أصبحت العولمة الرقمية واقعا ملموسا في حياتنا اليومية وفي شتى القطاعات الاقتصادية الحيوية لجل دول العالم، ولعل أبرزها انتشار العديد من الشركات المالية المعروفة بـ”بروكر فوركس” عبر تطبيقة التداول المالي الافتراضي، بشكل أصبحت تلك العمليات مفتوحة على الجميع في أي مكان وزمان. بالإضافة إلى ذلك برزت خلال العشرية الأخيرة أسواق العملات المشفرة “Cryptocurrencies” التي أصبحت تحظى باهتمام كبير من جانب المتداولين والمستثمرين بحيث زادت قيمتها بشكل ملحوظ وأصبح الرهان على عملة بيتكوين متزايدا كعملة المستقبل المربحة بدلا من الدولار. فتلك الأسواق المالية الافتراضية المنتشرة على صفحات الإنترنت أضحت اليوم في متناول الجميع وكل متداول صاحب خبرة علمية أو مهنية قادر للتعامل بها وتحقيق أرباح طائلة خلال وقت وجيز جدا، إما بإدارة حساباته أو حسابات المستثمرين بالعمولة. فهنا يكمن مربط الفرس بحيث أصبح كل مستثمر برأس مال صغير قادرا على تحصيل دخل مادي إضافي أو حتى توفير راتب شهري قار مدى الحياة. لكن في المقابل لا تبدو تلك الصورة وردية للحد الكافي للبعض نظرا للمخاطر المتزايدة والمجازفة في صلب تلك الأسواق المالية الافتراضية والتي لا تشكل في حد ذاتها عالما واقعيا في تداول الأموال الحقيقية بل هي أحيانا تكون ضربا من الخيال الرقمي، وتكثر فيها عمليات النصب والاحتيال المعروفة بـ”سكام”. مع هذا فالبعض يعتبرها “نعمة” نظرا لتحقيقهم أرباحا عبر التداول اليومي وسحب أرباحهم أسبوعيا أو شهريا بعد تنزيل رأس المال وإدارة عمليات الصفقات عبر البيع والشراء المعروفة بـ “Buy/Sell” ووقف الخسارة المسماة بـ “Stop Loss”.
وفي المقابل يعتبرها البعض “نقمة” نظرا لخسارة أموالهم أو سرقتها من قبل بعض شركات فوركس أو العملات المشفرة “المحتالة والوهمية” التي تروج لنفسها باعتبارها بورصة الثراء أو غيرها من بيع الأوهام الكاذبة، وهي تفتقر لمجمل تراخيص المراقبة المالية الدولية.
بالنتيجة يمكن طرح موضوع مدى جدية وواقعية أو وهم وخيال تلك الأسواق المالية الافتراضية والتي تختلف جذريا عن قاعات البورصات الوطنية التقليدية التي تجمع أغلب المستثمرين والمضاربين في عقر مقراتها. بالتالي يمكن تحديد أهم الإيجابيات والسلبيات لبرمجيات الشركات التي توفر التداول المفتوح على الجميع داخل تلك الأسواق المالية الافتراضية.
الإيجابيات
يوجد دائما في عالمنا “الصالح والطالح” وذلك وفقا لنوايا الاستخدامات من قبل البعض بحيث تكمن هنا الإيجابيات واضحة من خلال حسن الاستثمار في المكان المناسب وتحقيق الأرباح المالية المرجوة. فعلى سبيل المثال نذكر في هذا السياق رجل المال والأعمال والمضارب الأول عالميا في الأسواق المالية جورج سورس الذي حقق أرباحا تفوق المليار دولار من التداول، وأيضا المستثمر المالي وارين بافيت الذي حقق ثراء فاحشا من تداول الأسهم بالأسواق المالية. بالنتيجة تعتبر عمليات التداول تلك في جوهرها واقعية بأموال حقيقية مع تسديد أرباح مالية وفقا لمجهودات المضاربين في إدارة الصفقات عبر عمليات البيع والشراء داخل تلك الأسواق. كذلك توجد على شبكة الإنترنت العديد من البرمجيات المسماة بـ “Brokers” وهي شركات مالية تشتري حصة استثمار من برمجيات “MetaTrader” فهذه الأخيرة تصنف ضمن خانة برمجيات الأسواق المالية الافتراضية والتي يستطيع أي شخص في العالم الولوج لها بسهولة وفتح “حساب تجريبي أو حقيقي” للتداول. فالبعض من المستثمرين في بعض الشركات التي تستخدم تلك التطبيقات يؤكدون مصداقيتها في التداول وتسديد نسب الأرباح بعيدا عن الاحتيال والنصب. كما أن بعضهم يشبهها بعمليات التداول المباشر بالبورصات وذلك وفقا لبرمجيات الشركات المالية العالمية المختصة في التداول بالحصص الكبيرة علي غرار بورصة وول ستريت. فعلى الرغم من اعتماد البروكرس كآلية التنزيل المالي المنخفض مع توفير أحيانا وفي بعضها رافعة مالية منخفضة للمستثمرين الصغار وذلك بتنزيل مالي كحد أدنى بين 100 و 1000 دولار، إلا أنها تختلف في محتواها وفي تسديد نسب أرباح عمليات “Buy/Sell” وجمع بما يعرف بنقاط بيبس “Pips” وذلك بالفارق في الزيادة أو النقصان وفقا لتذبذب مؤشرات العملات أو المعادن والأسهم للشركات. كذلك كثر اللغط مؤخرا بالدوائر المالية الافتراضية وحتى بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة حول مستقبل العملة المشفرة الرقمية بيتكوين، بحيث تؤكد أغلب التقارير المالية الزيادة الرهيبة في الثقة عليها كعملة مربحة جدا للاستثمار المستقبلي بها وتخزينها على المدى البعيد وذلك من خلال صعود قيمتها الواقعية عبر التحويلات بالأسواق المالية. إجمالا، توفر تلك الأسواق مجالا افتراضيا للاستثمار المالي المربح ولاكتساب مهارات قصد تجاوز المخاطر والتقليل من الخسائر.
