أنا والوزير: رحم الله صفوت الشريف!

حجم الخط
16

رحم الله صفوت الشريف، الذي كان دولة وحده، وكانت ذاته مصونة، حتى عندما سقط الحظر عن مبارك ونجله، وصار التعرض لهما بالكتابة، والهجوم عليهما في المظاهرات، أمراً عادياً في سنوات حكمه الأخيرة، فقد كان مبارك قبل ذلك مقدساً فسقطت القدسية عنه، واستمرت قدسية صفوت الشريف.
الذين تابعوا هذه الزاوية منذ تشرفي بالكتابة لـ «القدس العربي» في سنة 2003، يعرفون أنه كان موضوعنا الأثير في صباح كل يوم سبت، ولعل هذه الحصانة التي كان يتمتع بها الرجل، ومن عموم الصحف وعموم المعارضة، سواء كانت دينية أو مدنية، هي ما دفعتني لمحاولة كسر هذا الصنم، وهي محاولة بدأت قبل الكتابة لـ «القدس العربي» بست سنوات، لكن هذا لم يغري أبداً أحداً بالمساهمة في المهمة، فاستمرت ذاته مصونة لا تمس، وهو ما وصفته بأنه لما طال عليه الأمد تحول إلى «محمية طبيعية» فقد كان الاجماع منعقداً على أن لدغته والقبر!
وظل ملف نقده لا يحتوي قبلي سوى على مقال واحد، كتبه السياسي الكبير الدكتور حلمي مراد، عقب اختياره وزيراً للإعلام، في بداية عهد مبارك، ولم أعثر عليه لقراءته، لكن كان الأكبر منا في المهنة يتندرون به، وكان نشره قبل التحاقي بمهنة الصحافة بحوالي خمس سنوات، وتندري مبعثه أنه ليس في مقدور أحد بعد هذا المقال الشجاع أن يقترب من رحاب صفوت الشريف ولو بشطر كلمة.
بنى الدكتور حلمي مراد مقاله على التذكير بدور المذكور السابق في جهاز المخابرات، إذ كان متهماً في القضية المعروفة «بانحراف المخابرات» وهي القضية التي قام جمال عبد الناصر بتقديمها للقضاء بعد الهزيمة، وأعلن يومئذ «انتهت دولة المخابرات» وإن بدت القضية من الظاهر من الأوراق والغاطس فيها قضية حق وعدل، فإن الدوافع كانت الانتقام من حلف المشير عبد الحكيم عامر، المتهم بالتخطيط داخل الجيش للانقلاب على ناصر، ولم يكن صفوت الشريف مطلوباً لذاته، لذا فقد حفظت التحقيقات بشأنه، باعتراف مدير الجهاز صلاح نصر بأنه المسؤول عن كل الاتهامات الموجهة لقسم «السيطرة» وبإعلانه أنه من كلفهم بذلك، وعندما سئل إن كان بإمكان المتهم ومن معه في القسم، طلب اعفائهم من المسؤولية، قال إنهم لا يمكنهم ذلك!

