في بعض الأحيان، قد يكون من المفيد العودة ومراجعة حقبات سابقة في تاريخ بعض بلدان العالم العربي السياسي من أجل مقارنته بما يجري حالياً وخصوصاً في بلدان كلبنان وفلسطين.
ومن المراجع المفيدة في هذا المجال ما كتبه أو يكتبه أشخاص كانوا من مقاومي المشاريع الاستعمارية الأجنبية والصهيونية التي تم تنفيذها ضد هذه الدول العربية، بعضُها بنجاح والبعض الآخر بفشل.
بالنسبة للبنان وفلسطين، كانت الحرب الأهلية اللبنانية، التي انطلقت في مطلع ومنتصف سبعينيات القرن الماضي وهدأت في نهاية ثمانينياته، من أبرز الحقب التي تواجَهَ خلالها فريقان اختلفا ميدانياً وعقائدياً واجتماعياً، أحدهما قادته “الحركة الوطنية اللبنانية” وأحزابها اليسارية والعروبية عموماً وتزعّمه القائد اللبناني الراحل كمال جنبلاط بالتعاون والتحالف مع القيادات الفلسطينية المقاومة في لبنان والتي قادها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. والفريق الآخر قادته الأحزاب اللبنانية المسيحية التوجه عموماً كالكتائب والوطنيين الأحرار وحلفائهما بدعم من إسرائيل ودول غربية وعربية يمينية التوجه وتطبيعية الهوى مع إسرائيل.

في كتاب صَدَر مؤخراً لواحد من رجال المقاومة اللبنانية آنذاك (وفي فترة لاحقة) بعنوان “حزب الله ولبنان” الذي تضمن مجموعة مقالات كتبها في السنوات والعقود الأخيرة وتناول فيها بشكل رئيسي تلك الحقبة، يعرض المؤلف جورج حداد دور كمال جنبلاط و”الحزب التقدمي الاشتراكي” في تلك المرحلة واختلاف مواقفه عن توجهات قادة لبنان الآخرين من يساريين ويمينيين نظراً لجديته والتزامه دمج زعامته السياسية التقليدية بمواقف شديدة الدعم والتحالف مع المقاومة الفلسطينية لمواجهة المشاريع الساعية للقضاء عليها. كما يتناول حداد الدور المتخاذل لبعض الدول العربية (“الثورية” منها وغير الثورية) في إحباط الإنجازات التي حققتها “الحركة الوطنية اللبنانية” والمقاومة اللبنانية آنذاك والتي هدفت إلى خلق نظام سياسي جديد يحرر لبنان وأبناءه من زعمائه الطائفيين والمتحالفين مع المشاريع الاستعمارية الأجنبية والإسرائيلية، مما أدى بعد ذلك إلى نشوء حزب الله و”المقاومة الوطنية الإسلامية” تحت قيادة السيد حسن نصرالله (أمينه العام الحالي) وتم إكمال عملية مقاومة إسرائيل، وتطويرها وتعزيزها.
في الفصل الخامس عشر يتناول حداد “وطنية” الأقطار العربية المصطنعة في مواجهة إسرائيل، ويؤكد أن قادة معظم الدول العربية: “اعتنقوا ثقافة الاستسلام والتطبيع مع إسرائيل خصوصاً في العقود الأخيرة بينما النموذج الذي قدّمه حزب الله وأكثرية الشعب اللبناني الداعم له في مواجهة إسرائيل لم ينعكس إيجاباً على المستنقع العربي، بل أصبح لبنان وحزب الله محاصرين بشدة بتواطؤ الأنظمة العربية الأنهزامية”. (ص 190)
ويطرحُ حداد في الفصل الرابع والعشرين قضية معتنقةً بتوجه مختلف لدى القوى السياسية اللبنانية وهي قضية خلافية حساسة، فالقوى المؤيدة للسياسات الأمريكية والغربية ولسياسات حلفاء الغرب المطبّعين مع إسرائيل، تعتنق مبدأ ضرورة دمج المقاومة التي يقودها “حزب الله” بجيش لبنان الوطني، فيما ترى القوى الثورية المقاومة والأحزاب المؤيدة لها ان المقاومة المنفصلة عن الجيش أكثر فعالية.
