتبارات اجتماعية في التسعير لسنوات طويلة وبدفع ضرائب هائلة أعفت منها القطاعين الخاص والأجنبي وشركات جهاز الخدمة الوطنية فكان وحده الملزم بما لا يلتزم به الآخرون».
وبين أنه «في ظل هذه الظروف كان لابد للقطاع العام أن يخسر خاصة في وجود بعض القيادات ضعيفة الكفاءة والنزاهة، أو غير المؤمنة بهذا القطاع أصلا».
وشدد على أن «تصفية الشركة هي في التحليل الأخير تدمير لأصل عام لصالح الشركات الخاصة والأجنبية مثلما كان يحدث في عصر (الرئيس المصري الراحل) حسني مبارك، وإلقاء لآلاف العمال للبطالة تحت أي مسمى. لكن طريق الإصلاح المقترح من الصعب على وزير متيم بالقطاع الخاص ولا يهوى القطاع العام أن يسلكه».
وواصل: «كان الأمر يحتاج لوزير يؤمن بدور القطاع العام ويدافع عن حقه في ظروف عمل عادلة مشابهة لتلك التي يحظى بها الآخرون، ويعي ما فعله هذا القطاع لهذه الأمة العظيمة حينما حمل كل العبء في تمويل التطوير والتحديث والتشغيل والأعباء الاجتماعية وتمويل مواجهة مصر للكيان الصهيوني وإعادة بناء الجيش وتمويل المجهود الحربي بعد كارثة يونيو 1967 مما جعله السند الرئيسي لمصر في أنبل حروبها (حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر)».
ووجه «دعوة لمن بيده الأمر ألا يشارك في اعتماد هذا التوجه وأن يوقف التصفية ويفتح بوابة الإصلاح، فمصر وشعبها يستحقون ذلك».
تشريد 7300 عامل
كذلك أطلق «حزب الكرامة» حملة لإنقاذ الشركة، وقال في بيان: «تابعنا ببالغ الأسف قرار الجمعية العامة غير العادية لشركة الحديد والصلب المصرية التابعة لقطاع الأعمال بتصفية نشاط مصنع الشركة في التبين الذي يعد قلعة لصناعة الحديد والصلب، ما يعني تشريد نحو 7300 عامل، والحكم بالإعدام على أحد صروح الصناعة الوطنية الباقية، وإهالة التراب على صفحة ناصعة من صفحات تاريخنا الوطني المحفورة في وجدان العمال وعلى جدران مصنع حلوان منذ عام 1932 وانطلاقته الكبرى على يد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في 1955 بقراره إقامة أول مجمع متكامل لإنتاج الصلب في الوطن العربي».
وأكد أن «هذا القرار نتاج لسياسات الخصخصة التي تتبعها الحكومة الحالية خلفا للحكومات السابقة والتي أثبتت فشلها بعد أن أفقدت الوطن صروحا وطنية لصالح ما يُعرف بسياسات الحكومة بـ(الاستثمار الأجنبي) وإرضاءً لمؤسسات التمويل الدولية وتنفيذا لشروطها وإملاءاتها التي تنال من الاقتصاد الوطني ولا تلبي تطلعات الشعب المصري في اقتصاد يحقق عدالة اجتماعية واستقلال وطني». وندد بـ«سياسات التخسير المتعمدة التي تتم برعاية حكومية تحت مسميات خادعة ووهمية منها إعادة التأهيل، فضلا عن تراجع دور الأجهزة الرقابة في وقف سوء الإدارة الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة مؤسسات الصناعة والانتاج الوطنية التي أسسها الشعب المصري بقروشه وجنيهاته القليلة وشيد بناينها من عرقه ودمه عبر سنوات طوال».
وأشار إلى «مسلسل التخريب والتخسير المتعمد للشركات الوطنية من أجل تصفيتها والذي كان آخره محاولة بيع أرض مصانع شركة الدلتا للصناعات الكيماوية والأسمدة (سماد طلخا) وما تعرضت له شركة مصر للغزل والنسيج في كفر الدوار، والاتجاه لطرح شركة مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى للتداول في البورصة هذا العام «.