الملف

كان أداء قسم السيطرة يقوم على «السيطرة» على عدد من الفنانات لاستخدامهن، في السيطرة على القادة العرب عند زيارتهم لمصر، من خلال تصويرهن بأوضاع مخلة، وقال صلاح نصر إن عمل القسم خارج الجهاز، ولم يكن لصفوت الشريف بالتالي مكتب في الجهاز، ولكنه يتحرك باسم حركي هو «موافي».
وقد وصلنا من مكتب وزير الداخلية زكي بدر ملف التحقيقات مع صفوت الشريف، بعد خلاف بينهما بسبب إذاعة التلفزيون المصري لقيام النائب الوفدي طلعت رسلان بصفع الوزير على وجهه بعد تهجمه على زعيم الحزب فؤاد باشا سراج الدين، وخوضه في عرضه في جلسة تاريخية من حيث انحطاط أداء الوزير فيها، فوزع مكتب الوزير الملف على الصحف وعلى عدد من الصحافيين!
ومن التحقيقات وقفت على أن صفوت الشريف كانت رتبته أثناء التحقيقات معه «رائداً» ولم يترق بطبيعة الحال لرتبة أعلى فقد خرج بعد هذه القضية على الاستيداع، ومن هنا جاء اللقب والإشارة لطبيعة عمله السابق في مقالاتي عنه، سواء في هذه الزاوية أو غيرها: «الرائد متقاعد صفوت الشريف صاحب التاريخ الوظيفي المشرف»!
عندما أبعد من وزارة الإعلام وتولى رئاسة مجلس الشورى، أراد أن يستخدم نفوذه، ثم ذهب الى الاختصاصات الأخرى فأوغل في استخدامها، ليستمر امبراطوراً، كما كان في وزارة الاعلام، وقرر حسم النزاع على رئاسة عدد من الأحزاب، على قواعد الاختيارات الحكومية، فسلم حزب الأحرار لأحد المتنازعين، وطعنت في القرار، وكان طعني ضمن خمسة طعون أخرى، وفي الجلسة في محكمة القضاء الإداري، وكان يرأسها مستشاراً فاضلاً اسمه فاروق عبد القادر، لم أكد أقول «إن الرائد متقاعد صفوت الشريف يتصرف على أنه مولانا ولي النعم…» حتى ارتجت القاعة بالضحك وانتقلت العدوى إلى المنصة فضحك القضاة، لكن رئيس الدائرة لم يسايرهم في ذلك، وفي الجلسة الثانية وبمجرد أن نودي على اسمي، وجه لي القاضي تحذيراً بأنه لن يسمح بما جرى في الجلسة الماضية، وكان من المنطقي أن أسأله وماذا جرى؟ لكني لم أفعل تقديرا له، وكانت محامية لجنة شؤون الأحزاب الحاضرة في مواجهتنا هي ابنة شقيقة صفوت الشريف، فهل نقلت له ما جرى؟!
قلت للقاضي لا جديد لأقوله في هذه الجلسة، فقط تقديم مذكرة، وقد فصل في جميع الطعون لصالحنا وضد اللجنة، وكانت أحد الطعون مقدمة من عضو البرلمان الراحل طلعت السادات، وقد ظن أن الرتبة «الرائد متقاعد» هي من اختراعي في سياق الهجاء، فلما أخبرته بأنها صحيحة، استخدمها في البرلمان بعد يومين، وقاطعه رئيس مجلس الشعب فتحي سرور بأنه لن يسمح بالتطاول على رئيس مجلس زميل، وقال طلعت السادات: وهل خرج من الخدمة لواء فأنزلته درجة؟ وحل كمال الشاذلي الإشكال بتدخل لطيف: «يا سيادة الريس.. واضح إن طلعت كان زميل صفوت بك في الجيش». وجلس طلعت فلم يكن مسموحا التطاول على هذه الذات المصونة!

