اختارها فخري صالح وقدّم لها بدراسة مطولة: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” قصائد من محمود درويش

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

ومن ذا الذي يكتب عن محمود درويش، من النقاد، ولا يشعُ أنّ قلمه لم يَعدْ قلمه، وأنّ الشاعر الآسر قد أصاب قلمه بالخرس، أو جعله يتمايل بحبره زورقاً ثملاً، أو أسال حبرَه سماءً تجود بكل ما فيها من حروف المطر.

من ذا الذي، من الدارسين، ينسج شبكةً بسعةِ بحرٍ لاصطياد أسماك هذا الشاعر البحر ولا تتقلّص شبكته لتفصح َعن بضع سمكاتٍ قد تثير سخرية وأسى أسماكه، أو تتمدّد لتصطاد أسماك بحارٍ أخرى كذلك، أو تحتارُ بين ما تنفتح أمامها من بحار…

ومن ذا الذي يقرأ هذا الشاعر الغامر، من الشعراء، ولا يصاب بعدوى النطق بلغته، الرقص بإيقاعاته، والغناء بحنجرته، ولا يجدُ غضاضةً عن تأثره بقدر ما يجد اعتزازاً يغمره، وحمداً على الغنى الذي منحه له محمود…

الناقد الأردني فخري صالح قام بمغامرةِ وردٍ أقلُّ ما توصف به الجرأة، قبل الحديث عن الأهمية، إذ انتقى مختاراتٍ من شعر محمود درويش وأصدرها في كتابٍ ضخمٍ تحت عنوانِ أحد أهم جملِ درويش التي أطلقها حمامةً في أحدِ قصائده المتضمَّنة في ديوان شعره “وردٌ أقلّ”، لتحطّ في ضمير ما لا يحصى من شعرِ وكتابات الشعراء والكتاب: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”:

“على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ: تَردُّدُ إبريلَ، رائحةُ الخبزِ

في الفجر، آراءُ امرأةٍ في الرّجال، كتاباتُ أسخيليوس، أول الحبّ،

عشبٌ على حجرٍ، أمّهاتٌ يقفن على خيطِ نايٍ، وخوفُ

الغزاة من الذكرياتْ.

على هذه الأرض ما يستحقُّ الحياةْ: نهايةُ أيلولَ، سيّدةٌ تترُكُ

الأربعينَ بكامل مشمشها، ساعةُ الشّمس في السجن، غيمٌ يُقلّدُ

سِرباً من الكائنات،

هتافاتُ شعبٍ لمن يصعدون إلى حتفهمْ باسمينَ،

وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ.

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ”.

ولم يكتف صالح بجرأة مغامرته على الاختيار، إذ زوّد مختاراته بتقديم تحت عنوان “هذه المختارات”، أرجع فيه طبيعة مفاضلته في الاختيار من جميع دواوين شعرِ درويش لأسبابٍ تتعلق، أولاً: بالأهمية التاريخية في شعر درويش، لقصائد تعتبر علامةً كبرى من علامات شعره الأساسية، التي أثّرت في ارتباطه بقضيته وبقارئه.

وثانياً: لإلقاء الضوء على تطوّر درويش الشعري، ولغته، وموضوعاته، وفكره، ورؤيته السياسية، وطريقة نظره إلى الشعر، من خلال تركيزه على مجموعات أكثر من غيرها في الاختيار، مع تركيزه على قصائد أساسية كبرى تفيد القارئ في الاطلاع على تفاصيل تطوّر تجربة درويش “وجعله يرى المنحنى التطوّري لتجربة شعرية فلسطينية عربية لا تقل أهمية عن تجارب الشعراء الكبار في العالم”. ويبدو أن عامل كشف منحنى التطور هذا هو ما ينقذ الاختيارات من تساؤل القارئ إن لم يكن من الأفضل تركه حراً في قراءة شعر درويش المجموع في الأعمال الكاملة له.

ويدعم صالح مفاضلته الاختيارية الواعية لأهدافها، بدراسةٍ مطوّلة بخمسٍ وأربعين صفحة عن شعر درويش، بوعي منه أنها “لا تشمل كل أبعاد تجربته الشعرية، ولكنها تقدم إضاءات، تمكّن القارئ من الاستمتاع باكتشاف الخيوط الأساسية التي تشكِّل نسيج هذه التجربة الفذَّة، لشاعرٍ حيّ مثله مثل أسلافه الكبار: امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وأبو تمَّام، والمتنبي، وأبو العلاء المعري؛ وهو لا يقلُّ عنهم أهميةً وتفرُّدا”.

