بات أكيداً أن الامساك بمفاصل القرار في الحكومة ما بعد إنتهاء ولاية عون- إذا كان سيغادر القصر- هو الذي يحكم عملية التأليف بين فريقي عون والحريري.
بيروت-“القدس العربي”:إذا كانت حجة بعض الأطراف في لبنان في تأخير ولادة التشكيلة الحكومية هو انتظار تسلّم الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن مقاليد البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير الحالي، فإن هذا التسلّم قد تمّ ويُفترض بالتالي أن يبدأ العدّ العكسي لحلحلة التعقيدات الحكومية خصوصاً إذا كانت مفتعلة من فريق العهد وحزب الله أو إذا كانت ناجمة عن خوف من عقوبات معيّنة لدى الرئيس المكلّف سعد الحريري من إدارة الرئيس دونالد ترامب في حال لمست تمثيلاً موارباً لحزب الله ضمن الحكومة العتيدة.
ومع دخول الولايات المتحدة في مرحلة جديدة والرهان على تغيير الإدارة السابقة وبالتالي الرهان على حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه إيران وحزب الله، فقد حان الوقت لترجمة حقيقة هذه الرهانات. لكن المواجهة التي عادت بين بيت الوسط وقصر بعبدا أطاحت بما تسرّب عن احتمال حصول تقاطع على تظهير الحكومة الجديدة. وجاء بيان بعبدا ليتعارض مع رغبة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي دعا رئيس الجمهورية إلى الاتصال بالرئيس المكلّف للتوافق على الحكومة. ما يعني أن التصلّب في بعبدا ما زال على حاله، ونُقِل عن أوساط متابعة لعملية تشكيل الحكومة أن عون ليس في وارد التنازل عن عدد من المطالب بينها حقّه في تسمية الوزراء المسيحيين والحصول على حقيبتي الداخلية والعدل أو على إحداها ثم رفع عدد أعضاء الحكومة من 18 إلى 20 وزيراً ليتمّ تمثيل الفريق الدرزي الحليف معه وهو النائب طلال ارسلان إضافة إلى تسمية وزير كاثوليكي ثان سيكون حتماً من حصة عون أو التيار الوطني الحر، وعدا ذلك لا داعي لزيادة عدد اللقاءات بين الرئيسين عون والحريري إن كانت هذه اللقاءات الجديدة لن تقدّم أو تؤخّر، وهو ما عبّر عنه صراحة البيان الأخير لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية الذي أعلن صراحة أن “ليس لرئيس الجمهورية أن يكرّر دعوة رئيس الحكومة المكلّف للصعود إلى بعبدا، ذلك أن القصر لا يزال بإنتظار أن يأتيه رئيس الحكومة المكلّف بطرح حكومي يراعي معايير التمثيل العادل”.
كل ما تقدّم يشير إلى أن الحريري الذي يراهن على فترة السماح الأمريكية وتعليق فرض العقوبات المحتملة في الوقت الضائع يصطدم بتصلّب الفريق العوني الذي لم تُجدِ معه لغاية الآن كل الوساطات، حتى أي وساطة من قبل الثنائي الشيعي. فمن يراجع أداء الفريق العوني على مرّ السنوات الماضية يدرك كيف لا يهتم بأي فراغ وكيف يمارس لعبة عضّ الأصابع، مراهناً على الوقت ليحصد تنازلات من خصومه، وهذا ما حصل لدى تعطيل إحدى الحكومات أشهراً طويلة إلى حين توزير جبران باسيل الذي كان راسباً في الانتخابات النيابية، وهذا ما حصل أيضاً في موضوع الاستحقاق الرئاسي حيث بقي تعطيل النصاب والشغور في سدة الرئاسة أكثر من سنتين إلى حين الاتفاق على انتخاب عون رئيساً.
واللافت أن البعض كان يعتبر أن من مصلحة رئيس الجمهورية إنقاذ عهده بالإسراع في تأليف حكومة لتطبيق خطة الانقاذ من الانهيار المالي والاقتصادي، بالاستناد إلى المبادرة الفرنسية واستعداد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لوضع امكاناته في خدمة لبنان واستعادة عافيته ودعم شعبه. غير أن من شبّ على شيء شاب عليه، وما زالت عقلية المحاصصة وحجم التمثيل الوزاري تتحكّم بسلوك الرئيس عون ومن ورائه صهره النائب باسيل. فالحقائب والحصص وتسمية الوزراء تبدو أهمّ لدى هذا الفريق، الأمر الذي يطيل عمر الأزمة ويدفع ثمنه المواطن الرازح تحت عبء الأزمات الثقيلة ووجع أهالي ضحايا مرفأ بيروت وتشرّد آلاف العائلات من بيوتها المتضرّرة.
وبات أكيداً أن الامساك بمفاصل القرار في الحكومة ما بعد إنتهاء ولاية عون- إذا كان سيغادر القصر- هو الذي يحكم عملية التأليف بين فريقي عون والحريري. فباسيل في حال تجدّد الفراغ في رئاسة الجمهورية بعد إنتهاء ولاية عمّه يريد أن يكون ضامناً بيده الثلث المعطّل في الحكومة للتحكّم بالقرارات، فيما الحريري يخضع لعملية ابتزاز من الفريق عينه الذي يدرك رغبته في العودة إلى رئاسة الحكومة وحاجته لاسترجاع دوره في الرئاسة الثالثة ولاسيما أن موقعه في رئاسة الحكومة يتيح له أن يلعب دوراً مؤثّراً في الداخل وفي العواصم الخارجية في عملية اختيار رئيس الجمهورية المقبل، ولذلك فهو لا يتوقّف عند كل خطوات الاحراج للاخراج ومحاولات لَي ذراعه وإلا كان أقدم على الاعتذار بعد كل ما واجهه، وفي ضوء ما ينتظره من تحدّيات ومن ضغوط لتحرير القرار اللبناني من النفوذ الإيراني وهيمنة حزب الله وإمساكه بقرار الحرب والسلم وتداعيات كل ذلك على امكانية النهوض بلبنان من حال الانهيار، في ظل الحصار المضروب دولياً وعربياً على بيروت بسبب الدور المتعاظم لحزب الله داخلياً وإقليمياً.