دولة ماسبيرو

عين صفوت الشريف رئيسا لهيئة الاستعلامات، ثم رئيساً لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، فوزيراً للإعلام، وهو المسؤول عن تحوله إلى «دولة ماسبيرو» الذي يعمل فيه أكثر من أربعين ألف موظف، وأطلق عشرات القنوات التلفزيونية، وهي سياسة التوسع الافقي بعد أن فشل في التوسع الرأسي، لقد كشفت «الجزيرة» حينها ضعف إعلامه وهوانه، وظن أنه يمكن أن ينافسها بهذا التوسع، بإنشاء مدينة الإنتاج الإعلامي، وإطلاق القمر نايل سات، وتعدد الترسانة الإعلامية!
وعندما بدأ الهجوم على «الجزيرة» لم يكن طرفاً فيه، ولجأ إلى حيلة بأن ترك مراسلها يعمل في مصر، دون أن يمنحه الترخيص، لكن دون أن يمنعه بقوة القانون، وعندما اشتد الهجوم، الذي يطالب مصر بأن تحذو حذو دول أخرى سحبت الترخيص من مراسلي الجزيرة، وكانت مقالات إبراهيم سعدة في «أخبار اليوم» هي الأكثر وضوحاً بشأن المراسل، رد صفوت الشريف بأنه لا يوجد مراسل لـ»الجزيرة» في مصر لكي يسحب منه الترخيص!
وكتبت مقالاً حاداً ضد الوزير، الذي لم يمنح مراسل الجزيرة ترخيصاً بالعمل، ما دام يعمل في إطار القانون، وتحدث معي صديق مشترك لي ولمراسل الجزيرة حسين عبد الغني، ولا أعرف إن كان نيابة عنه أو تطوعاً منه، وقال لي ضاحكاً إنني بذلك أسلمه «تسليم أهالي» فلن يمنحه صفوت الشريف الترخيص لكن قد يمنعه من العمل، لأني كتبت أن للجزيرة مراسل معروف وأن الوزير لا يقول الحقيقة. بعد ذلك حصل مراسل الجزيرة على الاعتماد، وفُتح مكتب لها في قلب القاهرة، فلم تكن معركته، ولم تبدأ كمعركة تحدي لشخصه إلا عندما زار مبارك القناة القطرية، فنظر الى مبناها المتواضع من طابق واحد، ثم نظر لصفوت الشريف، وهو يقول «كل ده يطلع من علبة الكبريت؟!» لم تعد الجزيرة هي «علبة الكبريت» الآن. وأسرها صفوت الشريف في نفسه، لأن دلالة مقولة مبارك، أن ناطحة السحاب في مصر (مبنى ماسبيرو) عاجز عن المنافسة، وتبنى التلفزيون المصري الهجوم على الجزيرة، بعد ذلك وكان يعقد الندوات لهذا الهدف.
كان صفوت الشريف يشكو مني في البداية، ثم قرر التعامل معي بالجزرة، وقد قدمت لي عروض بالتعاون، سواء من رئيسة التلفزيون، أو من رئيس الاتحاد، أو رئيس قطاع الأخبار، ولم أعرف إن كانت هذه العروض من أصحابها أم من الوزير؟ لأني كنت مشتبكا مع هؤلاء في مقالاتي في مصر، وقبل الكتابة لهذه الزاوية المتخصصة في النقد التلفزيوني، لكن العرض من الأخير رأيت أن الوزير ربما على دراية به. كان العرض الأول تقديم برنامج تلفزيوني يحمل اسم «النادي السياسي» وهو عنوان صفحة أسبوعية كنت مشرفاً على تحريرها في فترة سابقة. وكانت الدعاية الرائجة في هذه الفترة أن الجزيرة نجحت بالصحافيين، فكل مقدمي البرامج فيها جاءوا من خلفية صحافية، وهو كلام ليس دقيقاً، فالفهم الخاطئ له نتيجة أن مصطلح صحافي في مصر لا يطلق إلا على الصحافيين العاملين في الصحف الورقية، حيث التمييز بين الصحافي والإعلامي، والأمر مختلف في البلاد الأخرى. فكان مذيعو الجزيرة يوصفون بالصحافيين لا الإعلاميين ومن هنا جاء اللبس!
وقلت للرجل إنني لا أصلح مذيعاً، فحدودي هي الورقة والقلم، بعيداً عنهما لا أجد نفسي، وأعتقد أنه كان لقاء الدهشة له، وهي دهشة كانت ترضي غروري إلى أبعد درجة، فقد ذهب يعرض علي الظهور في برنامج «صباح الخير يا مصر» وكان البرنامج في بدايته وحديث المدينة لنجاحه، وقلت له أنا لا استطيع أن استوعب أن استيقظ من نومي مبكراً وأتي للتلفزيون، وكنت بالنسبة واحداً من الديناصورات المنقرضة وهو يضرب مثلاً بفلان رئيس تحرير إحدى الصحف الذي يفاجأ به كثيرا في استراحة الضيوف، دون أن يكون مستدعى لذلك فيضطر لإدخاله في أي فقرة خوفاً استشعاراً للحرج، ثم يفاجأ بمثلي يرفض مثل هذا العرض!
قلت له: هل أنت متابع لما أكتبه ضد الوزير؟ لو علم بهذا العرض فقد يرفدك؟ وعلق: لا تشغل نفسك بسيادة الوزير!
عموما، فربما كان سيسعدني لو مات صفوت الشريف في عز قوته، لكنه مات في زمن ضعفه، وهي أزمتي مع خصومي، فالقذافي كانت بيننا خصومة منعقدة قضائياً، وكان سيسعدني أن ينتهي أمره عند عزل الشعب له ومحاكمته، لكن النهاية الشنيعة له والتمثيل به حياً وميتاً، أرقني، فكتبت في هذه الزاوية استنكر هذا.
«نصيب» رحم الله صفوت الشريف.

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية