بيروت- “القدس العربي”:
في وقت لاتزال آثار الانفجار الضخم في مرفأ بيروت شاهدة على الجريمة الكبرى التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص، وتسبّبت بوقوع 6 آلاف جريح، وتهديم وتضرّر نصف العاصمة اللبنانية، فإن أعمال التأهيل في المرفأ اقتصرت لغاية الآن على رفع الردميات وتصليح بعض العنابر وإعادة افتتاح السوق الحرة مع عودة العمل إلى بعض الأحواض واستقبال عدد من البواخر.
وإذا كانت الحالة المأساوية التي نتجت عن الخسائر الهائلة للانفجار أوجدت حالة من التعاطف العربي والدولي مع بيروت، فقد برز اقتراح لافت لوزير السياحة الأسبق فادي عبود قبل نحو شهرين للاستفادة من هذا التعاطف للاستثمار في مرفأ بيروت من خلال الإبقاء على الإهراءات بشكلها المدمّر وإقامة نصب تذكاري للضحايا والسعي لتحويله إلى مرفأ سياحي من الطراز العالمي يستقبل السفن السياحية العملاقة، بدلاً من الإبقاء عليه كمخزن ورصيف للحاويات والبضائع، خصوصاً أن كلفة الأراضي في موقع المرفأ مرتفعة جداً ومن الأفضل استثمارها في مشاريع أخرى، نظراً لمكانة بيروت وعدم وجود مرفأ سياحي يستقبل بواخر سياحية في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى اليخوت والمراكب على غرار ما هو موجود في تركيا وقبرص واليونان. على أن يتم استحداث مرفأ تجاري جديد على أراض أقل كلفة ما بين الدورة وطرابلس شمال بيروت أو بين الشويفات والجيّة جنوباً بدل إشغال حوالى مليون متر مربع بقيمة تراوح حوالى 10 مليار دولار.
وفي هذا الإطار، نشرت صفحة Live Love Beirut قبل أيام قليلة تصوّراً لكيفية تحويل المرفأ إلى حديقة بيروت التذكارية بناء على مبادرة للمهندس المعماري كارلوس مبارك لتكون معلماً ثقافياً ورمزياً ومشروعاً معمارياً يخلّد ذكرى ضحايا انفجار مرفأ بيروت على غرار ما تم إنشاؤه لضحايا 11 ايلول/ سبتمبر في نيويورك ونصب برلين التذكاري لضحايا الحزب النازي.
بعد اقتراح نقل الميناء من مكانه ناشطون رحّبوا بالفكرة وآخرون طالبوا بالعدالة وترميم البيوت أولاً
وقد لاقى المشروع تجاوباً من قبل الناشطين الذين أثنوا على التصميم المذهل، لكنهم لفتوا إلى أن هذا المشروع يمكن تنفيذه عندما لا يعود هناك حكم فاسد، فيجسّد الانتصار على الفساد والنصر للأرواح التي تمّت التضحية بها. وتخوّف هؤلاء من عدم تحقّق المشروع في ظل تربّص قوى دولية لكسب ورقة إعادة إعمار المرفأ ما سيؤدي إلى تسليمها المساحة كاملة ويحول دون إنجاح المشروع الرائع.
واعتبر البعض أنه من الجيد الاحتفاظ بذكرى الذين فقدوا حياتهم، لكنهم سألوا “هل تحلّ هذه الحديقة محل مرفأ بيروت؟”، و”إذا كانت الإجابة بنعم، فينبغي أن نكون ضدها لأننا كلبنانيين سنساعد في تدمير بلدنا اقتصاديا. لأن إعادة بناء المرفأ وجعله أفضل من ذي قبل هو النهج الصحيح للدفاع عن اللبنانيين، خصوصاً أن الانفجار ناتج عن أسباب عديدة من بينها ضرب مرفأ بيروت الذي كان من أهم الموانئ في الشرق الأوسط لتستفيد على حسابه الموانئ الأخرى”.
واستغرب آخرون اعتبار الانفجار ذكرى جيدة للتذكّر. وقالوا: “هذا مسرح جريمة، ومن الضروري عدم تدمير أدلّة والمضي قدماً في مشروع حديقة بينما لا يزال المجرمون أحراراً، ولم ينته الناس من إعادة بناء منازلهم ولم يتم تحقيق العدالة”، رافضين “أن تكون هذه الحديقة المقترحة حديقة تذكارية للإفلات من العقاب”.
وبين مؤيّد للحديقة وآخر رافض لها، ثمة من نوّه بالتصميم الجميل للمشروع لكنه رأى “أن البشر أهم من الحجر، وأن الفن يكون جميلاً بعدما تؤمن الدولة للشعب مقوّمات الحياة وعندما تتوافر الكهرباء والطبابة والتقديمات الاجتماعية وينتفي الجوع. وبدل صرف ملايين الدولارات على حديقة تذكارية، قد يكون أفضل منح الأموال لعائلات الضحايا والتركيز على ترميم أحياء بيروت وإنقاذ ما تبقّى من سقف يحمي أهل بيروت”.


