أن يكون أحدهم منتجاً أو مخرجاً أو مؤلّفاً لعمل فنّي ما، فهذه المهن ليست منغلقة على الفهم لدى غالبية مَن يقرأ، وإن ظلّت تفاصيل طبيعة العمل في كلٍّ منها غامضة للغاية حتى لدى غالبية المتلقّين للعمل الفنّي. لكن ماذا نسمّي الشخص الذي سبق كل هؤلاء فأوجد الظروف الملائمة كي يرى ذلك العمل الفنّي النور في المقام الأول؟ ولا أقصد هنا مصدر الإلهام لمؤلف الأوبرا أو الباليه، ولا الكاتب أو الشاعر الذي صاغ القصائد أو السيناريو أو الحوار، ولا حتى الشخص الذي قام بتكليف كل هؤلاء، بل الشخص الذي لمعت في ذهنه فكرة أن يقوم “س” من الناس بتأليف العمل الفني “ص” من أداء فنانين معيّنين “ع” بناءً على نص للكاتب “ف” (وبتمويل من “ق” من الناس) بعد أن كان قد التقى بكل هؤلاء المبدعين فوجد أن كلاًّ منهم يلائم الآخر، ويشحذ خيال الآخر، ويدفع بالآخر إلى المثابرة وصولاً إلى الكمال والأصالة وجزالة التعبير عن حال الإنسان. فهذا بالضبط دور الإمبرساريو، وهي كلمة إيطالية، بمثابة اسم فاعل، يعني جذرها “الانطباع”. فهذا الشخص يجمع انطباعاته عن هذا المبدع وذاك في هذا المضمار وذاك، ثم يؤالف بين مَن ينتقي كي يقدّم أعمالهم الفنية لجمهور الحضور تلك الأعمال الفنية التي لم يحلموا هم أنفسهم يوماً بها! ولا يختفي شخص كهذا خلف الكواليس وحسب، بل خلف جمع غفير من المتلقّين هذا إذا كان حاضراً على الإطلاق! تُرى هل لنا أن نطلق على ساحر كهذا لقب المؤالف؟
لقد سأل عاهل إسبانيا، ألفَونْسَو الثالث عشر (1886-1941) سَرغَيه دْياغِيْلَف (1872-1929) مازحاً ذات مرة، وهو يستضيف فرقته الروسية لأداء الباليهات في مدريد: “وماذا تفعل إذاً في هذه الفرقة؟ فلا أنت تخرج باليهاتها، ولا أنت ترقص فيها، بل ولا تعزف فيها حتى البيانو، فما هو دورك، يا تُرى؟” فأجابه دياغيلف: “أنا مثلك تماماً، يا جلالة الملك. فأنا لا أشتغل، بل إنني لا أفعل شيئاً البتّة. لكن لا غنى عنّي”.
وأترك للقارئ أن يقدّر عمق الجرأة وسعة الخيال ومدى النشاط وحجم الإرادة وغيرها من الخصال التي وجب أن تجتمع في امرئ ما كي يقوى على تأسيس فرقة باليه محترفة جوّالة لعقدين من الزمان (1909-1929) وإدامتها وتذليل العقبات الجمّة في طريقها: فرقة باليه لا تكرر التراث بل تبني عليه وتجدد فيه وتذهب بعيداً لإعادة صهره من جديد اعتماداً على مواهب شتى جلّها من روسيا التي عصفت بها الحروب والثورات والتمرّدات والثورات المضادة، فبدا حكم سلالة رومانوف القيصرية متزعزعاً للغاية (1613-1917) لا سيّما في أعقاب هزيمة الروس النكراء في مواجهة إمبراطورية اليابان (1904-1905)، وما يُدعى بالثورة الروسية الأولى. وفي خضمّ الحرب الكبرى (قبل أن تُدعى بالحرب العالمية الأولى) التي اندلعت في صيف 1914 ودامت حتى 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1918 وثورة شباط/فبراير 1917 التي أنهت حكم سلالة رومانوف إلى غير رجعة والتي أفضت إلى ثورة تشرين الأول/أكتوبر 1917 التي أخرجت روسيا من تلك الحرب ثم ما لبثت إلّا وأدخلتها في تمردات وثورات مضادة تقودها جهات متنوعة، منها الجيش الأبيض في مواجهة الجيش الأحمر، لم يخمد رمادها حتى 16 حزيران/يونيو 1923.