ودعا «كافة القوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية وقادة الفكر والرأي لسرعة تشكيل جبهة وطنية واسعة للتصدي لسياسات تصفية المؤسسات الوطنية وحماية العمال الذين تقذف بهم سياسات الخصخصة إلى الشارع وتسقطهم في براثن الفقر والعوز».
في السياق، أقام سمير صبري المحامي، دعوى مستعجلة أمام محكمة القضاء الإداري ضد رئيس مجلس الوزراء ووزير قطاع الأعمال ورئيس مجلس إدارة شركة الحديد والصلب المصرية، والممثل القانوني للشركة القابضة للصناعات المعدنية، لوقف تنفيذ القرار الصادر بتصفية شركة الحديد والصلب المصرية.
وقال صبري في دعواه إن «شركة الحديد والصلب المصرية شهدت الكثير من الأحداث، وكانت شاهدا على الصناعة التي تأسست عام 1954 بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر وتمتلك أصولا ضخمة غير مستغلة، منها أراض تصل إلى 790 فدانا بحوزة الشركة وضع يد بمنطقة التبين، وكذلك 654 فدانا وضع يد بالواحات البحرية، إضافة إلى 54 فدانا مشتراة من الشركة القومية للإسمنت منذ عام وقطعة أرض بمساحة 45 ألف متر مربع في أسوان». وأضاف: «كان المصنع في البداية عبارة عن شركة مساهمة مصرية للحديد والصلب وأول شركة في الشرق الأوسط، حيث بدأت فكرة إنشاء شركة للحديد والصلب في مصر عام 1932 بعد توليد الكهرباء من خزان أسوان، وظل في إطار الحلم المجرد حتى ظهر على أرض الواقع، عندما أصدر عبد الناصر مرسوما بتأسيس شركة الحديد والصلب يوم 14 يونيو/حزيران 1954 في منطقة التبين بحلوان، كأول مجمع متكامل لإنتاج الصلب في العالم العربي برأس مال 21 مليون جنيه».
وحسب الدعوى،فقد «تم الاكتتاب الشعبي، وكانت قيمة السهم جنيهين، وفي 23 يوليو 1955 قام عبد الناصر مع أعضاء مجلس قيادة الثورة بوضع حجر الأساس الأول للمشروع على مساحة تزيد على 2500 فدان شاملة المصانع والمدينة السكنية التابعة لها، والمسجد الملحق بها، بعد توقيع العقد مع شركة ديماج ديسبرغ الألمانية (ألمانيا الشرقية آنذاك) لإنشاء المصانع وتقديم الخبرات الفنية اللازمة، وبالرغم من ظروف العدوان الثلاثي سار العمل بهمة ونشاط في بناء المصنع، ولقي المشروع الوليد معاونة صادقة من كل أجهزة الدولة». ووفق الدعوى «تعد شركة الحديد والصلب المصرية في حلوان، شركة ذات بعد استراتيجي، والوحيدة التي تنفرد بإنتاج الحديد الزهر من الخامات المحلية المأخوذة من خام مناجم الواحات البحرية، إلى أن تحوله إلى منتج نهائي قادر على المنافسة في الأسواق العالمية، وتعتمد تكنولوجيا التصنيع في الشركة على استخلاص الحديد من خاماته الأولية».
وأوضحت أن «قرار التصفية يأتي تدميرا لهذا المشروع الصناعي العريق وتشريدا لمئات من العاملين».
إلى ذلك، أعلن المحامي المصري علي أيوب، أنه سيتقدم اليوم الأربعاء بطعن لوقف تصفية شركة الحديد والصلب ضد وزير قطاع الأعمال العام ورئيس مجلس الوزراء.
وأوضح أن الطعن سيطالب بإلغاء القرار السلبي لجهة الإدارة بالامتناع عن طرح الشركة للاكتتاب العام على جموع المصريين بسعر السهم 100 جنيه مصري للفرد حماية للمال العام ولصرح عملاق من صروح صناعة الحديد والصلب في الشرق الأوسط.