ويعتبر الكاتب أن “مثل هذا الدمج يشكلُ خطراً سلبياً من الناحية الاستراتيجية الميدانية لأن الجهتين المندمجتين ستصبحان أشبه بدجاجة أمام الديك الإسرائيلي الذي يفوقها تسليحاً متطوراً، فيما بقاء المقاومة منفصلة وقادرة على تنفيذ خططها الميدانية كسائر المقاومات الناجحة في العالم (الآن وفي الماضي) هو الخيار الأفضل لها ولمؤيديها لكونه يمنحها المرونة والقدرة على التحرك المفاجئ وتنفيذ العمليات النوعية الخاصة”. وتمنى حداد “أن لا يقبل حزب الله بهذا الدمج وألا يُخطئ كما فعل الرئيس عرفات في تحويل أفواج المقاومة إلى قوة الأمن الداخلي للسلطة الفلسطينية”. (ص 367 و368)
كما يوضح ان المسؤول اللبناني الذي سيوقّع على معاهدة سلام مع إسرائيل، من دون موافقة القيادات والشعبين اللبناني والفلسطيني، سيحكمُ على نفسه بالإعدام السياسي وربما الجسدي. (ص 386 ـ 388)
في الفصل الأول الذي يكرّسه للقائد الشهيد كمال جنبلاط الذي اغتيل وهو في قمة عطائه الوطني والإنساني في آذار (مارس) 1977 يقول: “إن كمال جنبلاط ترك أثراً لم يُمحَ وفراغاً لم يُملأ في الحياة السياسية العربية والعالمية عامة وفي وطنية لبنان. (ص 19) ويتساءل إذا كانت التجربة السياسية والفكرية والنضالية لكمال جنبلاط قابلة للتجديد؟ وما هو سر أو جوهر الانقلاب الذي قام به في بيئته وفي المقاومة اللبنانية ـ الفلسطينية؟
جوابه كان: “انه الشحن الإلزامي لحزبيته التقليدية بمحتوى حزبي جديد فكرياً وسياسياً ونضالياً حتّم على الجنبلاطية أن تتجاوز ذاتها وتتجه نحو تشكيلة مجتمعية عصرية أرفع مستوى من الحزبية التقليدية، وباتجاه التقدمية الاشتراكية (ص 20). كمال جنبلاط حقق بتقدميته الاشتراكية (حسب الكاتب) تجاوزاً للطائفية اللبنانية في حين أن الزعماء الطائفيين المسيحيين وزعماء الطوائف المسلمة التقليديين الآخرين استمروا في طائفيتهم العشواء التي أضرت بمصالح البلد وبمصالح أبناء طوائفهم على الصعيد السياسي برغم تقديم الخدمات المادية والوظائفية لهم لرشوتهم.
إن الثوابت الجنبلاطية هي (برأي الكاتب) الوطنية والديمقراطية والعروبة التقدمية والاشتراكية الإنسانية، فقد كان الحزب التقدمي الاشتراكي، بالنسبة لكمال جنبلاط، أشبه بمحور فكري وعقائدي وسياسي تتفاعل فيه مختلف الآراء والاتجاهات، فضم الشيخ الدرزي التقليدي والماركسيين الجدد والملتزمين وطنياً من سائر الطوائف والاثنيات. وكان جنبلاط يساوي نفسه مع أي قائد تنظيم في “الحركة الوطنية اللبنانية” والمقاومة الفلسطينية و”حركة التحرر العربي” مهما كان تواضع حجم ووزن كل منهم في اتخاذ القرار، وقيادته للحركة الوطنية اللبنانية لم تكن بالسيطرة والنرجسية بل بموافقة واجماع الآخرين، فكان متقدماً بين متساويين. (ص 24)
ويستطرد: “نعيش اليوم في مواجهة حملة إمبريالية ـ صهيونية شعواء ضد العروبة والإسلام. وذرائع الخصوم أننا متخلفون ومستبدون ولا نحترم حقوق الإنسان واننا نقمع الأقليات الدينية والاثنية والقومية. كمال جنبلاط أوضح أن مثل هذه التشوهات إذا وُجدت في الجسم العربي، فمسؤوليتها تقع بالدرجة الأولى على الامبريالية العالمية والقوى الرجعية العربية المتعاونة معها والتي كانت تقف بالمرصاد لأي حركة إصلاح وتحرر وطني وديمقراطي وعربي، والتي استغلت الانحرافات في صفوف الحركات الوطنية والقومية والإسلامية. وفي هذه الظروف المأساوية تتأكد أكثر فأكثر أهمية الطرح العروبي التقدمي لجنبلاط، الذي ربط بشكل عضوي بين العروبة والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعايش الديني والأثني وحق تقرير المصير للقوميات الأثنية”. (ص 25)
ويستنتج أنه لو شاء القدر أن يعيش كمال جنبلاط حتى التسعينيات، ولو لم تغتله قوى الغدر والخيانة كانت ستدمعُ عيناه على التدمير الرأسمالي المتوحش في العالم، وخصوصاً في المنظومة السوفييتية السابقة. والمطلوب (برأي الكاتب) البحث عن مبادئ وأفكار كمال جنبلاط في “الحركة الوطنية اللبنانية” والمقاومة اللبنانية وفي “حركة التحرر الوطني العربية” التي شاركت بفعالية في الثورة الفلسطينية وفي الجبهة العالمية للنضال من أجل الإنسانية وفي مواجهة الامبريالية والصهيونية. (ص 28)