السلبيات
رغم مصداقية وشفافية بعض الشركات المالية التي توفر مجالا استثماريا افتراضيا ناجحا وناجعا على المدى البعيد، إلا أن بعضها يصنف كشركات سرقة أموال المستثمرين أو حتى اقتطاع نسبة أرباحهم بطرق ملتوية وغير شرعية أو قانونية. ووفقا للتجربة يؤكد بعضهم خسارة أموالهم بحيث يعتبر الحساب التجريبي المتوفر بتلك الشركات للتدريب غير متطابق في التداول للحساب الحقيقي. إذ توهم تلك الحسابات التجريبية البعض منهم بالربح السهل للأموال لكن عند التحول لحساب التداول بالأموال الحقيقية تكثر نسبة المخاطرة والتذبذب وتسلب بالنتيجة أموالهم بطرق غير شرعية. كذلك نذكر عدم امكانية سحب المستثمرين أرباحهم المالية لتظل مجرد أرقام على تلك البرمجيات، أو أحيانا تعطيل السحب الكلي لرأس المال ليخسره المتداول. ومن أهم سلبيات تلك الأسواق المالية الافتراضية المعروفة بأسواق فوركس والعملات المشفرة نجد أن 90 في المئة من المستثمرين تسلب أموالهم أو يخسرونها نتيجة التذبذب السريع وزيادة نسب المخاطرة وفقط 10 في المئة تنجح عمليات تداول أموالهم وكسب صفقاتهم. فمجال التداول ليس دائما مربحا كما يعتقد البعض، فحتى الخبراء والمحترفين يخسرون رهانهم لأن الأسواق المالية غير ثابتة وتتأثر بأبسط المعلومات مثل الأحداث الأمنية، السياسية أو الطبيعية بحيث تفشل بعض تحليلاتهم وتوصياتهم اليومية. ويواجه بعض المتداولين المبتدئين صعوبات في تتبع مؤشرات “الشموع اليابانية” للتحليل الفني، التي يختلف حجمها “باللون الأحمر والأخضر” مما تشكل لهم “عدم يقين” في تتبع تذبذب العملات والمعادن والأسهم خاصة عند مرحلة دخول صفقة البيع والشراء لأنها يجب أن تتجاوز 0.5 من مرحلة التذبذب السابق لتشكل مثلث بداية الصفقة. أما بالعودة لنظرية بعض منظري الاقتصاد النقدي نذكر منهم غريشهام الذي يذكرنا “أن الأموال الفاسدة تقتل الأموال الحقيقية” نذكر هنا خاصة بالنسبة للمستثمرين بالعملات المشفرة الرقمية والتي في مجملها تعد مجرد رموز وخيال. ففي هذا المضمار نذكر أيضا العملة المشفرة “Rippel” التي تم إيقافها مؤخرا من قبل الدوائر المالية الأمريكية نتيجة احتيالها على المستثمرين ما جعلها تنهار بسرعة وتنعدم بها الثقة. فالعديد من العملات المشفرة ليست لها صبغة قانونية من جانب إصدارها بحيث تكثر في صلبها عمليات الاحتيال أو “ابتلاع الأموال” وتتسبب في خسارة أموال المستثمرين. أما بخصوص نظرية فيبوناسي حول أسواق فوركس والتي تختلف عن شراء الأسهم المعروفة بـ “Stock Exchange” بحيث تبين أن تلك التحليلات للرسوم البيانية في مجملها غير واقعية بالحد الكافي لأن أصلا السوق غير ثابتة وتتأثر بأبسط المعلومات ولا يمكن التكهن بصعودها أو بنزولها بنسبة 100 في المئة وهي تبقى مجرد تكهنات افتراضية لا أكثر ولا أقل.
إجمالا تعتبر السلبيات كبيرة في مجال استثمار الأموال داخل تلك النوعية من البرمجيات الملحقة بشركات الأسواق الافتراضية خاصة منها عمليات الاحتيال وسرقة أموال المستثمرين أو المخاطر المرتفعة في عمليات التداول، إذا كانت الرافعة المالية مرتفعة، مما تجعل بالنتيجة أغلب المستثمرين ضحايا خسارة أموالهم ولا يوجد في هذا السياق تشريع قانوني يحميهم أو يوفر لهم الصبغة القانونية للتنزيل بتلك الشركات. إذ في هذا السياق ما زالت بعض الدول تفرض قيودا مشددة على تحويل الأموال بالعملة الصعبة خاصة منها الدول العربية الفقيرة أو التي تواجه صعوبات اقتصادية وهشاشة في منظومتها المالية والنقدية.