لكن دياغيلف ظل طوال تلك السنين ورغم كل المآسي التي لحقت بالبشرية آنذاك يقدّم موسماً متألّقاً من الباليهات الجديدة تلو الآخر، في باريس ثم لندن فمدريد فميلانو، ومن ثم في الأمريكتين، لاقى كلٌّ منها إقبالاً لافتاً غيرّ مجرى تاريخ فنون الأداء، وكأن لسان حاله يقول: إذا لم تكن الغاية أن نتذوّق الفنون الراقية، من رقص وموسيقى وشعر ورسم، وأن نضيف إليها، فمن أجل ماذا إذاً نتمسّك بالحياة؟
وُلد سرغيه في عائلة روسية إقطاعية ثرية وموسيقية في التاسع عشر من آذار/مارس 1872 في التقويم اليولياني في قرية سَيلِيشْتشي على بعد 162 كم إلى الجنوب الشرقي من مركز العاصمة آنذاك، سانت بطرسبورغ، وتوفّيت أمه، أفغينيا، جرّاء الولادة. وبعد سنتين تزوّج والده، العقيد في سلاح الفروسية القيصري، شابة باسم أيلينا تتذوّق الفنون وتهواها، وسرعان ما لاحظت أيلينا لدى سرغيه حسّه المرهف وولعه بالفنون فأصبحا روحين متآلفتين، وشجّعته على دراسة الموسيقى والغناء، وكان لتشجيعها هذا أبلغ الأثر في نفس ربيبها الذي ظلّ يذكره مدى حياته.
ونشأ سرغيه في منزل أجداده في مدينة بَيرْمْ النائية عن العاصمة والقريبة من جبال الأورال التي تفصل روسيا عن سيبيريا، وأوروبا عن آسيا، وتخرّج في مدرستها الثانوية في 1890 وهو محاط بجمال الطبيعة من سهول وأنهار وغابات خلاّبة ولّدت في نفسه ولعاً جمّاً باللوحات والمنحوتات الروسية التي تحاكي ذلك الجمال وتعكس شيئاً منه. وجرت العادة في دار العائلة على تقديم أمسيات أدبية وموسيقية أسبوعياً، إذ كان والده يحفظ أوبرات كاملة عن ظهر قلب ويؤدّيها، جنباً إلى جنب مع زوجته الشابة وثُلّة من الأقارب والأصدقاء، الذين أخذوا يلقّبون المنزل بعبارة “أثينا بَيْرْم”.
والتحق سرغيه بكلية الحقوق في جامعة سانت بطرسبورغ وأخذ يضيف على محاضراتها دروساً في الغناء والتأليف الموسيقي في كونسرفاتوار العاصمة. بيد أن أستاذه في التأليف، نيكولاي رِمْسْكي-كورساكوف (1844-1908)، صاحب “شهرزاد” وغيرها من الأعمال الموسيقية، نصحه ألاّ يواصل دراسة الموسيقى لانعدام موهبته فيها! ولم تمنعه هذه النصيحة، التي قد تبدو ساحقة ماحقة للوهلة الأولى، من متابعة اهتمامه بالفنون بقضّها وقضيضها، إذ إنه كان يتمتع بثقة عالية بالنفس رسّختها فيه زوجة أبيه، أيلينا، منذ نعومة إظفاره. فراح يؤسس مجلة “عالم الفن” التي تُعنى بالفنون الجميلة، وينظّم معارض الفن الروسي في العاصمة أولاً وفي باريس ثانياً، ثم أخذ ينتج أوبرات أستاذه في التأليف الموسيقي وباليه “سِلْفيا” للفرنسي ليو دَلِيْبْ (1836-1891) في العاصمة، ثم ركّز على باريس فقام بتنظيم خمس حفلات من الموسيقى الروسية في 1907، ثم الأوبرا الكبرى “بوريس غودونوف” لمودَيست مُوسَورْغْسْكي (1839-1881) في 1908، حيث قام بأداء الدور الأساس فْيَودَور شاليابِن (1873-1938) أحد أروع مغنّي الأوبرا العالمية وأعذبهم موسيقيةً، ثم الموسم الأول من الأوبرات والباليهات الروسية ابتداءً من التاسع عشر من أيّار/مايو 1909 الذي يعدّ تاريخ انطلاقة فرقته للباليهات الروسية، حيث لمع نجم راقصة الباليه الروسية آنّا بافلوفا (1881-1931) ونجم راقص الباليه البولندي فاسلاف نيجينْسْكي (1889-1950). ويبدو أن الباليهات طغت على الأوبرات فلم يعد دياغيلف يقدم الأوبرات من بعد ذلك الموسم الأول وحتى مماته بعد موسمها العشرين في التاسع عشر من آب/أغسطس 1929 في البندقية.
وكما عصفت رياح التغيير بالنُظم البالية في روسيا وغيرها من البلدان في الربع الأول من القرن العشرين، شهدت فنون الشعر والأدب والموسيقى والفنون التطبيقية ثورات على الأنماط والهياكل المتوارثة الجامدة. فراح الشعراء ينتفضون على قيود الوزن والقافية، ويتجاوزون حدود ما كان متّبعاً من حيث المحتوى. وذهب مؤلفو الموسيقى إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير فصار وزن القطعة لا ثنائياً ولا ثلاثياً ولا رباعياً، بل خماسياً وسباعياً وهلمّ جرّا، بل ولم يعد وزنها ثابتاً بل تراه يتغير من مازورة إلى أخرى. ولم يعد من الممكن متابعة القطعة على أنها سلسلة من الجمل الموسيقية تتكامل بنيوياً عبر موشور الزمن. وأمست السلالم الموسيقية التقليدية قليلة الأهمية، كي لا نقول عديمتها، إذ دخلت سلالم وأنظمة نغمية من ثقافات غير غربية، ومن ابتكار مؤلفين روّاد، ما أضفى على الموسيقى الغربية ألواناً غنية للغاية لم تكن تعرفها من قبل.