في الفصول الأخيرة التي كُتبت في مطلع العقد الثاني من الألفية الثانية، يتناول الكاتب في الفصل (44) مواضيع مرتبطة بمواقف “الحركة الوطنية اللبنانية” وقائدها الراحل كمال جنبلاط مجدداً فيقول: “ان الهيئات والأحلاف التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية كان هدفها فرض الهيمنة الاستعمارية الامبريالية على العالم من جديد، ومن هذه الهيئات (حلف شمالي الأطلسي) و(البنك الدولي) و(صندوق النقد الدولي) وحتى الأمم المتحدة والجامعة العربية”. كما يرى ان هدفها كان: “قمع وتأديب الشعوب والبلدان التي لا تخضع للهيمنة الاستعمارية باسم الشرعية الدولية وحقوق الإنسان وتحقيق السلام المناسب لها بحسب أجنداتها المزيفة”. ويضيف: “الإمبراطورية الأحادية الأمريكية تسعى إلى فرض السلام الأمريكي على العالم بواسطة هذه المؤسسات”. (ص 610 ـ 611)
وبالنسبة للمعسكر الروسي ـ السوفييتي، فإن المؤلف يُفرق ما بين سياسات القائد فلاديمير لينين وخليفته جوزف ستالين قائلاً: “ان لينين فضحَ إتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، اللذين خططا لتقسيم المنطقة والاستيلاء على فلسطين، فيما شارك ستالين في إضفاء الشرعية على فرض إنشاء دولة إسرائيل في الأمم المتحدة عام 1947 وقيام دولة إسرائيل عام 1948 عبر توقيعه على (اتفاقية يالطا). كما دافع بعض القادة الذين خلفوا ستالين في القيادة السوفييتية عن مواقفه المنحازة تلك كنيكيتا خروتشوف، ثم في فترة لاحقة مثيله ميخائيل غورباتشوف. وقد صوت الستالينيون تأييداً لإنشاء دولة إسرائيل في تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 في الأمم المتحدة ولتقسيم فلسطين، مما أدى إلى إنشاء دولة إسرائيل في أيار (مايو) 1948”. (ص 611)
ويشن حداد حملة ضد “جامعة الدول العربية” وقادتها عموماً قائلاً أن قادة دول هذه الجامعة ساهموا في دفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن بلدهم عام 1948 واعدين إياهم بأن رحيلهم مؤقت ومرحلّي بانتظار عودة دعم الدول العربية تحت قيادة الملوك والرؤساء العرب لانقاذهم ولتأمين عودتهم (ص 613). وتبين لاحقاً فراغ وخداع هذه الوعود.
أما بالنسبة إلى لبنان، فيوجه حداد في الفصل (44) نقداً لاذعاً ضد تدخل الأمريكيين وسفاراتهم في ذلك البلد في الشؤون اللبنانية منذ خمسينيات القرن الماضي. فيقول في الصفحة (618): “بعد انتفاضة عام 1958 في لبنان ضد التجديد للرئيس كميل شمعون، وبعد التدخل العسكري الأمريكي في لبنان عبر إرسال قوة من المارينز الأمريكيين إلى شواطئه في تلك المرحلة، أصبح السفير الأمريكي (ولا يزال حتى الآن) يتصرف في لبنان كمفوضٍ سامٍ يتصل بمن يشاء وفي أي وقت يشاء، ويتدخل في الصغيرة والكبيرة في لبنان”. (ص 618)
وهذا أمر يُلاحظ بشكل واضح في الفترة الأخيرة، ويتزامن مع التهديد بعقوبات لمن لا يمتثل لمشيئة أمريكا من قادة لبنان. أما ربط ما يجري حالياً بأحداث مؤلمة وقعت في سبعينيات القرن الماضي فيشكل أهمية كبيرة في هذا الكتاب بحيث يقول إن: “اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 واختفاء الإمام موسى الصدر في عام 1978 في ليبيا واغتيالات القيادات اللبنانية الأخرى المسلمة المعتدلة كالشيخ صبحي الصالح والمفتي حسن خالد والشيخ حليم تقي الدين، تمت لأجل زرع البلبلة والفوضى في الساحة اللبنانية، كما فعلته اغتيالات القادة المسيحيين والمسلمين البارزين في فترة لاحقة”. ويضيف أن السماح لـ”قوات الردع العربية” بدخول لبنان لتأمين وقف المواجهات بين أطرافه عام 1976 “ساهم في السماح لها بالإشراف على تنظيم الحروب الفلسطينية ـ الفلسطينية، وحروب جهات لبنانية ضد المخيمات الفلسطينية، وتأجيج النزاعات الداخلية” (ص 622). وبالتالي، تم اضعاف وانهاك السياحة الوطنية اللبنانية وأتاح لإسرائيل الدخول العسكري إلى جنوب لبنان عام 1978 وتعزيز “جيش لبنان الجنوبي” التابع لها وتأمين بقائه في الشريط الحدودي إلى أن طردته المقاومة اللبنانية منه عام ألفين.
ويختتم حداد قائلاً: “أمريكا وإسرائيل تتوهمان إذا اعتقدتا أن حزب الله سيقف عاجزاً أمام عملياتهما التخريبية ضده”.
جورج حداد: “حزب الله ولبنان”
دار ابعاد، بيروت 2020
637 صفحة.