وفي دراسته المطوّلة هذه، يفصّل صالح رؤيته النقدية التي جعلتْ مفاضلته على هذه الصورة بخمسة عناوين: أسطرة التجربة الفلسطينية، مشاغل شعرية بطموح كوني، شبه سيرةٍ ذاتية، شاعر حبّ أيضاً، شاعرٌ يتأمّل موته. تسبق الدراسة مقدّمة تحت عنوان “محمود درويش: من شعر المقاومة إلى إدراج فلسطين في وعي العالم”، ولا تكشف هذه العناوين بطبيعة الحال جميع أبعاد رؤية صالح النقدية الغنيّة حقاً في رصد تطور تجربة درويش بدءاً من هرب عائلته إلى لبنان حين احتل الصهاينة قريته البروة، وعودتها إلى سراب القرية التي محاها الصهاينة ليقيموا عليها مستعمرةً، إلى إقامته في عكّا، ثم رحيله إلى موسكو فبعض العواصم العربية التي تشكل بيروت علامتها الأبرز، فباريس، ثم عودته مرةً أخرى إلى فلسطين وما رافق هذا الارتحال، وهو الأهمّ في دراسة صالح، من تطوّرٍ على التجربة الشعرية، بوعيٍ نفّاذ لتحوّلات رؤية درويش، واحترامٍ مؤسَّسٍ على فهم رغبة الشاعر في عدم إدراج بعض قصائده الشهيرة مثل “عابرون في كلام عابر” بين شعره وإنما في نثره الذي لا يقل أهميةً. ويمكن الإشارة في هذا المقام إلى كشف صالح عن:

– انفلات درويش من تأثير روّاد الشعر العربي الحديث، وأسْر الشخصيّة القالبيّة للمقاومة في دواوين شعره الأولى: “أوراق الزيتون” 1964، و”عاشق من فلسطين” 1966، إلى جَدْل التعبير عن التراجيديا الفلسطينية مع التطوير الشكلي للقصيدة العربية المعاصرة، عبر الصور التي يلتحم فيها الحسي بالتجريدي، كما في قصائد “سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا”، و”الخروج من ساحل المتوسط” في مجموعته “محاولة رقم 7″، 1973.

– نفاذ درويش من فائض اللغة إلى الصفاء التعبيري الذي ميّز قصائده في المرحلة التي مثلتها مجموعتا شعره: “هي أغنية، هي أغنية”، و”ورد أقل” 1986، حيث تصبح القصيدة أكثر كثافةً واختزالاً، وأكثرَ التفاتاً إلى ما هو كونيٌّ:

“تضيق بنا الأرض. تحشرنا في الممر الأخير، فنخلعَ أعضاءنا ونمرّ

وتعصرنا الأرض. يا ليتنا قمحُها كي نموت ونحيا. ويا ليتها أمّنا

لترحمنا أمّنا. ليتنا صورٌ للصخور التي سوف يحملها حلمنا

مرايا. رأينا وجوه الذين سيقتلهم في الدفاع الأخير عن الروح آخرنا

بكينا على عيد أطفالهم. ورأينا وجوه الذين سيرمون أطفالنا

من نوافذ هذا الفضاء الأخير.  مرايا سيصقلها نجمن.”

– جدْل درويش للوطني بالإنساني لتصبح التجربة الفلسطينية وجهاً آخر من وجوه عذاب البشر على الأرض، بدءاً من مجموعته الشعرية “أرى ما أريد” 1990، وذلك من خلال التخليق الأسطوري بمستوييه: إقامة الفردوس المتخيل، وبناء أساطير كبرى من فتات الحكايات وأساطير الشعوب، لتتألق تجربة درويش في النضج الشعري وخصوبة الدلالة والقدرة على جدل الحكاية الفلسطينية بحكايات التاريخ المستعادة، كما يلاحَظ في قصائد “هدنة مع المغول أمام غابة السنديان”، “مأساة النرجس ملهاة الفضة”، و”الهدهد”.