لقد كان دياغليف وراء تجنيد وتكليف ألمع معاصريه من الرسامين، مثل بابلو بيكاسو (1881-1973) ومن مصمّمي الرقص، مثل ميشيل فوكين (1880-1942) وجورج بالانْشِين (1904-1983) ومن مصممي المسرح والأزياء، مثل ليون باكْسْت (1866-1924) وألكسندر بَنْوا (1870-1960) ومن المؤلفين بباليهات ما تزال مفصلية حتى يومنا هذا، مثل “ألعاب” للفرنسي كلود دَيبُوسي (1862-1918)، و”دافنيس وكْلَوْوَيه” للفرنسي كذلك موريس رافَيل (1875-1937) و”القبّعة ذات الزوايا الثلاث” للإسباني مانويل ده فايّا (1876-1946) و”أسطورة يوسف” للألماني ريخارد شْتْراوس (1864-1949)، و”الدكان الغريب” للإيطالي أوتّورينو رَسبيغي (1879-1936)، و”خطوة الفولاذ” للروسي سرغيه بْرَوكَوفْيَف(1891-1953) .
ولعل أهم شراكة بينه وبين مؤلف ما كانت مع ابن بلده الآخر، إيغور سترافِنْسكي (1882-1971)، الذي ألّف له باليهي “طير النار” ثم “بَتْرُوشْكا” في 1911 ثم باليه “طقوس الربيع” في 1913 الذي أقام الدنيا ولم يقعدها بعد، إذ تكاد لا تخلو قطعة كُتبت من بعده من شيء منه، كما أدت موسيقاه إلى إحداث انقسام حاد في الجمهور، تضارب فيه أعضاء الشقّين بالآراء والأيدي أثناء العرض الأول في صالة الشانز-أليزيه بباريس.
وتقول الباحثة جوي مَلْفِل، صاحبة الكتاب القيّم “دْياغِيلَف وأصدقاؤه” الصادر في لندن في 2009 “إن دياغيلف كان مثل قطعة المغناطيس التي اجتذبت المواهب الكبرى في التأليف الموسيقي والرقص وتصميم الرقص والمسرح والأزياء. وكانت موهبته هو ألاّ يدرك قدرة كل منهم في العطاء وحسب، بل أن يوفّق بين كلٍّ منهم وبين العمل وطرازه وحقبته كذلك”.
لقد كان دياغيلف بمثابة النجمة التي تتغلب على قوى الجذب الكونية فتنشئ منظومتها الشمسية الخاصة بها، فهو مالئ الدنيا وشاغل الناس، إذ إنه يفتح أبواباً ويمهّد طرقاً للكثيرين من معاصريه ومن بعده للتجديد والابتكار وذلك على الرغم من الرفض القاطع بدايةً لدى قطّاع شاسع من المؤدّين، فما بالك بجمهور المتلقّين؟ نعود إلى الكاتبة جَوي مَلْفِل وهي تسرد وقائع أحداث من العام 1912 لا بدّ أنها تكررت في مدن شتّى في خضمّ تجوال الفرقة:
“كان قد تمّ التعاقد مع فرقة الباليهات الروسية بغية تقديم باليه بَتْرُوشْكا في دار الأوبرا في فينّا، لكن أعضاء الأوركسترا هناك رفضوا التدرّب على عزف موسيقى سترافِنسكي المرافقة لذلك الباليه بحجة أن كل نوتة فيه تعارض أصول الهارموني، أو التناغم، التقليدية، ما جعلهم يشعرون بالإهانة لمحض مطالبتهم بأداء القطعة.
هنا طفح الكيل لدى دياغيلف، فوقف عند حاجز الأوركسترا وقد بدت على وجهه علامات الازدراء وقال: إني أكاد لا أصدّق أنني أخاطب أعضاء أوركسترا دار الأوبرا الفينّاوية الشهيرة عالمياً، لا صانعي أحذية في مكان لم يسمع به أحد.
ثم أردف يقول إن سترافنسكي عبقري موسيقي يلاقي إعجاباً في أوروبا برمّـتها، ولا بدّ أن ثقافة أعضاء الفرقة ناقصة إذا ما عجزوا عن استيعاب موسيقاه. بل وأضاف: إن فينا كانت قد اتّهمت بيتهوفن في عصر من العصور بالإخلال بقوانين الهارموني، فلا تظهروا جهلكم كما فعلتم من قبل!
وبعد هذا التوبيخ المجلجل، إنصاعت الأوركسترا للأمر الواقع وأخذت تتدرّب على عزف موسيقى سترافنسكي، وحين انتهت الجلسة، صفّق أعضاؤها لدياغيلف، فقام من مكانه في الصالة كي يبادلهم التحية وكأن شيئاً لم يكن”.