ومواصلة درويش إبداع هذه المرحلة ليصل إلى ما لا يسبق تجربته من نضج في مجموعته اللاحقة “أحد عشر كوكباً” 1992، حيث تحضر الأندلس وحكايات الهنود الحمر وحكاية الشاعر مع ريتا وسوفوكليس والكنعانيين، لتشكّلَ هذه المادة التاريخية – الشخصية صيغةً للتعبير عن “حكاية الفلسطينيين الخارجين من الأندلس” والروح الفلسطينية المعذَّبة الباحثة عن خلاص من ضغط التاريخ وانسحاب الجغرافيا.

-تعبير درويش عن المنفى الجماعي الشخصي “بسيرة شبه ذاتية” يتداخل فيها الحب وعالم الطفولة بإغناءٍ آخر من الحكايات والأساطير والاقتباسات الدينية القرآنية والتوراتية، وإدخال اللغة كوناً يلوذ به الشاعر من نصال المنفى، كما في مجموعتيه: “لماذا تركت الحصان وحيدا”1995 ، و”سرير الغريبة” 1999، التي يكشف صالح في دراستها جوانب الحبّ المغطّى عليها في شخصية وشعر درويش بغلبة صفة شاعر المقاومة عليه، وبالأخص في سوناتاتها الست التي “يمزج فيها المشاعر النورانية التي يضفيها الحب على الشعر بشعور القلق الملازم لكل عشق، وخصوصاً إذا كان العاشقان مهددين بالغربة والمنفى”:

صُنَوْبَرَةٌ في يمينكِ. صَفْصافَةٌ في شِمالِكِ. هذا

هو الصيفُ: إحدى غزالاتكِ المائةِ استسلمتْ للندى

ونامت على كتِفي، قُرْبَ إحدى جهاتكِ، ماذا

لو انتبَهَ الذئبُ، واحترقتْ غابةٌ في المدى

نعاسُكِ أقوى من الخوفِ. بريّةٌ من جمالكِ

تغفو، ويصحو ليحرُسَ أشجارَها قمرٌ من ظلالك

ما اسم المكانِ الذي وَشَمَتْهُ خطاكِ على الأرضِ

أرضا سماويةً لسلامِ العصافيرِ، قرب الصدى”.

-نسج درويش لمواجهة الموت بالفن، في جداريته المذهلة وكشفه الأبدية البيضاء وأنسنته للموت، ومخادعة الموت وهزيمته:

“هزمَتْك يا موت الفنون جميعها.

هزمَتْكَ يا موت الأغاني في بلاد

الرافدين. مسلّة المصري، مقبرة الفراعنة،

النقوش على حجارة معبدٍ هزمتكَ

وانتصرت، وأفْلَتَ من كمائنك

الخلود…

فاصنعْ بنا، واصنع بنفسك ما تريدُ”.

وفي دراسته المطولة تلك لا ينسى صالح الإشارة إلى تفرّد درويش بين المعلّمين في حلّ المعادلة المستحيلة على الشعراء في التوفيق بين الفن النقيّ الغامض، وحبّ القارئ العادي الذي لا يطيق الغموض. ولا تكشف عناوين هذه الدراسة، مثلما أشار صالح نفسه، جميع أبعاد تجربة درويش التي تناولتْها بآماد من البحث في فنيتها ورؤيتها الوجودية، مئات الدراسات ورسائل الدكتوراه والموضوعات النقدية والقراءات التي أشير إلى بعض ما فاضت به قلوب أصدقائه منها، مثل دراسة الياس خوري العميقة الكاشفة رحلة درويش في مخادعة الموت تحت عنوان: “مات الشاعر” ودراسات أصدقائه الذين لا يريدون إرشاد الموت إليه حيث اختبأ في قلوبهم.

ومرّة أخرى، من ذا الذي يستطيع الهروب من تأثير الشاعر الذي هرب طفلاً من الموت، وخادع الموت الذي كان ينصب له الفخاخ في قصيدته نفسها، طوال رحلته الباذخة فناً في تاريخ الشعر، بقدرة فن الشعر الذي كان سيّده، حتى اللحظة الأخيرة التي استسلم له فيها لكنْ بعد أن أنسنه، وجعله يوْدِعه حياًّ، أكثر من على جدار الفنّ الإنساني، في قلوب الناس.

فخري صالح: “محمود درويش ـــ على هذه الأرض ما يستحق الحياة

الأهلية للنشر والتوزيع، عمان 2021

536 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية